منذ سنوات وأنا أتتبع عن كثب الحياة الفكرية والأدبية ببلادنا ، ومنذ سنوات وأنا احاول أن أميز معالم هذه الحياة وأحلل طبيعتها ، وأقتفى آثارها فى سبلها الكثيرة المتعرجة طمعا فى الظفر بصيغة صادقة أو تعريف صادق يشفى غليلي ، ويقودنى من يدى الى حقيقة الفكر ورسالة المفكرين عندنا .
الا أن تتبعى لمسيرة الفكر عندنا قد كشف لى أشباء خيبت ظنى ، وبددت الحلم الذى نسجه خيالي حول الفكر والمفكر " السوبرمان " - ذلك الرجل الذى يحمل الانسانية فى ذاته ، ويحمل المجتمع على كفين من الحنان ، فينفعل كلما مس قومه سوء ، ويضنيه الاسى كلما مس الانسانية عاد من عوادى الحياة الكثيرة . وفي الحالتين - حالة الانفعال وحالة الضنى - يكون هذا المفكر ينبع بسلاف الفكر ضاربا قلبه ليخرج النبوغ
وبانخراطى فى زمرة المصابين بهواية الادب تضخمت فكرة فى رأسى ، وكبرت حتى صارت كالمنطاد ، فملآت جنبات فكري - هذه الفكرة مفادها : ان المفكر بطبيعة تكوينه ، وبطبيعة حسه الرقيق ووعيه بمشاكل المجتمع الانسانى وبجبلته المنطبعة على الايثار لا الاثرة تنمو أخلاقياته ويرتفع الى مستوى أحلام أمته ليكون بنفسه حاديها ، وليسبق - بتصوره للمستقبل - خطاها حتى يرسم لها - بفكر يتميز بالحياة - معالم المدينة الفاضلة ، وهو يفعل هذا قبل أن تنمو بذور هذه المدينة فى الواقع السياسى والاجتماعى ، باعتبار أن المفكر الحق سباق لعصره ، رواد بذهنه لمملكة المستقبل ، متساميا دوما على الواقع الموجود بكل ما فيه من تناقضات وارهاصات ، ناشدا باستمرار لواقع اجتماعي وحضارى أفضل
وان المفكر ذا الامتداد الزمني - أعنى المفكر المستقبلي يتخلى بطبيعته عن تلك المشاعر التى تلم بالانسان البدائى مثل الحسد والغيرة ومحاولة السبق في ميدان الفكر بالحيلة والطرق الملتوية ، باعتبار أن المفكر بطبيعة تكوينه - كما سبق القول - ترتفع أخلاقياته . وبذلك يحق له أن يكون ذا قلم شريف ، بحيث يكتسب الشجاعة التلقائية بواعز الضمير الحي ، فلا يخشى عندئذ فى
الحق لومة لائم ، ولا يتراجع فى الاصداع بآرائه الاجتماعية والسياسية كلفه ذلك ما كلفه .
وهل اكتسب المفكرون عندنا هذه الصفات ؟ وما هى أصناف المفكرين عندنا ! وماذا نتج عن تعدد نحلهم واتجاهاتهم السياسية ثم ما هى المؤثرات التى تركت بصماتها واضحة على انتاجنا الفكرى ؟ وكيف يمكن أن يكون لنا فكر سباق
لا أكون مبالغا اذا قلت ان المفكرين عندنا ينقسمون الى شيع وقبائل ، وكل شيعة وقبيلة لها مذهبها السياسى ، وصورتها المستقبلية لواقع الحياة الاجتماعية ، كما أن لكل شيعة مصالحها الخاصة ، فتسير فى حياتها الفكرية حسب مقتضيات هذه المصالح ، وحسب حصولها عليها أو حرمانها منها ، وهذه الشيع يمكن أن أرتبها - على أساس أولوية الترتيب العددى ، لا على أساس المستوى الفكرى - كما يلى :
- المفكرون الملتزمون :
وهم الذين عرفهم بعض أدبائنا أثناء المؤتمر التاسع للادباء العرب بأنهم هم الذين يبقون لا خارج الاطار ولا داخله ، بل هم أولئك الحائرون أبدا . وصاحب هذا التعريف يقصد جماعة المفكرين المرتبطين بالسلطة الحاكمة اما بدافع الوطنية أو بدافع المصلحة . والحقيقة أن انتاج هذا الصنف قد واكب الحركة السياسية فكان الشعر وكانت القصة والرواية كل يصف جور الاستعمار وما لاقاه الشعب من مشاكل اقتصادية واجتماعية ، فكان الانتاج عند هؤلاء يتصف بالقوقعية ، ويحد بفترة تاريخية معينة وهذا ليس بعيب نؤاخذهم عليه اذ يكفى هؤلاء فخرا انهم بأدبهم قد خلدوا مادة غزيرة تعطى صورة واضحة على حياة التونسيين فى فترة معينة لعالم الاجتماع والمؤرخ
الا أن ما أؤاخذ عليه هؤلاء أنهم يشطون فى الالتزام حتى يكاد يصبح أدبهم تقارير صحافية ووعظا وارشادا سياسيا ، فلو أردت أن تقارن بين ما يقوله هؤلاء ويكتبونه على انه أدب وبين ما يقوله رجال السياسة لما وجدت بين القولين فرقا كبيرا . وهم لالتزامهم يتهيبون من كشف الحقائق الاجتماعية والسياسية بداعى الانضاط أو خوفا على مصالحهم التى يمكن أن يحرموا منها من جراء مكاشفة الناس بالحقيقة والعذر الذى نلتمسه لهؤلاء فى هذا المجال هو أن مذهبهم في السياسية هو مذهب السلطة القائمة وتصورهم لمستقبل البلاد من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية هو تصور السلطة القائمة ، ولا أنكر أن هذا ناتج عند بعضهم
