" سينتهى اليوم كل شئ ! . .
يكفى ما كان . . يكفيها صبرا وانخذالا " .
السماء تشرع سحبها الثقيلة الخانقة فى وجهها . والهواء يتدفق باردا من النوافذ الباقية بلا مصاريع . والجدران التى لم تكلس بعد ، يزداد اسمنتها قتامة مع ارتحال الشمس .
رفعت باقة معطفها وهى تطرف ببصرها نحو الغيوم الكثيفة القادمة من الأفق .
تململ الصغار فى أماكنهم رغم الكتب المفتوحة أمامهم . سعل طفل . جذب آخر منديله يمسح أنفه .
هبت ريح تلسع كامل جسدها رغم اللباس الصوفى والمعطف الذى لم تتخل عنه .
" الريح والبرد ، والتعب ليل نهار ، والعمل فى اصطبل مفتوح . لن تستمر فى هذه المهزلة ! لن تواصل دورها المضحك المبكى فيها ! "
سرت همهمة فى صفوف الاطفال : - سيدتى ، إن الريح تطير صفحات كتابى . - امسك الاوراق بمسطرة . دفعت طفلة هزيلة اصبعها بتردد .
- سيدتى ، الريح القادمة باردة . - البسى معطفك وتأملين كتابك . أخفت الطفلة وجهها بذل فى الكتاب ، علت وجنتيها حمرة خجل ، بدت كأنها ستجهش بالبكاء . همس طفل من المقعد الامامى . - سيدتى ، ليس لفاطمة معطف .
" البرد يتسرب الى عنقها ، يتسلل الى جسدها ، يلفه فى كفن من الثلج وهي تقف أمام سواد السبورة ، تتحرك باتجاه الباب .
الساحة المسيبة بلا سياج قفر ، تلعب برملها وحصاها الريح . لا أحد يمر وينظر ، لا أحد يهتم .
" . . لا يمكن اتمام البناء الا بجمع الاعانات من الاهالى ، البلدية الشعبة . . . أو . . . " .
" قريبا ، قريبا ينتهى مشكل البناء ! " . هكذا قيل . ولم ينتظر الشتاء ، هجم فجأة وحوصر الاربعون فى القاعة . أضحكت النكتة الاطفال فى الاول وألهتهم : قاعة جديدة ما زال الاسمنت على جدرانها ، خالية من مصاريع النوافذ وبلا باب : وحين طالت النكتة ملوها . ظلمة الاسمنت وتجهم السماء وصفع الريح الدائم يلغى حرارة كل النكات .
عادت تجول بين الصفوف ، تستأنس ألم البرد الذى بدأ يثقب صدرها ، تتحرك . تراقب ، تفرك يديها ، تنصت الى قراءاتهم بانتباه مكسور . . عل الحركة تبعث الدفء فى القاعة المثلجة .
" سننشد أنشودة أخرى " .
يهب الاطفال واقفين ، توقظ الحركة الحياة على اجسادهم ، المتجمدة على المقاعد ، تنطلق الاصوات ، ترتفع ، ترتفع أكثر ، وتنفعل القلوب الصغيرة ، ويتسرب الدفء الى الاجسام ، ويعود النشاط .
علت الاصوات تتحدى البرد ، والجدران الاسمنتية والنوافذ الفارغة المكشرة وغضب السماء . وانسجموا فى نشيدهم وهم ينطلقون فى عذوبة نغماته أحرارا طلقاء .
أحست رذاذا على خدها . . استدارت ناحية النافذة العارية . . إنه المطر . . تتابعت خيوطه دقيقة تدفعها الريح من ناحية النوافذ . تكاثرت الخيوط . . تكاثفت ، وانهمر المطر غزيرا تدفعه الريح داخل القاعة . توقف الاطفال عن النشيد . . خرجوا من مقاعدهم . . تدافع بعضهم . . أبعدت أوراقها عن غضب المطر قبل أن تأمر الاطفال بالجلوس متلاصقين فى مقاعد الصف البعيد . لم ينته الوقت بعد ، كان الاطفال فى الطريق يجرون الى المنازل القريبة والبعيدة .
