الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

وحدة القصيدة، في الشعر العربى

Share

                 - ١ - دعوة أرسطو الى الوحدة العضوية في القصيدة الملحمية وفي القصيدة التمثيلية خاصة سواء أكانت مأساة أم ملهاة ( تراجيديا وكوميديا ) :

سبق أفلاطون وأرسطو الفيلسوفان اليونانيان القديمان الى الحديث حول الوحدة العضوية للعمل الادبى . فذهب افلاطون فى الخطابة الى ان العمل الادبى يجب ان يكون منظما مثل الكائن الحى ، ذا جسم خاص به كما هو فلا يكون مبتور الرأس أو القدم ولكنه يكون مؤتلفا بحيث تتحقق الصلة بين كل عضو وآخر ، ثم بين الاعضاء جميعا . وكان هذا بدء الحديث عن الوحدة العضوية فى الآداب العالمية جميعها .

وجاء بعده أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد فذهب الى أنه اذا كان الشاعر يحاكى في الملحمة والمأساة موضوعا واحدا وتاما فان من صميم مهمته أن يؤلف بين أجزاء الموضوع بحيث اذا بتر جزء انفرط عنده الكل وتزعزع ، لان ما يمكن أن يضاف أو لا يضاف دون نتيجة ملموسة لا يكون جزءا من الكل .

وعلى هذا فان الوحدة العضوية أمر واجب فى بناء العمل الادبى على اختلاف مقاصده فهى شرط أساسى عند أرسطو فى الملحمة والمأساة والملهاة .

فتأليف الخرافة الدرامية يدور حول فعل واحد تام كله له بداية ووسط ونهاية . لانه اذا كان واحدا تاما كالكائن الحى أنتج اللذة الخاصة به .

وقد أكد أرسطو وجوب اشتمال المأساة على فعل تام فلا يجوز عنده فى القصيدة الملحمية أن يأتى الفعل بحيث لا نرى له ضرورة عقلية . والا يكون هناك مجال للتساؤل - لماذا تكون بدايته هذه وتلك نهايته فبدايته لا بد أن تجئ مطمئنة لنفس الرائى حتى لا يجد فى نفسه دافعا يدفعه الى أن يسأل ترى ماذا حدث قبل ذلك ؟ ثم لا بد أن يكون بين البداية والنهاية وسط يلزم عن البداية ويحتم النهاية .

وهو يريد بذلك أن تصور المأساة عملا واحدا كاملا مترابطة أجزاؤه ارتباطا وثيقا بحيث لو أن أحد هذه الاجزاء استبدل به غيره أو حذف أو نزع من مكانه لتفكك الكل جميعه . أى ان الماساة ذات اجزاء تؤلف هذه الاجزاء بمجموعها فعلا او عملا تام الخلقة والتكوين بحيث يشوه العمل الادبى قطع أحد هذه الاعضاء وازالته عن مكانه ويختل به . ومما فهم من كلام أرسطو

وشراحه ان الوحدة العضوية في المأساة لا تتحقق حتى تكون خالية من الاحداث العارضة التى لا تمت الى الفعل في المأساة بسبب ، وان يكون لها طول معلوم ( الوحدات الثلاث - الحدث والزمان والمكان ) ولا سبيل الى تحديد ذلك الطول ولكن يكون بحيث تقوى الذاكرة على وعيه واستيعابه بسهولة ، ويسمح لسلسلة من الاحداث التى تتوالى وفقا للاحتمال والضرورة ، وأن تكون الحكاية فى المأساة بسيطة ويقصد ارسطو بالبسيطة تلك التى تكون فيها العقدة او النهاية واحدة ، لا مزدوجة تنتهى بحلين . أما أجزاء المأساة فهى ستة : المشهد ، الشخصية ، الموضوع ، العبارة ، الفكرة ، النشيد . وعند أرسطو انه يجب ارتباط الشاعر بموضوعه نفسيا : أما على سبيل

الواقع حين تتشابه الاحاسيس والظروف بحيث نشعر شعورا قويا أنه يقدم حياته ضمن حديثه عن ابطاله الذين لهم مثل ظروفه . وأما على سبيل الخيال حين يصنع من حياته واقعا يعيش فيه وتجربة حية تنتظم كيانه وتستولى على خواطره ، وعنده ان معالجة موضوع المأساة والملحمة يحتاج من الشاعر الى ضبط الفكرة وتنسيق الحدث فعليه أن يحدد الفكرة العامة . وبعد هذا فقط يؤلف الاحداث الفرعية ويبسطها . فاذا فرغ الشاعر من ذلك اتجه الى اختيار الحوادث الفرعية التى يجب ان تلائم الفكرة الاصلية ، ولا تتنافر معها . والحوادث الدخلية التى تناسب الحدث الاصيل تعين الشاعر على التوسع بعض الشئ فى المسرحيات وتمده في الملاحم بفيض من الاتجاهات يصرف فيها الموضوع الملحمى القصير على نمط يجعله نشيط الحركة فى ميدان فسيح ، اذ الملحمة أطول من المأساة .

والمهارة فى تأليف الاسلوب وفخامة العبارة لا تغنى عن العناية البالغة بابتكار الخرافة التى تقوم عليها المأساة وبتركيب الافعال وتنسيقها ، لأن روح العمل الفنى يتوقف على ذلك الابتداع الذى ينبنى عليه كل شئ .