عن وطنية صادقة وايمان عميق بمستقبل تونس فى الحضيرة العربية وبدورها فى الحضيرة الانسانية ، مما جعلهم يسعون الى ربط المجتمع التونسى بالمجتمع العربى وبأصالته التاريخية ، ايمانا منهم بأن الشعب التونسى لا بد أن ترتبط ثقافته وحياته الفكرية بالثقافة والحياة الفكرية العربيتين . لان فى ذلك وقاية للمجتمع التونسى من الانحلال ، ولان مصير تونس السياسى والاجتماعى هو مصير العرب أجمعين . الا أن ما يقوله بعض هؤلاء فى هذا الصدد محتشم وغامض ، وكثيرا ما يقع القراء من جراء ذلك فى بلبلة فكرية ، وخلط في المفاهيم . وغموض المواقف هو طريقة يتخذها هؤلاء للمحافظة على مصالحهم وهم فى السر يخالفون ما يقولونه فى العلانية
المفكرون العلمانيون :
وهم المتدكترون والمتأفرجون وانك لتجد عند الواحد من هؤلاء حمولة من الشهائد فاذا سألته عن الفائدة من هذه الشهائد الكثيرة اذا لم تكن نتيجتها فكرا خصبا وأدبا خصبا يدل الفرد الضائع الى حضيرة شعبه ويدل الشعب التائه فى الضلالة الى حضيرة العرب الكبرى - اذا سألته هذا السؤال فانه يتعلل لك بأنه مشغول بأعمال كثيرة ، وانه يعمل وينتج فى الخفاء .
والواقع أن هذه الجماعة رغم ما لها من قيمة علمية ومعرفة بمناهج البحث وقدرة على الاستنباط والتفكير وتغزير الانتاج - رغم هذا كله فانها لا تنتج الا قليلا ، وحتى ان هى انتجت فاننا لم نشاهد هذا الانتاج فى يوم من الايام على صفحات المجلات أو الجرائد ، وقلة انتاجها ترجع الى سبب بسيط هو أن جل أصحابها يتهالكون على الوفرة والربح ، فهم يجمعون الاموال من البرامج الاذاعية والتلفزية ، ويكدسون الاموال من التدريس بالجامعة وبالمدارس الحرة . وأغلبية أفراد هذه الجماعة لا يتعدى انتاجهم أطروحات لم يطبع جلها الا بالآلة الراقنة وهى تنام حاليا فى رفوف مكتبات الجامعة . وعدم طبع هذه الاطروحات يعود الى سبب آخر هو أن يكثف المتأفرج أطروحته بالمعلومات التى يقتنصها من عروض الطلبة فى نفس المادة أثناء السنة الدراسية هذا اذا لم يكن متحصلا على دكتوراه ، أما إذا تحصل عليها فقل على الانتاج السلام فانك لا تقرا للدكتور الا بحثا واحدا كل سنة ينشره فى حوليات الجامعة . قلت هذا لأدلك على أن بعض من لهم شهائد عليا فى بلادنا وأمرناهم على خلق الاجيال يعيشون فى كسل ذهنى تام لا هم لهم الا الخبز والمنزل الأنيق ، والسيارة الطويلة
ومن هذه الجماعة من انتج بعض الدراسات التاريخية المستنتجة من الآثار والحفريات ، وأراد بها أن ينافس النزعة الفرعونية المصرية ، فحاول أن يغرس
فى أذهاننا الفكرة القائلة بأن حنبعل هو جدنا ، وأن يوغرطة هو والدنا الحنون ، واننا شعب بربرى ألف بالمائة ، وهذا الذى يدعى الفكر قال ما قاله ليقطع عن هذا الشعب اليتيم فكرة الانتماء الى الحضارة العربية الاسلامية - هذه الحضارة التى تجرى فى عروقه ودمائه ، وتتجلى فى عاداته وحياته ، وفي نزوعه الى المستقبل ، وفي علاقته بالعالم
والحقيقة أن هؤلاء رغم ما فى بحوثهم من نزعات تمليها الظروف السياسية فان لهم مجهود البحث والاستنباط على الاقل ويكفيهم ذلك فخرا ، الا انه يحق أن نطلق عليهم اسم المفكرين الانيين " وأعني بلفظة " الآنية " ذلك النوع من المفكرين الذي تقبر اراؤه وأفكاره حالما يتغير النظام الاجتماعى والسياسى القائم ، فهم الذين يتقيدون فى حكمهم على حياة الشعوب بفترة زمنية معينة دون النظر الى طبيعة الحضارة التى جبل عليها ذلك الشعب أو تلك الامة فيكون بذلك انتاجهم الفكرى رهن تغير رياح السياسة
- المفكرون الغوغائيون :
وهم الذين ليس لهم مذهب ثابت فى الادب والعقيدة ، فهم في كل حين يتمذهبون بمذهب جديد ، فحينا يلعبون الكرة مع ماركس ، وحينا يردونها الى لينين ، وتارة مع ميشال عفلق وتارة أخرى مع موسلينى وطورا مع فورد وطورا آخر مع كل مار فى الطريق . فهؤلاء لا استقرار لهم في السياسة ، فهم اشتراكيون مع الاشتراكيين ، وشيوعيون مع الشيوعيين ، وقوميون عرب مع القوميين ، ورأسماليون مع الرأسماليين
والحياة الفكرية عند هؤلاء هي صورة مطابقة لحياتهم السياسية .
