الجو حار ، وانا وسط الزحام ، اكاد لا اجد هواء اتنفسه او شبرا من الفضاء اضع فيه جسدى الهزيل وراسى الكبير الاشعث ، انظر الى زجاج نربعت فيه ذرات غبار خانق ، ، فيلوح لى وجهى المتعب وقد بدات تحفره بعض التجاعيد ، تمر الصورة سريعة مضطربة ، وياخذ مكانها وجوه غريبة تتكلم وتسكت وتضحك وتبكى ، تقهقه وتولول
الحافلة تتارجح متثاقلة وهي تشق طريقها بصعوبة كبيرة بين السيارات المجنونة ، ، انها مكتظة بالوجوه ، التصق فى جوفها عدد لم تتحمله ، فاقترب جزؤها الخلفى من الاسفلت الاسود وكاد يلامسه
لقد حشر الخالق مخلوقه فى حقة وامره ان يبقى محبوسا دون ان يتضجر فاطاع الانسان وصحت تسميته بالحيوان العاقل "
علا بالقرب منى صوت على الضجيج - لم اجد العزيمة لاحمل هذه الحوالة البنكية لا تسلم اجرة شهر كامل فكما ترى : لى المال الكافي رغم اننى اصرف احيانا فى يوم واحد عشرات الدنانير .
التفت الى الصوت فاذا به شاب ضعيف البنية انيق اللباس يتحدث مبتسما الى صديقه الجالس على كرسي قربه - الست ذكيا يا ابن الفا . . . ؟ انا " اخشين " اليس كذلك ؟
يجيب الآخر بصوت منخفض ، لم افهم منه شيئا ، ويواصل الاول كلامه - انت ضعيف . . جبان . . مجنون ، لا تعرف كيف تتصرف
يسمع صوت صفعة ، ثم ينزل الأنيق من الحافله منتصرا بينما يلمس الآخر آثار الصفعة بهدوء وعلى وجهه علامات الرضا .
وتواصل الحافلة مسيرتها بين السيارات والعربات والمارة ، وهي تترنح تعبا ، ثم يسمع صوت متكسر النبرات ، يصيح مهددا بالقرب منى
هل تظنين ان الحافلة لك وحدك ؟ انظروا يا عباد الله قلة الحياء ! انها ننظر الى بعد ان كادت تكسر " ضليعاتى " بسبب " تزعبينها وتمعجينها "
التفت الى الصوت الغليظ فرايت وجها عجوزا يتطاير البصاق من فمه المهدم الاركان ، ورايت بجانبه وجه فتاة صافى القسمات يلوح من عينيها ذكاء وجمال وشباب ، ويتعذر الوجه الجميل بينما يواصل الوجه العجوز شتمه وصياحة .
التفت الى وجهى مرة أخرى فى الزجاج فاختلطت صفرته بألوان حمراء وصفراء وخضراء ، واتسعت عيناى لتحملق فى اختلاط الالوان حتى شعرت دوار واعياء وكدت اغيب فى عالم الغثيان ، ، يصل الضعفاء الى نهاية المطاف دون ان يفقدوا جزءا من اجسادهم الهزيلة اثناء الطريق "
PaVlov تذكرت درسا القيته على التلاميذ يتعلق بكلب " بافلوف " وخيل لى ان هؤلاء المسافرين مثله تعودوا على نمط من الحياة يعيدونه بصورة آلية وطبيعية رغم ما فيه من ارهاق وتعب وفناء اخيرا لمست قدماى ارض المدينة العملاقة وخرجت من صدري زفرة طويلة
" بعد اسبوع كامل من التدريس الشاق ، سابحث عن قليل من الدفء الانساني لكن اسئلة العقول الصغيرة سرعان ما اخذت تجول فى ذاكرتى :
- لماذا خلق الانسان يا سيدى ؟ هل بشبه القرد حقا ؟ ا ايستطيع المسلم ان يوفق بين الدين والعقل ؟ . . . بين الروح والجسد . . بين الدنيا والآخرة بين . . وبين ، بين .٠ وبين ، بين ين بن ين
وضعت راسى بين راحتى لاوقف الدوار وهو ينخر دماغي ولم اعد اشعر بقدم وهما تلامسان ارض الشارع الكبير
اعترضت عيني اجساد واقفة تحدق فى مشهد ، فانزلت يدى شاقا بهما طريقا بين المتاملين . . حتى وصلت الى وسط الحلقة حيث رايت الانسان يتصارع مع المجهول :
جسد شاب فى ربيع العمر مطروح على الارض يتخبط كالغريق ، ، يدان هزيلتان تتحركان فى كل الاتجاهات بعنف ، ، وجه اصفر كاوراق الخريف اليابسة ، عينان مغلفتان كالموت . . وفم غطته امواج من الريق الصابونى المزيد . .
