الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

وحدة القصيدة، في الشعر العربى

Share

(٢)

دعوة النقاد العرب في القرن العشرين الى الوحدة العضوية في القصيدة (*)

في العصر الحديث كانت القصيدة عند شوقي ومدرسته تفقد نسقها الفنى فهى عنده جملة انطباعات شتى لوقوع الشاعر في حالات نفسية متباعدة ومختلفة فليس فيها بنية عضوية ولا ينظر فيها الى البنية النفسية وكثيرا ما يكرر الشاعر نفسه أو يضطرب في عرض فكرته أو عاطفته .

وقد نقد العقاد القصيدة عند شوقي بأنها تفقد الوحدة الموضوعية أى وحدة الموضوع .

وكانت القصيدة عند العقاد مجموعة من المعاني تدور حول موضوع واحد ولكنها على الرغم من ارتباطها بالموضوع الواحد لم تكن اجزاؤها عنده ترتبط ارتباطا عضويا كما يقول بعض النقاد .

وكلام العقاد يرد ذلك اذ يقول العقاد : ان الشعر يقاس بمقاييس ثلاثة : - أولها : ان الشعر قيمة انسانية قبل أن

يكون قيمة لفظية أو صناعية فيحتفظ الشعر بقيمته الكبرى اذا ترجم الى اللغات .

ثانيها : ان الشعر تعبير عن نفس صاحبه . فالشاعر الذى لا يعبر عن نفسه صانع وليس ذا شخصية أدبية .

ثالثها : ان القصيدة بنية حية وليست اجزاء متناثرة يجمعها الوزن والقافية ومنهج العقاد في قياس البنية الحية للعمل الفني هو أن لا تغير من وضع أبيات القصيدة وترتيبها أو تحذف منها أو تزيدفيها ابياتا على نسقها . والعقاد في صياغة قصائده لا يخلق منها بنية شكلية مستوية فضلا عن انه لم ينظر في صميم البنية الفنية للقصيدة كما يقول عزالدين اسماعيل وهذا ليس هو صميم دعوة العقاد على أية حال .

وقد دعا مطران ومدرسة ايولو وبعض النقاد المعاصرين كالسحرتى وشوقي ضيف الى الوحدة العضوية للقصيدة أى الى أن تكون القصيدة عملا متكاملا وبنية عضوية حية تتفاعل مع بعضها تفاعل الأعضاء المختلفة في الجسم الحي فتصبح للقصيدة الغنائية عضوية أى ذات بنية حية تنمو من داخلها في اتساق تام نحو نهايتها ويؤكد ذلك شوقي ضيف فيقول يقصد النقاد بالوحدة العضوية

القصيدة أن تكون بنية حية تامة الخلق والتكوين .

ويقول مطران في مقدمة الجزء الاول من ديوانه الذى ظهر عام ١٩٠٨ م مرددا معنى الوحدة العضوية للقصيدة هذا شعر عصرى وفخره انه عصرى ، وله على سابق الشعر ‘ مزية زمانه على سالف الدهر ، هذا شعر ليس ناظمه بعبده ، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصيدة يقال فيه المعنى الصحيح في اللفظ الفصيح ، ولا ينظر قائله الى جمال البيت المفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف الختام بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه والى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها مع ندور التصور وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعر الحر وتحرى دقة الوصف واستيفائه فيه على قدره .

ويقول العقاد كذلك ان القصيدة ينبغى أن تكون عملا فنيا تاما يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة ، كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي بأنغامه بحيث اذا اختلف الوضع أو تغيرت الصورة أخل ذلك بوحدة الصيغه وأفسدها ، فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته (١). وهذا يدل على اهتداء العقاد للوحدة العضوية ودعوته لها .

ويؤكد شكرى ان قيمة البيت في الصلة التى بين معناه وبين موضوع القصيدة ، لأن البيت جزء مكمل ولا يصح أن يكون البيت شاذا خارجا عن مكانه من القصيدة ، وانه ينبغي أن ننظر الى القصيدة من حيث هى شئ فرد كامل ، لا من حيث هي أبيات مستقلة ، وكذلك سار المازني في قصائده على

اعتبار القصيدة كلا واحدا وعملا فنيا واحدا وبنية حية مترابطة الأجزاء والأفكار والأحاسيس .

ويرى السحرتي انه بالوحدة العضوية ترى في ذكاء الشاعر وبراعته في التوفيق بين الصور والأشكال والظلال والأوان وحذفه في ايقاظه الحياة في الفاظه وأساليبه وأفكاره وأخيلته .