فألفكر الشرقى يكون عندهم رائد الفكر فى العالم اذا جلسوا مع مفكرين من الشرق ، ويكونون عندئذ فى فكرهم شرقيين . وهم وجوديون يكفرون بالقيم والاخلاق الاجتماعية القائمة اذا جلسوا مع أصحاب اللحى الطويلة والشعور المتهدلة الذين يأكلون ماركس ويتسحرون بلينين
وأدب هؤلاء وكتاباتهم تتلون من حيث المضمون بتلون معتقداتهم وتغيرها وبتغير الطقس السياسى والاجتماعى . أما الشكل الذى يتخذونه لما يكتبون فذلك رهن الموضة المتبعة فى الغرب سواء كان ذلك فى المسرح أو في القصة أو غيرهما .
ولست أنكر على هؤلاء أخذهم لاشكالهم الادبية من الغرب انما انكر عليهم
وعلى نفسي رضانا بما هو جاهز ، اذ نحن لم نحاول خلق أشكال أدبية من واقع الشرق بحيث يمكن لهذه الاشكال الادبية أن تحمل أحلام الشرق وتحمل تطلعاته ومميزاته .
فشعبنا الشرقي ما زال يؤمن ببطولات عنترة ، وحكايات أبى زيد الهلالي ، وما زال شعبنا يتشبث بالقادرية ويقيم حفلات الذكر ويعتقد في الجن والعنقاء ، مما يدلنا على أن عقلية الشرقيين تنزع باستمرار الى الخوارق للعادة والى نشدان المجهول ، فهى عقلية حالمة بالضرورة وبحكم طبيعتها ومعتقداتها ، فهلا نستطيع خلق أشكال أدبية تعبر عن عقلية الشرق بصدق ، وبالتالى تعبر عن شخصيتنا الحقيقية ، النزاعة دوما نحو الخير والجمال والمطلق
ان الحق يقال ، لقد هربنا من أشكال ادبنا القديم بدعوى أنها جاهزة فوقعنا فى أشكال أدبية غربية جاهزة هى أيضا ، لانها ليست من انتاج فكرنا الشرقي وليست من صنع واقعنا الاجتماعى والسياسى ، فوقع فكرنا من ثم فى مأزق التناقض الواضح .
فالاشكال الادبية الغربية هى نتيجة حضارة صناعية وصلت أوجها ، ونتجية حياة اجتماعية مضطربة صاخبة ، ملها انسان الغرب ، ومن ملله كثر هوسه ، فسعى أديب الغرب الى تصوير هوس انسان الغرب ، فكان من ثم ما يسمى فى القصة بالحديث الباطني " .
فهل لنا صناعات وحياة اجتماعية تشابه فى اضطرابها حياة أروبا ؟ صحيح ان حياتنا وأساليب عيشنا ونمط أخلاقنا قد طرأ عليها تغيير ، وطرأ عليها اضطراب ، لكن ليست بالصورة التى نجدها عند الغربيين .
وقد يقول لى قائل فى هذا المجال ما قاله لى أستاذ من أساتذة جامعتنا خلال مناقشة : لماذا نستورد الملابس والموضات والآلات الصناعية من الغرب ولا نستورد الاشكال الادبية ؟
أعتقد أن من يحتج بهذه الحجة الواهية يخلط بين واقع اقتصادى آنى ومتغير ، وبين واقع فكرى متطور فى خط تصاعدى مستقيم ، وعلى ضوء تطور الفكر السوى والتصاقه بحياة الامة ومعتقداتها وخصائصها أو عدم التصاقه تكون شخصية الامة فى ثباتها أو فى انعدام هذا الثبات ، وحسب رسوخ شخصية الامة فى واقع الحياة أو انتفائه . يكون ازدهار الحياة الاقتصادية أو عدم ازدهارها .
فعلى هذا الاساس يكون نمو الحياة الاقتصادية رهن الفكر واستقلاله ، وليس الفكر هو رهين الاقتصاد الا فى حالة استثنائية وهى : أن يكون الشعب جل رجاله أشباه رجال .