بعد ان تخبط بين احضان الموت كثور جالت في عنقه سكين حادة خرج الموت من اعماقه وافاق الوجه من نوبته الحادة وفتحت عيناه شيئا فشيئا وهمهم بكلمات متقطعة مرتعشة :
- الدواء... كلما انتهى الدواء الذي اشربه . . تصيبني نوبة كلما انتهى الدواء . . لكنها ليست خطيرة . . كما ترون أنا " لا بأس " وانقبضت يداى نقمة .
اتسعت عيناى دهشة وحملقت بكل ما اوتيت من انتباه : كلب صغير يغطى الشعر الابيض جسده الذى لا يزيد طوله على شبر يلبس كسوة صفراء من الصوف . جالت عيناى بسرعة ولهفة على الخيط الجلدى الذى يربط حزامه حتى وصلتا الى يد فى قفاز اصفر . انه وجه فى العقد الثامن ، شوهته تجاعيد غليظة ولطخته مساحيق فاقعة اللون .
تحركت حدقتاي باهتمام بين لباس العجوز الاصفر وبين لباس الكلب الاصفر ثم هربتا بسرعة نحو زرقة السماء " يموت المساكين فى بلادى جوعا وبردا و ( تعيش الكلاب فى رؤوس المجانين ) "
هل شبان بلادى سيصبحون هم ايضا مجانين ؟ اغمضت عيني قليلا وسبحت فى ذكرياتي مع التلاميذ
يتعلق درسنا اليوم ببعض الامراض النفسية خاصة عند الكهل وهى تنتج بسب تربية غير سليمة منذ الصغر . . . فالطفل كما قلنا فى الدرس الماضى يمر فى نشاته الاولى بمراحل يشعر فى البداية بحاجة للمس الاشياء بفمه وفي الثانية بحاجة لاكتشاف العالم الخارجي واثناءها يلمس كل ما يقع قربه من اشياء . وفي الثالثة يكبر ويتعلق باحد والديه ويغار من الآخر واثناءها تنشا عقدة اوديب عند الطفل وعقدة الكترا ElecTre عند الطفلة . فاذا تعطل النمو الذهنى وكبر الطفل ولم يتجاوز حالة الى اخرى وجبت المعالجة بواسطة علم)التحليل النفسي)
اتجهت الى السبورة لاكتب الكلمة وادرت راسى فجاة لاسال . . فاذا احد التلاميذ واقف في الصف الاول وراحتاه مفتوحتان قرب اذنيه فى حركة مضحكة . . واذا بالقاعة كلها تنفجر ضحكا .
اخذت التلميذ من ذراعه واطردته من القسم وبقيت قليلا فى الساحة لا تنفس هواء نقيا ولترتاح اعصابي
فتحت عينى من جديد وابتسمت اشتريت صحيفة يومية وقصدت مقهى ما يقع جنب الشارع العريض لاقتل الوقت بمطالعة الاخبار : " تونسيان قطعا الحدود الليبية دون جواز سفر وسرقا فى لبيا بعض البضائع فاصدرت المحكمة حكما يقضى بتخطئة كل منهما بمائتى دينار ويقطع اليد اليمني لكل واحد منهما لكنهما استانفا الحكم وستصدر محكمة بنغازى للاستئناف حكمها عن قريب " .