وحول الوحدة الفنية للقصيدة يقول صاحب كتاب ( ثورة الادب ) : ليس القصد من الشعر في رأينا هو محاكاة الأقدمين انما القصد من الشعر ابراز فكرة أو صورة أو احساس أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة منسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل الى أعماقها من غير حاجة الى كلفة أو مشقة . والقصيدة بنية حية وليست قطعا متناثرة يجمعها اطار واحد فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه ولا تحس منه ثم تغييرا في قصد الشاعر ومعناه .

معنى الوحدة العضوية بالتفصيل :

وعلى هذا فيمكن القول : انه يقصد بالوحدة العضوية وحدة الموضوع ووحدة المشاعر التى يثيرها الموضوع وما يستلزم ذلك من ترتيب الأفكار والصور على أن تكون أجزاء القصيدة كالبنية الحية ، لكل جزء وظيفته فيها ويؤدى بعضها الى بعض عن طريق التسلسل فى التفكير والمشاعر بعضها ببعض فلا بد أن تكون الصلة بين أجزاء القصيدة محكمة وأن تكون وحدة الموضوع ووحدة الفكر فيه ووحدة المشاعر التى ينبعث منه متصلة صلة تقضى بها طبيعة الموضوع ووحدة الأثر الناتج عنه ‘ هذا بالاضافة الى وحدة الايقاع ووحدة الوزن - فيهم يريدون أن تكون القصيدة بناء

متماسكا يكون عملا تاما ، أجزاؤه الوحدات التى يكونها كل بيت في القصيدة .

فلو فكر أحدنا في بناء منزل فانه لا بد ان يخطط له قبل مباشرة العمل فيه . وهذا التخطيط يرسم المنهج العام في العمل ويقابله في القصيدة هيكلها . والعمل الذى يكون نتيجة لذلك هو الصورة المتكاملة المفصلة المطابقة للصورة العامة الموضوعة ، وكل جزء من أجزاء البناء محتاج للجزء الآخر فلا يمكن أن يتم البناء بمجرد الأفكار ، كما انه لا يقوم البناء الا بالعمل . أما الهدف فانه الأساس والنقطة التى انطلقت منها الأفكار وهو الدافع للعمل والموضوع ، والموضوع والمعنى متقاربان ، ولا بد أن يكون هناك انسجام فني بين الأجزاء جاء نتيجة الاصابة في التفكير والاجادة في العمل اذ لا يكون العمل فنيا حتى توجد المهارة في التوفيق بين الاجزاء بحيث تكون منسجمة مع بعضها فلا يكون هناك تنافر وتباين أو فقدان انسجام . وتقتضى وحدة العمل الفنى ادراك الموضوع بما يتضمنه من أفكار تنظم المعانى بحيث تكون مرتبة منسقة لتتجلى وحدتها .

ولا يمكن أن تتحقق الوحدة العضوية للقصيدة الا بالتئام ما تشتمل عليه من المشاعر والعاطفة والأسلوب مع البراعة فى التوفيق بين الصور والأشكال والظلال والألوان ، ولا يمنع تعدد الأغراض من وحدتها إذا كان اتصال الأغراض بعضها ببعض شديدا وقويا - لأن اتحاد الشاعرية أدق ما في وحدة القصيدة من عناصر وحقائق .

ويرى الدكتور محمد نايل أن وحدة القصيدة تتم برعاية الترابط والتلاؤم بين عناصرها من أفكار وأجزاء وصور وتجانس في وحدة الروح وحرراة المشاعر فلا يبدأ

الشاعر قويا ثم يضعف أو العكس لأن هذا الاختلاف يدل على وجود الصنعة في القصيدة وتجانس الصياغة الفنية في أسلوب القصيدة له منزلته في توثيق الوحدة العضوية . بحيث تكون على مستوى واحد فلا تقوى الصياغة في جزء منها ثم تضعف في الجزء الآخر واستكمال هذه المناحي تسمى عندهم وحدة فنية اذ أن تجانس الأفكار والعناصر يمكن أن يطلق عليه اسم وحدة فكرية وتجانس المشاعر من حيث القوة والضعف يمكن ان يسمى وحدة شعورية وتجانس الصياغة بالوحدة الفنية ويجوز عندهم ان يطلق على كل هذه الخصائص للقصيدة ، الوحدة الفنية بل ويمكن مجاراة النقد الحديث في تسميتها بالوحدة العضوية .