- المفكرون الهوائيون :
وهم المعلقون فى الفضاء فلا جذور فكرية تشدهم الى أرض الامة التى يعيشون فيها . فهم يرفضون الانتماء الى التراث العربى القديم ، ويرفضون الاطلاع عليه بحجة أن بعضه وجد فى عصر الناقة وبعضه وجد فى العصور اللاحقة التى بقى ظل الناقة يخيم على أدبها ، وهم يرفضون كذلك هذا التراث بمنطق سفسطائى وهو أن حضارة العرب القديمة لا تشابه ولا تناسب حضارتنا وبالتالى فان الادب الذى وجد ابان هذه الحضارة القديمة لا يمكن أن يفيد أو ينفع أدبنا الحاضر ، فكيف تفيد الناقة الصاروخ ويؤثر الفرس في الطائرة
فالادب فى نظر هؤلاء وليد حضارته ورهن عصره ، فلا يمكن له أن يؤثر فى حضارات لاحقة وعصور آتية بعده .
وينسى هؤلاء أننا لو فلسفنا الفكر على ضوء الحضارة لرأينا ان حضارة القرن العشرين هى زبدة حضارات الانسان القديمة ، ومعنى هذا أن كل حضارة افلة تصب زبدة ما وصلت اليه من علم وفكر وفن فى بوتقة الحضارة المشرقة من جديد بعدها ، فتبتدئ الحضارة الجديدة من النقطة التى انتهت اليها الحضارة الآفلة ، وحتى وان اختلف شكل الحضارة الجديدة عن القديمة فان مضمونها لا يختلف عن مضمون الحضارة السابقة لها . والفكر الانسانى هو تماما كالحضارة يقوم على مبدأ التواصل ، اذ تبدأ فيه النهضة الجديدة من النقطة التى وقفت عندها النهضة السابقة لها ، وحسب منطق التتابع الزمني وتسلسل مسيرة الفكر والحضارة تتحقق بذلك وحدة الفكر الانسانى ، فيحق بذلك كذلك لانسان اليوم أن يفخر بما ابتكره الانسان البدائى من آلات بسيطة لحماية نفسه من غوائل الطبيعة ، - هذه الآلات التى كانت على بساطتها نقطة انطلاق ركب الانسانية فى مجالات الحياة المختلفة .
ان الذين لا يرون فى التراث العربى القديم فائدة هم مخطئون ، وخطؤهم يظهر واضحا اذا نظرنا رأيهم بمنظار التسلسل المنطقي للفكر والحضارة المذكور انفا . - هذا التسلسل الذى لولاه لكان الانسان كالرحي يدور حول نفسه باستمرار ، فلا تتحقق بذلك حضارة ، ولا يخصب فكر ، ولا تكون السيادة الا للعدمية والزوال .
وعدم اهتمام البعض بمعرفة تراث الفكر العربى القديم جعلهم يرتمون فى أحضان الفكر الغربى بلا هوادة ، فيصير الغرب كل شىء عندهم ، ويكون الشرق لا شئ ، واذا هذا المنزع يجعل هؤلاء يعيشون بروحهم ووجدانهم مع فولتير وبالزاك وزولا ولامرتين وهوفو ، ويغلقون قلوبهم وأرواحهم عن المعرى والمتنبى وأبى حيان التوحيدى ، وعبد الحميد الكاتب وابن المقفع وابن رشيق وابن حزم . واذا هذا المنزع المتغرب يدفع بهؤلاء للتشبع من وجودية سارتر وأمثاله ، وتجارب آلان روب فرييى وأنصاره ، ويتعشقون البرتومورافيا ويعبدون دستويفسكى ، ويكبرون لفلولكنر ويركعون لهمنفواي ، ويلهثون وراء بيكات ، ويصلون بصفة عامة لكل ما يأتي من الغرب حتى من حثالة الفكر بدعوى مبدئهم القائل : الفكر الراقي لا يأتى الا من حضارة راقية ، وهم فى كل هذا يتغافلون عن التشبع بروح الشرق وثقافة الشرق ، لكى يبتكروا أدبا شرقيا لا يحمل سحنة القرود ولا يتضمن تفاهات المجانين
وقد صار أدباء الغرب الذين ذكرتهم وغيرهم عند أصحابنا مقياسا وحجة على فساد أدبنا وفكرنا أو صلاحه . ولذلك كانت وما زالت هذه الجماعة تعيش بأجسامها فى مجتمع شرقى ، وتعيش بفكرها ووجدانها فى خضم مجتمع غربى يتناقض من حيث طبيعته وواقعه الاجتماعى والسياسى والفكرى مع مجتمع الشرق وواقعه ، ولذلك فهم ينطلقون فى حكمهم على فكرنا الشرقي من أرضية فكرية غربية ، أوجدتها ظروف مجتمع تختلف أساسا عن ظروفنا ، وتتباين حياته وتصوراته للأشياء مع حياتنا وتصوراتنا ، ولذلك أيضا فان الفكر عند هؤلاء مبنى على أسس خاطئة فكانت كتاباتهم من ثم غير مركزة ، تشكو الضعف حينا ، والخلط - بين مفاهيم عديدة - حينا آخر ، وكثيرا ما تجد تناقضا واضحا بين ما يقوله الواحد عن هؤلاء فى مقال من مقالاته اليوم ، وبين ما يقوله فى الغد ، وغالبا ما تتصف كتاباتهم بعدم الامتداد ، أعني انك اذا قرأتها لا تعطيك رؤيا فكرية جديدة ، ولا نظرة للحياة جديدة ، ولا تحفز فى نفسك الطموح لتسير فى دربك بسرعة أكثر ، ولا تهذب حسك ولا ذوقك لتحب العالم أكثر فأنت اذا قرأت كتابتهم تكون كالحيوان الذي يلتهم نخالة تشبعه لا محالة ولكنه لا يتغذى منها .