طويت الصحيفة وقلت للنادل " اكسبريس بطابع سكر " رايت بالقرب مني عينين تنظر ان فى اتجاهي ، ثم جاء الوجه حيث اجلس ملتمسا منى نارا فاشعلت له سيجارة " كريستال " كانت ترتعش بين شفتيه ، ورجع قرب صديق له حيث قوارير صفراء وقطع صغيرة من " البيتزا " والبسباس والبسكويت وسمعت حوارا ممزوجا بضحكات :
- ساحكى لك حكاية كنت سمعتها عن جدتى . . هل تدري ما هى ؟ -
يوجد بين منزلين حائط قصير ، فصعد " سردوك فى يوم من الايام و باض عضمة " ولم يعرف من يكون صاحب السردوك فاحتار الجاران واختصما الى القاضى بسبب العضمة . . .
نظر الاول الى الثاني ثم ساله : لو كنت قاضيا فبماذا كنت تحكم ؟ اطرق الثاني برهة وهو يفكر ثم ضحك وهو يقول صائحا : - نذبح السردوك وناكله معا
وغرق الصديقان فى قهقهة عالية وارتجت القوارير والكؤوس ارتشفت قطرات القهوة . . . واحسست بمرارة الذيذة تدغدغ لسانى وتنزل الى حلقي بلطف ثم تسرى فى بدنى ، فتحدث نشوة مريحة .
وضعت قطع النقود قرب الفنجان الفارغ ، وخرجت الى الشارع من جديد حيث بقيت انظر الى لافتة فلم من نوع " رعاة البقر " : فارس يطلق النار من مسدسه وقبالته اجساد خمسة فرسان ملقاة على الارض ، وقرب قاعة السينما سمعت شابا يقول لطفل صغير السن يشبهه
- انظر كيف تملا كاس " القلوب " ! . إذا كان المشترى " شخصية " فاسرع فى ملء كفك وبذلك تكون الكمية كبيرة اما اذا كان " امميزر " فاملأ ببطء لكى تسقط القلوب وبذلك تكون الكمية قليلة . . . افهمت ؟ انظر كيف افعل
البنايات على جانبى الطريق الكبير تصارع السحاب وتشق الفضاء بعناد واصرار ، تكاد تلامس سحابات بدأت تتجمع ، فى حين ينظر المتجولون بعضهم الى بعض الوجوه امامي تتحرك طويلة ، عريضة ، جميلة ، بشعة وردية ، سمراء . . وفجاة خيل لى رؤية خيال زوجتي وهي تمشى امامي جارة عربة ابنتنا الصغيرة ، فجريت نحوها وناديتها ، التفتت ، فقلت معتذرا - المعذرة يا سيدتى ، ، كنت اظنك زوجتى ، انك تشبهينها كثيرا . اجابتني المراة باستهزاء وعلى وجهها شبه ابتسامة :
- لعبة قديمة لا تنجح معى ، من الاحسن ان تبحث لك عن فريسة اخرى وان تبتعد عنى ، والا فان العاقبة . . .
هربت مسرعا التفت يمنة ويسرة ، وانقطعت انفاسى تعبا واخذ جسدى يهتز اثر كل تنفس ، فوقفت متكئا إلى شجرة لارتاح قليلا وابتسمت : " اين انت الان يا زوجتى ؟ ربما تبحثين فى السوق عن انواع من الخضر والغلال والفواكه لتعصرى بعضها لابنتى ثم تحاولين ارغامها على شرب العصير انها ربما تمانع فى هذه اللحظة كعادتها رافضة ذلك ، او تبكى تحت التهديد والضرب . "
التفت ، فرايت سائحين قربى ينظران الى خريطة رسمت عليها انهج المدينة " لابد انهما يبحثان عن مكان من الاماكن " تاملت ارجلهم الحافية وثيابهم الخضراء التى فقدت لونها ثم رفعت بصرى وجه امرأة دقيق الملامح كلوحة جميلة رسمها فنان عبقرى قرب وجه رجل شاب تربعت فيه لحية شقراء .
