ما قيمة الانسان فى هذه الحياة هل قيمته فى حريته . . أم فى وجوده ؟ ! مجرد وجوده ؟ . ما معنى حياتى أنا ؟ ! ماذا يعنى وجودى ؟ !
كانت هذه الاسئلة وأخرى غيرها تتدافع فى رأسه . . ثم ترتسم - أمام عينيه - علامات بارزة . . ويشعر بها تقترب منه . . ثم تقترب سخنة مضطرمة كلفح النار تكاد تخنقه ويحس بضغطها الشديد يلفه من رأسه الى قدميه فينتابه دوار يبعث الغثيان في نفسه ويوشك أن يطرحه أرضا .
فيلتفت يمينا وشمالا كالمذعور . . فلا يرى سوى أمواج من البشرية تغذى السير أو تمشى متمهلة . . ويجد نفسه يضرب فى الطريق - مع هؤلاء الناس ولكن دون هدف او غاية . . . ويضيق بالناس وبالاحياء جميعا ! لماذا ؟ انه لا يجد جوابا لهذا السؤال . . فهو لا يعرف سنا لهذا التبرم .
وهذا القلق . . وهذا الضيق . . ربما لانه بعيد عن الاهل والوطن . . وربما لان الاخبار قد انقطعت عنه منذ زمان . . وربما هناك أشياء اخرى لم يستطع ان يكتشفها فى نفسه ويهزه الشوق الى الوطن الحبيب فتنساب دمعتان طويلتان جدا على خديه . . ولكن انى له ان يشاهد الارض الثائرة . . وبينه وبينها مئات الاميال . . فيزداد حيرة وتبرما . . انه ثائر على نفسه التى تعذبه بين الفينة والاخرى بمثل هذه المشاعر والانفعالات التى تجعل حياته جحيما لا يطاق . . ويتمتم " ماذا جرى لى اليوم ؟ ! انني لست في حالة نفسية طيبة!! "
ويركب جناح الخيال يطوف به أرجاء الجزائر . . فيجوب كل الاماكن التي وطئتها قدماه . . ويتحدث مع الاهل والاصحاب يخوض معهم في هذه الحرب التى طالت وامتدت . . ويعيش ايام الثورة التى مرت به هناك . . فتتابع الاحداث فى ذاكرته بسرعة البرق . . فيرى جنود العدو وكيف كانوا يرعبون أبناء وطنه يعيثون فسادا فى أرضهم الطيبة . . يتذكر كل شئ حتى اولئك الصبيان الذين كانوا يلعبون فى الشوارع حاملين ألوية متقدمين كالجنود .
ولا تغيب عن ذاكرته ابسط الاشياء . . حتى فارق وطنه مكرها مقهورا فارا من ظلم هؤلاء الاغراب الافاقين . . ولا يرده الى عالم الناس سوى هذه الدفعات التى يتلقاها من المارة . . من كتف هذا اويد ذاك او من رجل الآخر !
فيفيق من تهويماته فيجد نفسه يخبط فى الطريق . . فيرجع الى اسئلته المألوفة فلا يعثر لها على جواب . . فيردد فى نفسه وشعور الهزيمة يملا حلقه : " ماذا اصابني ؟ . هل جننت ؟ ! " .
لم يقع له شئ يمكن أن يسبب له هذا القلق . . فأيامه متشابهة لا طرافة فيها ولا تغيير انه يجتر يومه كأمسه تماما . . فليس الزمن لديه سوى ليل ونهار ولا شىء بعد ذلك
هل انعدم شعوره بفاعلية الزمن ؟ . هل تساوت لديه الحوادث ومعطياتها فبات لا يفرق بين الحقيقة والوهم ؟ ! ويعود الى نفسه يوبخها يلعنها ، يود لو يخنقها لو يمزقها ليرتاح نهائيا منها ومن وساوسها وشكوكها . . انها مصيبته الدائمة التى ستدمره يوما ، لاشك فى ذلك . . وفى غمرة هذه الحيرة يفتح صفحة يومه ليستعرض حياته منذ ان خرج من بيته يسعى لياتى لعائلته بما تتبلغ به فى هذا النهار . . فلا يرى فى هذه الصفحة شيئا يمكن ان يعده سببا لهذا القلق الذى اجتاح نفسه ولكن ما هذه ؟ . ما هذه النقطة السوداء التى تبدو بعيدة تطفو على صفحة الذاكرة . . انها تكبر وتتسع شيئا فشيئا . . مثل دائرة الماء التى تظهر عندما يلقى المرء حجرا فى بئر أو في بركة من الماء . . انها تقترب من نفسه فتزداد وضوحا شيئا فشيئا .