ولعل عذر هؤلاء انهم يبحثون عن الجديد ، ويحاولون الابتكار بشتى الوسائل ومن الطبيعى أن يكون الجديد فى بدايته ضعيفا لانه يكون بحثا عن سبيل أكثر منه ابتكارا .
والواقع اننى لا أعيب على هؤلاء أخذ مبادئ الغرب الفكرية لتكون أساسا
ينبني عليه فكرنا الحديث ، فهم لو يفعلون هذا لاجل الفكر السليم لهان الامر ، ولكنهم يعتنقون الفكر الغربى لاجل أغراض سياسية يحاولون على ضوئها - بلا جدوى - تبديل أخلاقيات مجتمعنا الشرقي ، وتبديل عاداته ومعتقداته بمعتقدات غربية يحاولون ترسيخها بشتى الطرق والمسالك ، ومنها الطرق الفكرية ، وهم يفعلون ذلك لا لخلق مجتمع جديد في شكله ومضمونه انما يفعلون ذلك للوصول لاغراضهم السياسية ، أو بالاحرى لسيادة أديولوجياتهم فهم بالطبع فى هذه الحالة يدخلون الفكر من بابه الخلفي
ورفعا للالتباس وابعادا لنعيق الناعقين أقول اننى لا أنكر أبدا على نفسي ولا على هؤلاء ان نتناول لقاح الفكر من أى مكان من العالم ، أو أن نأخذ المعرفة من أى مكان من الدنيا ، وانما أنكر عليهم وعلى نفسى عدم الاهتمام باستقلال فكرنا الشرقى ، لان الفكر هو رائد الامة الخلاقة ، والفكر العملاق المستقل فى منهجه هو ظل الامة العملاقة ذات الدور الحضارى العظيم
- المتصفون بالفكر :
وهم الذين نجدهم فى النوادى الادبية والمحاضرات العامة يفتون في شؤون الفكر ، ويشرعون أحكامه فيقيمون الارض ويقعدونها ، منصبين أنفسهم ملوكا على الفكر ، وأمراء على الادب ، ومفتين أثناء ذلك في شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية رغم أنهم هواة فكر وليسوا من أهل الفكر . وفي الحقيقة أنه مثلما نجد المتطفلين على الصناعة أو التجارة أو على السياسة والعمران ، فان هؤلاء ايضا من المتطفلين على عالم الفكر بالمناقشات الرخيصة ، والمشادات الجوفاء ، فهم مثل الذباب الذي يقع فى الطعام يصيبك منه الغثيان ولكنه لا يستطيع أن يضرك بشئ آخر
ومن المتصفين بالفكر وهم منه براء أولئك الذين يكتبون مقالا أو شبه قصة فيجلسون لذلك الدنيا على قرن ثور ، ويجعلون من أنفسهم قادة الفكر وزعماء الحلول الاجتماعية والفكرية الصائبة ، فيحاولون بدافع التعالي وكسب الشخصية التحقير من شان غيرهم حتى يظهروا أنفسهم بمظهر قادة الفكر فى البلاد . وانت لو تتبعتهم عن كثب وجالستهم أحيانا لرأيت أنهم يقطعون كل يوم سراويلهم على كراسى المقاهى ، ولتحققت من أن فتاواهم في شؤون الفكر لم يأخذوها من بطون الكتب وانما تلقوها من أفواه أشباه المثقفين ، وزحفوا بذلك الزاد على النوادى ليقلقوك ويقلقوا غيرك بما يشبه الرأى وبما يشبه الفكر ومن الواضح أن فى كل ميدان من ميادين الحياة الحسية والمعنوية رغوة وفقاقيع
تزول بزوال فورة التيار الذى تسبب في وجودها . وهؤلاء هم فقاقيع الفكر والادب ، سيحكم عليهم الزمن بالزوال لانهم ليسوا مخلصين للفكر فيضحوا لاجله بالوقت والجهد ، كى يفرضوا أنفسهم بحقيقة موضوعية بعيدة عن الثلب وبعيدة عن الزيف ، وهذا الاسلوب فى السلوك لا يستطيعون به مقاومة التيار ولا يقدرون بواسطته الوقوف بأقدام ثابتة على أرض رخوة .
