-٣-
نظام القصيدة في الشعر العربى القديم
نرى اشهر القصائد الجاهلية قد بدئت بالنسيب العذب الجميل ثم يتصل فيها النسيب بذكر الناقة ووصفها وجوب الفلوات عليها وقد يلم الشاعر بوصف ما يشاهد فى الصحراء من اسراب الوحوش والظباء ثم يتخلص الى غرضه المقصود من مدح أو هجاء أو فخر أو رثاء أو عتاب او اعتذار أو حكمة . . يظهر هذا النهج الجاهلى في المعلقات وفى سواها من كبريات القصائد وعيونها فى هذا العصر البعيد ولا تجد شاعرا يشذ عن ذلك الا عمرو بن كلثوم التغلبى فى معلقته المشهورة بدأها بوصف الراح ثم وصل ذلك بغزله وفخره ووصف وقائع قومه وذكريات مجدهم القديم الحافل (*) وهناك قصائد ثلاث من الشعر الجاهلى تمتاز بخلوها من تعدد الاغراض :
أولا : قصيدة المرقش الأكبر : .
سرى ليلا خيال من سليمى
فارقنى واصحابى هجود
فهى وقف على الحب والغزل وحب الجمال . والثانية : قصيدة لطرفة العبدى مطلعها :_
أتعرف رسم الدار قفرا منازله
كجفن اليماني زخرف الوشى ماثله
فهى كذلك وقف على الغزل . والثالثة : قصيدة تأبط شر الشاعر الجاهلى المتهور :
ان بالشعب الذى دون سلع
لقتيلا دمه ما يطل
وهى في الرثاء وهى نمط جميل مهذب لوحدة القصيدة فى الشعر الجاهلى وشتان بينها وبين قصائد الرثاء فى هذا العصر وحسبكم أن هناك شاعرا أراد أن يرئس أخاه فبدأ قصيدته بالنسيب ثم خلص بالرثاء وهو دريد بن الصمة القشيرى فى قصيدته الدالية :_
أرث جديد الحبل من رام معهد
لعاقبة أم أخلفت كل موعد
هذا هو نظام القصيدة فى العصر الجاهلى لقد وفى الاغراض والفكرة والانتقال من لون من ألوان الشعر الى لون آخر وقد يفاجئ الشاعر سامعيه مفاجأة فيتخلص من غنائه بالتنوبه بممدوحه فجأة كما صنع زهير في رائيته التى مدح بها هرم باسنان فقال بعد أن ذكر الديار :
دع ذا وعد القول فى هرم
خير البداة وسيد الحضر
وقد يتخلص الشاعر برفق وجمال الى غرضه كما فعل النابغة فى قصيدته العينية التى يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر حيث ذكر عبراته ودموعه ومشيبه ثم خلص الى الاعتذار فقال :_
ولكن هما دون ذلك شاغل
مكان الشغاف تبتغيه الاصابع
وعيد بأبى قابوس في غير كنهه
اتانى ودون راكس فالضواجع
ثم خلص الى الاعتذار وهو الشعر الذى نبغ فيه واشتهر فقال :_
أتاني _ أبيت اللعن _ انك لمتني وتلك التى تستك منها المسامع وهذا من لطف التخلص ولو توصل الى
ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعانى وفتحوا أبواب البديع واجتنوا ثمر الآداب وفتحوا زهر الكلام لكان مذهلا عجبا فكيف بجاهل بدوى انما يغترف من قليب قلبه ويشدو عفو هاجسه كما يقول الحاتمى الناقد القديم وهذا اللطف في التخلص لانعني به أنه يمنح القصيدة الوحدة الشعرية . ولكننا نتحدث عنه كلون من ألوان فطنة العرب في المعانى والاداء لانه كان تمهيدا لهذه الوحدة التى هى موضوع بحثنا .