               -٦-  هل فطن النقاد العرب القدماء الى وحدة القصيدة ؟

وفي هذا المقام لا نستطيع أن ننكر فضل بعض نقادنا القدماء الذين عرضوا الوحدة العضوية للقصيدة واحتفوا بها ، يقول الحاتمى الناقد ( ٣٨٤ ) هـ : " مثل القصيدة مثل الانسان في اتصال بعض أعضائه ببعض فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه فى صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه وتعفى معالمه " . ويصف عمل الشعراء المجيدين من متقدمين ومحدثين في هذه الناحية فيقول : " وقد وجدت حذاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذه الحال احتراسا يجنبهم شوائب النقصان ويقف بهم على محجة الاحسان حتى يتم الاتصال ويؤمن الانفصال وتأتى القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسبيها بمديحها

كالرسالة البليغة والخطبة الموجزة ، لا بنفصل جزء منها عن جزء ، وهذا مذهب اختص به المحدثون لتوقد خواطرهم ولطف أفكارهم واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم وهو مذهب سهلوا حزنه ونهجوا دارنسة ".

والحاتمي هنا في شرحه لوحدة القصيدة ممتع ومجيد ، ولكنه يرى ان اتصال الغزل بالمديح في القصيدة لا يمنع وحدتها ما دام هذا الاتصال قويا شديدا ، فكانه لا يرى تعدد الأغراض في القصيدة مانعا لوحدتها ، وهذا ما خالفه فيه كبار النقاد المعاصرون .

والفرق بعيد بين ما نادى به الحاتمى من الوحدة العضوية للقصيدة ، وما كان يردده ابن قتيبة من عدم اهتمامه بالوحدة الموضوعية للقصيدة  فضلا عن الوحدة العضوية .

             - ٧ - الوحدة العضوية وفقدانها في اغلب الشعر الجاهلى :

لم يكن الأوائل من الشعراء يواون عنايتهم شيئا مما أحدثه النقاد فى موضوع الوحدة للقصدة . فقد كانت تتوالى أبيات القصيدة على نحو لا يبرره الا واقع حياة البدوى في الصحراء ومشاعره النفسية فكان غالبا ما يتخيل انه فى رحلة فيصادف أطلال منازل الأحبة ورسومها فيقف يبكيها ويتذكر صبواته مع حبيبته النازحة ثم ينتقل الى وصف مطيتة فى سفره وغالبا ما كانت الابل ويذكر ما صادفه فى رحلته من مشاق وأهوال لينتقل الى غرض القصيدة من مدح أو غيره ، وينتهى من قصيدته كيما ينتبي لا يعنى بخاتمة لها ، فلم تكن أوائل العرب تخص

ترتيب المعاني بفضل مراعاة وانما حفل بها المحدثون في العصر العباسى من نقاد وشعراء كما أوضحنا سالفا .

فليست للقصيدة الجاهلية وحدة عضوية في شكل من الاشكال ، اذ لا صلة فكرية بين أجزائها ، فالوحدة فيها خارجية لا رباط فيها الا من ناحية خيال الجاهلى وحالته النفسية في وصفه الرحلة لمدح الممدوح ، وكان لهذا الرباط الواهي مبرر من المبررات في العصر الجاهلى ثم صار تقليديا على مر العصور ، وكان خليل مطران أول من فطن الى ذلك ونبه الى انه لم يجد في الشعر العربي أى ارتباط بين المعاني التى تتضمنها القصيدة الواحدة ولا تلاحما بين أجزائها ولا مقاصد عامة تقام عليها أبنيتها وتوطد اركانها وربما اجتمع في القصيدة الواحدة ما يجتمع في أحد المتاحف من النفائس ولكن بلا صلة ولا تسلسل في ذهن القارىء وناهيك عما في الغزل العربي من الاغراض الاتباعية التى لا تجتمع الا لتتنافر وتتناكب .

ولكن الدكتور طه حسين يذهب في رده على العقاد في كتابه : ( حديث الاربعاء ) الى أنه توجد وحدة في الشعر الجاهلى اذ يقول ( أجبني ما صنع الله لوحدة القصيدة عند شعرائك القدماء قلت : صنع الله خير ما يصنع بآثاره فأوجدها وأتقنها وأتمها انما ما لا شك فيه ولا غبار عليه وما سمعت من خصوم الشعر القديم حديثهم عن وحدة القصيدة عند المحدثين وتفككيها عند القدماء - الا ضحكت وأغرقت في الضحك . . الخ )

وواضح من هذا وما بعده انه يقرر وجود الوحدة القصدية في الشعر الجاهلى ، وان خالفه السير من النقاد في هذا الرأى .

اشترك في نشرتنا البريدية