- المفكرون الفدائيون :
ومن هذا النوع قلة تعد على الاصابع ، وأصفهم بالفدائية لسبب واضح وهو أن المفكرين الفدائيين عندما يكتبون لا يسعون من وراء كتاباتهم الى نيل المناصب التى يسعى لها غيرهم من المخربشين ولا يلهثون وراء الشهرة أو الربح المادى ، وانما هدفهم فقط هو تحليل آرائهم ونشرها بين الناس ونقد الاوضاع الاجتماعية والسياسية ، ورسم سبيل واضحة لامة عربية اسلامية عظيمة .
فالمفكرون الفدائيون لا يرون وجودهم الا فى وجود أمتهم ، لذلك فهم يسعون ويعملون على نظافة الفكر وابعاده عن الترهات والنزعات الشخصية باعتبار أن الفكر العظيم هو ظل الامة العظيمة ، وكذلك لعلاقة الفكر السامي بالحياة الاجتماعية السامية .
وهذا النوع من المفكرين يعمل فى صمت ، وينقد المجتمع والحياة فى صمت ، ويتقبل السطو على انتاجه فى صمت ، ويتحمل مسؤولية كتاباته فى صمت .
وتتميز كتابات المفكرين الفدائيين بالامتداد الانساني ، وبالرؤيا المستقبلية وبخصوبة الموضوع ودقة الكتابة . وذلك لانهم يرون أن للكاتب مسؤولية تاريخية يؤديها لامته ، وانه متى انحرف عن هذه المسؤولية فان الامة تنحرف عن مسار التقدم ، ولاجل ذلك فهم يتصفون بأخلاقية فكرية عالية تبعدهم عن كل المشاعر البدائية التى أدت ببعض القوم الى كتابة مقالات وبيانات تشبه الادب وتستعير لباس النقد ، لانها مصاغة بصيغة هستيرية محمومة تكشف عن نوايا صاحبها من خلال الاسلوب والمضمون
والمفكرون الفدائيون غالبا ما يضربون بمصالحهم عرض الرصيف اذا تعارضت مع مذاهبهم الفكرية فى الحياة والمجتمع ، فهم أصحاب مبادئ ثابتة لا تميل اذا الريح مالت ، ولا تتقلب مع الطقس السياسى فتنزل وتصعد فى ترمومتر الظروف .
فهدف المفكرين الفدائيين الاول هو الخلق والابداع لتصوير حياة المجتمع تصويرا صادقا وكشف النقاب عن الحقائق الغامضة التى قد تغطيها الكواليس السياسية والاجتماعية ، وهم لتعمقهم في معرفة الواقع ولتحليلهم له وبحثهم عن الحقيقة يحكمون للمجتمع أو عليه ، وهذا الحكم يتراوح بين القسوة واللين حسب حب المفكر لأمته وقومه ، وحسب تعارض أو توافق مسرحيات ما وراء الكواليس مع مسرحيات الواقع . وانك لتجد هذا النوع من المفكرين يتألمون لالم المجتمع ، ويحلمون على الدوام بمستقبل انسانى أفضل . وانك لتجد هؤلاء ايضا يحملون فى أعماقهم هموم أنفسهم وهموم غيرهم ، حتى لكأن الانسانية تعيش فيهم بآلامها وأحلامها ، وحتى لكأنهم يعيشون في أعماق الوجود الانسانى مستقطبين له بفضل ما لهم من تجربة ، وعارفين بمشاكله وتطلعاته بفضل ما لهم من وعى بمشاكل السياسة ومشاكل الحضارة المعاصرة ، وبفضل وعيهم العميق بمشاكل التطور اكتسبوا رفعة الاخلاق الفكرية هذه الاخلاق التى تزيدهم على الدوام التحاما بالانسان وخدمة للانسان ، لانهم يكتشفون أنفسهم باستمرار فى الآخرين
وعن هذه النحل والملل الكثيرة من المفكرين ذوى المذاهب السياسية المختلفة وطرائق التفكير المتباينة نشأ خلط فى حياتنا الفكرية بين الفكر والسياسة . فمنهم من يحاول فرض رأيه السياسى أو اديولوجيته عن طريق الكتابة وهؤلاء هم الكثرة الغالبة ، وهؤلاء هم الكتاب الذين لا يرغبون فى الخروج من بوتقتهم ومحيطهم لان سلاسل المصالح تكبلهم ، ومنهم من يرغب في الكتابة لانه يسعى الى التعبير عن حقائق نفسه وحقائق مجتمعه بصدق وهؤلاء هم القلة .
