حنيني - لو علمت - إليك ما انقطعا
كنهر من مداه انصب مفتونا إلى الآفاق ،
وكم أشتاق !
إلى الإبحار في عينيك مندفعا ،
مع الأمواج والأشواق ،
أيا خضراء ، إني كلما التمعا
ضياء الفجر أو سطعا
أعانق صبحك الموعود فبل تطلع العشاق ،
أظل أصارع الأمطار في قلبي
وأحبس روعة الإشراق ،
إلى زمن الرؤى والطمي والخصب ،
وكم يزداد بي حبي !
ويأبى خاطري للشعر أن ينساق ،
أخاف عليك - يا خضراء - من مطري
فقد يهمي على جفنيك والأحداق .
أحبك في انهمار الغيث عبر الريف مدرارا
كملمحة تطل علي في الآفاق ،
تخوض الكون ،، أودية وأنهارا ،
تغذي ثورة الإنسان في الأعماق ،
وتنفجر السواقي في دمي ،، تطفي بها نارا ،
ذكت في الريف قبل تجذر الأعراق
وقبل تطاول الأذناب ، قبل تصاغر الأعناق .
أحبك هكذا ، تسبيحة للرعد في الأرياف تنفجر
فتنهمر
لها الأمطار والأشواق
وترنو أعين الأحباب ،، تنتظر
صباحا ينتهي بالحزن والإطراق ،،
صباحا ربما يأتي على الأرياف
أو يأتي لها بطلائع العشاق ،
برمح كان في (( بدر ))
جريئا ، يطعن الأصنام في الأحداق .
أحبك هكذا ، في الريف ، أعرى من بواديه
ومن عذراء غنت عبر واديه
سلالات وألوية ، طوتها ظلمة الأزمان ،
وغنت فارس الميدان ،،
مضى ما عاد ، كم طالت منافيه !
وظل يعمر الوجدان
ويأتي في الرؤى ، والليل يخفيه ،
عظيما مثلما يتعاظم الإيمان
ومن للريف ، غير هواك يا خضراء يحييه ؟
بما فيه ومن فيه ،،
فتنشأ ريحه من ظلمة النسيان
تهب على بني الأرياف بالعصيان ،
نحبك ، هكذا ، والله ، لا غدر ، فنخفيه
ولا وحي بما في الغيب نوحيبه
ولكن ساءنا أن يرجح الميزان ،
وإذ ناديتنا بالأمس : فدينا
هنا في الريف طالت قامة الأزمان
فلا (( باريس )) في أنوارها لاحت ،
ولا رفعت أباطرة إلى إيوان ،
ولكن عطر الدنيا ،
عبير شهيدنا وسحابة البارود ، يا خضراء .
* * *
وإذ أحزنتني ، سأتابع الإملاء
بصوت حافل بالبرق والرعد
بكل حرارة البيداء
لعل الريف عبر عواصف الأشعار ، والأنواء
سيحمل أمتي يوما على الإصغاء .