ودهشت لمنظر راسيهما ولا اثر لاية شعرة اقتربت منهما :
- هل بامكاني ان اتطفل فاساعدكما ، يظهر انكما اجنبيان تبحثان عن عنوان ؟
ابتسما شاكرين وسالانى عن الجامع الاعظم فاشرت الى الاتجاه . . لكنى فضلت ان ارافقهما . وفي الطريق ، اثناء السير ، سالتهما عن سبب قص شعرهما الجميل ، فتكلمت الفتاة مبتسمة وخرجت الكلمات الوردية متخطبة اسنانا بيضاء ناصعة
- عمرى ثمانى عشرة سنة . . كرهت الكعب العالي ، وقصر أبى الفخم وحياة المادة العصرية ، وتركت الجامعة بحثا عن حياة طبيعية صحبة صديقى الذي فر ايضا من ربطة العنق " المشنققة " ومن القميص الابيض الناصع . . ومن المجتمع الذي فقد فيه الحنان وطغى فيه الاستغلال . وهنا اننا نتجول فى اقطار العالم . . . التى ما زال الانسان فى بعضها يحب اخاه الانسان ، والتي لم يتغلغل فيها استعباد الآلة للبشر . . واجابة عن سؤالك : عرضنا اخيرا
شعرنا للبيع ، لاحدى دور الحلاقة ، حتى نتمكن من اشتراء الخبز ومواصلة الرحلة بثمنه
بدا الظلام يخيم على المدينة مطردا اشعة الشمس الاخيرة ، واخذت زرقة السماء تختفى تحت سحابات غليظة . ثم اظلمت الدنيا بسرعه ، ونزلت قطرات كبيرة من المطر ، فتبلل الشارع الكبير وعكست المياه المتجمعة اشعة اضواء الفوانيس ، واختبا المتجولون !
جاء جماعة من الاطفال الصغار مبللي الرؤوس ليختبؤوا تحت سقف ، وقفت تحته ، وهم يضحكون . . .
يضرب الواحد منهم صديقه قائلا له " عدى الضو فيضرب الثاني الثالث معيدا نفس الجملة ، ويفعل الثالث مثل صديقه . وتسمع الكلمة فى حلقة مفرغة ممزوجة بضحكات بريئة صافية . . .
ابتسمت لتلك الوجوه الصغيرة البريئة التى تتبع منها الحياة والصداقة والدفء الانسانى ، وغبطت هؤلاء الاطفال على مرحهم ، متمنيا لو رجعت بى الأيام ثلاثين سنة فاشاركهم سعادتهم
لاح لى من بعيد شبحان يمشيان ملتصقين ، تحت خيوط المطر . اقترب الشيخ والعجوز ثم ابتعدا عني شيئا فشيئا وهما يتحدثان بحنان ، ويداهما متعانقتان فى محبة لطيفة . . . تضاءل حجمهما . . . وحالت خيوط المطر بيني وبينهما .
ائت الحافلة ، وامتلا جوفها من جديد بالمسافرين واخذت طريق العودة من حيث اتيت متمتما " اسمى ما في الحياة الطفولة والمحبة " ثم تاملت في زجاج . النافذة . . رايت صورة عيني الباهتتين . . وفمي وهو يبتسم ابتسامة بدون معنى . . . شعري المبتل الاشعث . . . وجهى المتعب . . حدقت فى النافذة فلم اجد وجهى . . لقد حلت مكانه وجوه غريبة . وتوالى شريط غريب من الوجوه يظهر وجه ويختفى . ويظهر آخر ويختفى وآخر . . . وآخر وآخر . ..
تعبت عيناى من التحديق ، ففتحتهما بكل ما اوتيت من قوة . . . واذا بالزجاج يعكس الوانا ضبابية . . لا اثر فيها لوجهى ولا لوجوه الآخرين