والفرق بين الفكر والسياسة واضح ، فالسياسة وان كانت في عالمنا المعاصر مصدرها التفكير الا انها فى الحقيقة يعوزها عنصر هام وهو عنصر " الاستقرار أعنى بذلك أن الفكر فى جوهره خط مستقيم لا نهاية ولا بداية له يمر على طول امتداده بنقط الحقيقة لانه ينشدها ويسعى الى تركيزها فى العالم . أما السياسة وان كانت منحى من مناحى الفكر ، الا أنها تمتاز بالتقلب وعدم الاستقرار على حالة لانها مقيدة بظروف خارجة عن نطاق الفكر وهى ظروف الاقتصاد والاجتماع ، ونتج عن هذا الخلط أن عمد بعض الكتاب منا الى اخضاع ما يكتبه الى ظروف السياسة الآنية ، ومما أدى الى وجود كتابات تشبه الادب وليست بادب وتحمل سحنة الفكر وليست بفكر ، كما أنها خالية من الامتداد الانساني بل كثيرا ما نجدها معادة ومكررة من حيث المضمون مثلما تكرر السياسة وتلوك
وتعيد مشاكل الحياة اليومية ، وفى اعتقادى أنه لا بد من فصل الفكر عن السياسة لان الفكر فى بلادنا متأثر بظروفها لائط بمضامينها ، موجه من طرفها فالفكر لا بد أن يكون سيد السياسة حتى يضمن ازدهاره واستمراره ، لا أن تكون السياسة سيدة الفكر ، وذلك لان السياسة والفكر يختلفان حتى من حيث الغاية ، فالاولى تبحث عن المصالح ، والثاني يبحث عن الحقيقة القارة فى الاشياء والكون . وفي اعتقادى أيضا أن من يؤمن بمذهب سياسي أو اقتصادى معين عليه - فى حالة الدفاع - أن يدافع عنه بطريقة الفن الرفيع لا بطريقة الاساليب السياسية المعادة فى وسائل الاعلام ، وبتحمس المذيعين فى بلادنا ، لان ذلك يؤدى الى ابتذال الفكر وتحديده بحدود معينة ، والفكر فى جوهره لا حدود له والرأى عندنا أن هذا المنحي هو الذي جعل النقد فى بلادنا أقرب ما يكون الى السب والثلب منه الى الكتابة الحقيقية ، لانك اذا لم تكن متمذهبا بمذهب زيد أو معتنقا لعقيدة عمرو فانك تكون خارجيا ، وتبعا لخروجك فى ميدان السياسة فانك تكون أيضا خارجيا فى ميدان الفكر ، فيصب بعض كتابنا على رأسك مما يشبه النقد ماء حميما ، ليحرقوك ويخلصوا ميدان الادب منك ، لانك فى نظرهم حجر عثرة فى طريقهم ما دمت لم تتمذهب بمذهبهم ، فيكونون منك دائما على حذر ، لانهم غالبا ما ينظرون اليك بخبث السياسة لا بسماحة الفكر . ومن هذا المنطلق اتخذ الفكر فى بلادنا طريقة التكتلات نسجا على منوال السياسة وقد أدت هذه التكتلات الى صراعات كانت نتائجها سيئة فى ميدان الادب والنقد بالخصوص ، اذ كثر التناقض وقلت الموضوعية وكاد ينعدم التقييم الرصين .
وليس التأثر بالسياسة فقط هو الذي جعل الفكر متقلبا فى بلادنا بل هناك سبب آخر هام ومعروف لدى القراء وهو بحث بعض كتابنا عن الشهرة بشتى الطرق ، وغالبا ما لا يدعمون بحثهم هذا بعمل خلاق . ولاجل البحث عن الشهرة اتخذ النقد عندنا فى بعض الاحيان طريقة البيع والشراء : وهو أن يجلس معك فلان أو فلان باسم الصداقة فى مقهى من المقاهى أو فى قعر حانة من حانات المدينة ، فيسقيك حينئذ على نخب الصداقة قهوة أو كحولا ، وعاد ما يسقيك الجعة أو الوسكى حتى ترى " أفركا " ذبابة ، وعندما تهم بالوقوف من مقعدك - فى نهاية السهرة - والرجوع الى مقرك ، يستوقفك ، ويطلب منك باسم الصداقة أن تنقد له مقاله الفلانى ، أو قصته الفلانية ، أو تعلق تعليقا يليق بمقامه على كتابه الصادر حديثا ، فلا تجد عندئذ بدا من تلبية مطلبه لان جعته أو قهوته أو وسكيه فى بطنك ، وأطنانا من كلامه المعسول الذى صدره اليك باسم الصداقة تتردد فى ذهنك ، فتأخذ قلمك وأنت مسطول بالجعة
او ومنتش بالكلام اللطيف ، فتكيل لصاحبك الاوصاف الراقية كيلا فتجعل منه فى كتابه أو فى مقاله أو فى قصته العالم العلامة ، والدراكة الفهامة ، والعبقرى التحرير ، صاحب الوزارة فى البيان والامارة في الكتابة فتصنع من صاحبك فى نشوة من نشوات الخمر عبقرى الاولين والآخرين . والنقد على هذه الطريقة يرجع أساسا الى تلك النزعة المشؤومة وهى حب التفوق على الغير مهما كان الثمن ، وعادة ما يقوم بهذا السلوك اصحاب الكفاءة المنقوصة الذين لا يأنسون فى أنفسهم ثقة ، وهؤلاء يكرهون منك ان تعمل فى صمت ، وتسير بين الناس فى صمت ، لان هوايتهم اثارة الضجيج حولهم لجذب انتباه القراء ، وما أكثر هؤلاء في مجالات حياتنا اليوم !