فتحت مطريتها وهى خارجة من القسم بأطرافها المصقعة ، تدعو البيت . " البيت والدفء ، والكتاب والقهوة الحارة يتعالى بخارها " . .
" لن تخضع أكثر ! لن تواصل دور الانهزام الذى قبلته ! ستنهى اليوم كل شئ ! " .
المطر يرش مطريتها وذيل معطفها . . صدرها بدأ يؤلمها . يشتد الوجع كلما طالت الطريق . . وأنفها بدأ يرشح ، الالم يثقب الصدر ، يستقر فى أعماق القلب .
كيف رضيت وأسلمت نفسها لمجرى الهواء البارد ، تلطخ أصابعها بالطباشير ، وغباره يتناثر على معطفها ، والريح تلعب حرة بالاوراق والكتب :
كيف رضيت الرجوع ، بعد أن أرغمها المرض على الانطراح أسابيع على الفراش يهدد رئتيها ؟ . . . ومع ذلك ، عادت .
تتحدى مجارى الهواء بالحركة والنشاط الدائب وخرافة حب الاطفال . وأسلمت نفسها لامتحان الموت .
ها هو البيت يستقبلها بوهج الدفء ، ويعيد اليها شيئا من حرارة الحياة التى تكاد تفقدها . قبل أن تنام ، كانت ورقة عليها بضع كلمات تنام مطوية بعناية فى ظرف داخل محفظتها : غدا ، ستستقبل ! واحست براحة عميقة وهى تقرر أمرا ، وتختار حرة طريقها ، وجسدها المنهك يغرق فى دفء الفراش .
لم تنتظر طلوع الشمس وتحسن الطقس ، بكرت للخروج . تأكدت من وجود مطلب الاستقالة فى محفظتها ، ارتدت معطفها وأضافت شالا صوفيا على رأسها .
لن تعود الى هناك . . لن تواصل دورها فى اصطبل حيوانات . بل الاصطبل أكثر دفءا . لن تعود . . . سترمى الظرف فى صندوق البريد ، وتهرع الى البيت تعد قهوة حارة . تفتح كتبها المتروكة ، وتلتف فى غطاء ساخن وتراقب المطر يغسل الطرقات .
أسرعت خطاها . . مر حذوها أطفال يقفزون ويتضاحكون . أسرعت خطاها . حولت عنهم بصرها .
حاذاها أحد تلاميذها : - صباح الخير سيدتى . ثم واصل سيره مسرعا نحو المدرسة .
سينتظرها هناك ، فى ساحة المدرسة ، مع أترابه . سيطول الانتظار ، وستلعب بشعورهم الريح أمام قاعة القسم ، ولن تأتى .
احست بالاسى . أطردته قبل أن يغمر ذاتها المتعبة . طريقها اليوم غير طريقه . . أو ، قد يكون انتهى طريقها . . ابتلعت دمعة ترقرقت فى عينيها ، كادت تفيض على خدها ، وواصلت سيرها .
" البارحة حين وقفوا للانشاد ، تألقت بسرعة مدهشة ، وجوههم ، أضاءتها الفرحة ، وانطلقوا منشدين مترنمين ناسين البرد الذى كان يخز أجسامهم " .
ولكنها لن تعود . جسدها يذوي يوما بعد يوم . وقريبا تحملها الرياح ، والكل منشغل عنها وعنهم . اجتازها أطفال .
- " صباح الخير سيدتى " ، وابتسمت وجوههم البريئة . ساروا أمامها ، ابتعدوا منشدين . اتسعت ابتسامتهم البريئة فى خاطرها .
اندفعت كشلال الذكريات من كل مكان . وجوه أحبتها ورعتها ، ستبقى تنتظرها فى الحر والبرد . . . تنتظرها ، وهى توليها ظهرها .
وحملت الريح اليها صدى أغنية الاطفال . كانت تسير ، مطربتها تقيها غضب السماء ، تسير ، وأصوات الاطفال المترنمة تقترب ، ومطلب الاستقالة ينام فى محفظتها .
تسير - كما اعتادت كل يوم - دون أن تدرى لتجد نفسها أمام المدرسه . . . مع الاطفال . . . والشمس ترسل اليها من بين الغمام ، شعاع تحد جديد .