ويقول ابن رشيق في العمدة : وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب أى حسن التخلص ، فى الخروج الى المدح بل يقولون عند فراغهم من نعت الابل وذكر القفار وما هم بسبيله ( دع ذا وعد عن هذا ) ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشورة ابتداء للكلام الذى يقصدونه ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة : الى فلان قصدت وحتى نزلت بفناء فلان وما شاكل ذلك فاذا لم يكن خروج الشاعر الى المدح متصلا بما قبله ولا منفصلا بقوله ( دع ذا وعد عن ذا ) ونحو ذلك سمى طفرة وانقطاعا . هذا هو نهج القصيدة عند الجاهليين ويقول الحاتمى فى ذلك فاما الفحول الاوائل ومن تلاهم من المخضرمين الاسلاميين فمذهبهم أن يقولوا : ( عد عن كذا الى كذا ) وقصارى كل أحد منهم وصف ناقته بالعتق والنجابة وانه امتطاها فادرع عليها جلباب الليل وربما اتفق لاحدهم معنى لطيف يتخلص به الى غرض لم يعتمده الا ان طبعه السليم وصراطه المستقيم نضى بثأره واوقد باليفاع ناره .
وقد تعصب كثير من النقاد و علماء الادب
لهذا النهج الجاهلى الذى لا يمت الى وحدة القصيدة بصلة ودافعوا عنه دفاعا حارا يقول ابن قتيبة المتوفي سنة ٢٧٦ هـ : (( وسمعت بعض أهل العلم يقول ان مقصد القصائد انما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فشكا وبكى وخاطب الربع واستوقف الرفيق لتجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها اذ كان نازلة العمد فى الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر لانتجاعهم الكلأ وانتقالهم من ماء الى ماء وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان ثم وصل ذلك بالنسيب فشكل شدة الشوق وألم الوجد والفراق وفرط الصبابة ليميل نحوه القلوب ويصرف
اليه الوجوه ويستدعى به اصغاء الاسماع اليه لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما قد جعل الله فى تركيب العباد من محبة الغزل وألف النساء فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب وضاربا فيه بسهم لانهم أدركوا أن المرأة سر الحياة العجيب وانها المفتاح السحرى لكل مغلق واللغز الذي ينحل به كل لغز . فاذا علم انه قد استوثق بالاصغاء اليه والاستماع له عقب بايجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا التعب والسهر وسرى الليل وانضاء الراحلة والبعير فاذا علم انه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وزمام التأميل وقرر عنده ما ناله من المكاره في السير بدأ في المدح فبعثه على المكافآت وهزه على السماع .
فالشاعر المجيد من سلك هذه الاساليب وعدل بين هذه الاقسام . وابن قتيبة لا يبرر هذا النهج ، لا لأنه هو الحق في الادب والنقد ولا لأنه هو الصورة المثلى للقصيدة الجاهلية
ولا لانه سبب من اسباب الروعة والجمال فى الشعر والقصيدة ولكن انما يبرره لانه نهج الجاهليين فحسب وهكذا يفهم كثير من النقاد القدامى النهج الفنى للقصيدة ووحدة القصيدة فى الشعر العربى وهو فهم لا يخلو من عصبية وجور .
وهذا النهج الفنى العام الذى سار عليه الشعراء الجاهليون والاسلاميون والمحدثون هو النهج السائد فى القصيدة فى الشعر العربى ولم يشذ عن ذلك الا مدرسة شعراء الغزل فى عصر بنى أمية التى وقفت شعرها على الجمال والحب وتابع السير في ضوئها العباس بن الأحنف . وممن شذ عن ذلك أبو العتاهية في زهدياته ، وأبو العلاء في لزومياته التى جعلها وقفا على الزهد والحكمة والموعظة وما عدا ذلك فاتباع للنهج القديم فى الغالب ومخالفة لهذا التوزع فى الفكرة والمعانى والشعور والاغراض فى القليل .
ولم تكن دعوة أبى نواس للتجديد فى مطالع القصائد ذات أثر بعيد فى وحدة القصيدة فقد دعا الى وصف الراح في وقت كان غيره يدعو الى وصف الديار والاطلال في مطلع القصيدة . وقد ضج أبو الطيب من بدء القصائد بالغزل فقال فى مطلع قصيدة له فى مدح سيف الدولة :_
اذا كان شعر فالنسيب المقدم
أكل فصيح قال شعرا متيم
لحب ابن عبدالله اولى فانه
به يبدأ الذكر الجميل ويختم