وقد قال لى ذات مرة بعض المتأدبين يا فلان انك تحصر نقدك على كبار القوم ولا تنقد ادب الشبان ، وأضاف قائلا وضاحكا أيضا : لا بد أنك تبحث عن منصب من وراء نقدك لكبار الحومة . . . ضحكت لقوله بدورى ولكن بمرارة وعرفت ان صاحبى من الذين يتعشقون صفقات النقد ، والواقع أنني لم أتخل عن نقد ادب الشبان لاننى استهين به ، بل أردت عنوة أن أتركه إلى حين حتى لا اضرب - مثل بعضهم - فى ميدان النقد ضربة لازب . فأدب الشبان ما زال يبحث عن طريقه ومميزاته ، وهو بالتالي لم يستقر بعد ، فناقد أدب الشبان لا بد ان ينتظر استقراره ، وأن يتتبع برصانة مناهله الغربية الكثيرة حتى يكون موضوعيا فى نقده . وبهذا السبب بينت لصاحبى لماذا بدأت نقد القصة والرواية عند جيل الاربعينات والخمسينات . فقد كان ذلك كذلك لان انتاج هذا الجيل لا يحمل أصباغا جديدة واضحة ، ولا يحمل هوية مستحدثة صارخة بل هو ادب مكتوب ببساطة وعلى ملامحه بصمات الحياة البسيطة فى المجتمع القدبم . ورغم هذا فان صاحبى لم يقتنع لانه ينتمى الى زمرة الادباء الغوغائيين الذين يكثرون فى حياتهم من الجعجعة أكثر مما يدمنون على العمل ، ولانه لسلوكه الغوغائى يحدثك عن الحرية ، ويتفلسف لك في مذاهبها ويرغب منك ان تستمع اليه ، ولكنك عندما ترغب في الحديث اليه بصراحة ، فانه يحاول بدما عوجيه عمياء أن يسكت صوتك ، ويحاول أن يقتل الحرية فى ذاتك ، ولا يخفى عنك أن الديماغوجية هى من خصائص السياسة وليست من خصائص الفكر والفن ، ولكن الفكر عندنا استعارها من مذاهب مستوردة بلبلت حياتنا الفكرية ، فكان من نتائج ذلك أن تعددت مفاهيم الفكر عندنا وتغيرت مرآته فلم تعد تميز على صفيحتها صورة الحقيقة من صورة الوهم ، ولا الفن الرفيع من الفن المفتعل ، ولا المفكر الصادق مع نفسه ومع وطنه من ذلك الذي يلبس رداء
الفكر لا غير ليشير الناس اليه بالاصابع ، ويتحدثوا عنه فى المقاهى والنوادى الى حين .
أما عن الحديث فى المقاهى وثلب أعراض الناس فحدث ولا حرج . فالغوغائيون والمفكرون الهوائيون والمتصفون بالفكر كلهم يشتركون فى تشريح أدبائنا وهم لا يبخلون على كل واحد بلقب من الالقاب . فهذا رجعى ، وهذا تقدمي وهذا طليعى ، وهذا كهمزة بين بين ، وهذا السلوك لا شك انه انعكاس للواقع الاجتماعى عندنا ، فنحن ما زلنا فى شرقنا نحفل بالالقاب الموروثة عن الامبراطورية العثمانية ، فنقول لزيد يا بيك ، ولعمر يا باشا ، وللمسؤول الفلانى يا دولة ، وللمسؤول الآخر يا سعادة ، ثم نجود على الشاعر الفلانى بامارة الشعر ، وعلى الكاتب الفلانى بوزارة البيان ، فنرفع بذلك الناس ونحطهم ونشرحهم ، ونحن قاعدون فى ركن مقهى أو فى حانة عربيدة
ان هذا الخلط بين المفاهيم ، والاشتغال بما يشبه الادب والاغراق فى المهاترات ، والجرى وراء الشهرة ، جعل حياتنا الفكرية غير مستقرة ، والفكر لكى يكون مبدعا يتطلب الاستقرار
فلكى يكون الفكر فى بلادنا رائدا لا بد أن يعتنق المفكرون أخلاق الفكر ويكتسبوا رفعته ، وأعنى بالاخلاق الفكرية الابتعاد عن الاثرة والتحلى بالايثار والابتعاد عن كل ما يشوه فكرنا بالبشاعة والبدائية من تطاحن على الشهرة وثلب لاعراض الناس رغبة فى التفوق
فالحقيقة التى يبرهن عنها الواقع هى التى تكمن فى العمل الدائب - ان هذه الحقيقة هى التى تصوغ شتات التجارب الانسانية فى اطار شامل يستوعب جميع اوجه الحياة ، وهي التى تكون صورة صادقة للفكر الخلاق - ذلك الفكر الذي يتحدى الزمان ، ويعبر المكان
فلا بد فى هذه الفترة الدقيقة من حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من تهذيب سلوكنا وفكرنا وتنمية هذا الاخير ، وتركيزه على متطلبات مصيرنا ولن يكون هذا الا اذا تحمل المفكرون فى بلادنا مسؤولية شق غياهب المستقبل ، وارتياد سبل المجهول ، ونقد الحياة نقدا موضوعيا ، بحيث يتسنى لنا به بناء الحضارة الحق والفكر الصادق
ن . ب