ويغمغم : آه ! . انها هى السبب لقد تذكرت.. هذا ما عذبنى اليوم . . نعم هذه هى الحقيقة . . "
انه يذكر بالضبط ما جرى له اليوم . . لقد تذكر الحديث الذى دار بينه وبين بعض زملائه . . كانوا يتحدثون عن الجزائر وعن الحرب التى تدور فيها منذ عدة سنوات . . وعن الآلام التى يعانيها الشعب الجزائرى وهو صابر ثابت . . . وكان كل واحد يعلق على هذه الحرب وفظائعها حسب وجهة نظره . .
وفجأة سأله حدهم :
" متى تستقل الجزائر ؟ . "
" عن قريب . . عن قريب جدا .
- " ان شاء الله . . "
وردد باقى الزملاء هذه الجملة : " ان شاء الله " وهبط برود ثقيل .
ثقيل كالموت على جلستهم تلك . . فنظر الى اصحابه فرأى فى اعينهم نظرات تحمل معاني شتى . . يا لله من هذه النظرات . . انها تخزه كالابر .
كالامواس . . كالسيوف الحادة تقطعه وتمزق روحه . . لحمه.. قلبه . .
شعوره . . كيانه . . نظرات لن ينساها ابدا . . سيذكرها مدى الحياة . سيذكر معانيها . . معانى الرثاء . . والاشفاق . . والعطف . . والمجاملة وتمنى ان لو كانت تحمل معانى اخرى غيرها . . معاني فيها تحد ومغالبة . فكان باستطاعته أن يرد عليها بتحد أكثر . . وينتقم لكبريائه الجريحة . . ولكنها لم تكن كذلك . . انها نظرات تشعره بالدونية . . بالحقارة . بالنقص . . ويصرخ بينه وبين نفسه ضاغطا يدا باخرى : " انهم يذكروننى بوجودى الناقص . . بانسانيتى المقيدة . . بحياتى المبتورة . . بكيانى الذى يحتاج الى شىء آخر غير الحياة والحركة والتنفس فيعطيه المعنى الحقيقى من وجوده . . اننى احتاج الى الحرية . . فبغيرها لامعنى لحياتى ولوجودى . ولا قيمة لانسانيتي . . "
وتعلو شفتيه بسمة ساخرة تقطر مرارة والما ، وهو يحدق فى هذه الكتل البشرية التى تروح وتجىء من حوله تتسابق وتتدافع من اجل الحياة . .
فتزدحم برأسه عناوين ضخمة لقصص أخرى وتطن برأسه أفكار جياشة ثائرة . . صاخبة . . مدوية . . فيخرج القلم ويخط على ورقة - دون ان يشعر : " ان وراء كل جزائرى وجزائرية قصة . . ان عشرة ملايين لها قصص جديدة كل يوم وكل شهر وكل عام . . " ويرجع القلم فتزايله الابتسامة الساخرة . . وتعاوده نظرته الحادة الهادئة ويظهر بريق العزم في هذه النظرة . . فيتجه فى خط مستقيم . . فى حين قد احس بالارتياح والغبطة تملا نفسه . . وهمهم بهذه الكلمات : " سأحقق ذاتى . . وساكمل وجودى الناقص كانسان . . "
واخذ يمشى . . ثم يمشى وقد عزم على امر فى نفسه . .