والخطابة عند أرسطو لا بد من بدئها باستهلال ومقدمة ثم يجئ عرض الموضوع في مهارة وتوفيق في اثارة المشاعر وامتلاك العقول وربما يحتاج الى خاتمة وجيزة ، تلخص ما تشعب فيه القول . فالوحدة العضوية التى اشترطها أرسطو فى المأساة مثلا ليست عنده شرطا ضروريا من شروط الخطابة ، فوحدة الحدث مفقودة فى المأساة هنا كما تقتضى الحال فى كل موقف يتطلبه نوع من الاسلوب يجب مراعاته . وجاء " هوراس وكاتولوس أفيد ) وبقية الكتاب في العصر الفرجيلى بوجه عام فذهبوا فى المحاكاة وفى الوحدة العضوية الى ما ذهب اليه نقاد الاغريق . .

               - ٢ - التزم النقاد الاوربيون فى العصر الكلاسيكى في أوربا بالوحدة العضوية فى التمثيلية المسرحية :

فقد أخذ الرومان التراجيديا والكوميديا عن الاغريق ولم تزدهر التراجيديا عندهم . وكل ما وصلنا منها كاملا بعض روايات الـ ( سينكا ) التى يغلب عليها التفكير الفلسفى ، وعلى العكس من ذلك الكوميديا فهى فن قد اكثروا منه .

وبسقوط روما سنة ٤٥٦ م أندثر العالم القديم بثقافته وابتدأت القرون

الوسطى من سقوط روما الى فتح القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م وفى خلال تلك المدة لم يعرف غير اللغة اللاتينية . أما اليونانية فقد اختفت تقريبا واختفت معها الثقافة اليونانية كلها ما عدا الفلسفة وبخاصة أرسطو ، الذي استغله الشرق والغرب لخدمة الدين وتأييده بحجج عقله ، وبموت اللغة الاغريقية وتقهقر الثقافة الادبية القديمة وظهور المسيحية التى تخالف فى روحها الادب القديم القائم على الوثنية اندثرت أنواع المسرحيات القديمة ونشأت انواع جديدة من المسرحيات قائمة على موضوعات دينية .

وفى عصر النهضة حدث ارتداد الى الآداب القديمة وبعث لها وابتدأ هذا العصر بسقوط القسطنطينية على أيدى الاتراك وتحويلها الى بلاد اسلامية فهاجر العلماء المسيحيون إلى ايطاليا فى أول الامر ومعهم المخطوطات ولم يقف مجهودهم على الفلسفة بل امتد الى الادب والتاريخ فنشرت نصوص ( هرميروس ) ، ( سوفوكل ) ، ( أوربيديس ) . ( عيروديت ) وغيرهم .

وكذلك عرفوا المسرحيات الاغريقية القديمة وفضلوها على أنواع المسرحيات التى كانت معروفة فى القرون الوسطى والتى أخذت تندثر فى ابتداء عصر النهضة . وفي القرن السادس عشر ظهرت أول محاولات لتأليف التراجيديا والكوميديا محاكاة للاغريق . ولذا كانت التراجيديا حوارا وتمثيلا فحسب دون الاستعانة بجوقة : ( كورس ) ولقد اتخذوا من الاساطير الاغريقية مادة موضوعية لكثير من رواياتهم . وثمة فرق كبير بين شعراء القرن السابع عشر وشعراء الاغريق القدماء ، وهو تغليب

الجانب الانسانى على الجانب الالهى ، فدوافع الشخصيات هى الدوافع البشرية من عواطف وشهوات لا الارادة الالهية فحسب كما هو الحال  فى كثير من الاحيان عند شعراء اليونان القدماء ، ولذلك يسمى هذا الادب بالانسانيات ولقد صاحب نشوء هذا الادب دراسة الاصول النظرية للادب المسرحى فهو لم ينشأ نشأة طبيعية كما نشأ الادب الاغريقى القديم بل قصاء الى خلقه - ومن هنا تحكمت فيه الاصول النظرية .

وتلك الاصول أخذوها من أرسطو فقالوا بالوحدات الثلاث : وحدة الزمان والمكان والموضوع . كما قالوا بفصل الانواع ، بمعنى انه لا يجوز أن يتخلل التراجيديا مناظر مضحكة كما لا يجوز أن يتخلل : لكوميديا مناظر محزنة ، بحيث يفصل بين النوعين فصلا تاما ، كما خيروا بين جو التراجيديا وجو الكوميديا . . فالتراجيديا تمتاز بالجلال حتى ان شخصياتها لا يمكن ان تكون من أفراد الشعب ، بل لا بد ان يكونوا ملوكا أو أمراء . وأما الشعب فمجاله الكوميديا .

كما قالوا : ان التراجيديا الكلاسيكية يحسن أن تأخذ موضوعاتها من التاريخ ، حتى انهم كانوا ينتقدون المؤلفين الذين تناولوا موضوعا عصريا . ويدافع كورنى نفسه عن ضرورة اتخاذ موضوعات التراجيديا من التاريخ فقال : ان الحوادث الروائية حتى التى تعتبر فى نظرية العقل المجرد خارقة لا يلبث أن يألفها العقل ويستسيغها عندما تقدم اليه كحوادث تاريخية وقعت بالفعل ، وأوضح مسرح تنطبق عليه قواعد الكلاسيكية هو مسرح ( راسين ) وذلك لبساطة وقائعه مما يسهل معه انطباق الوحدات الثلاث وقاعدة فصل الانواع ومشاكلة الواقع ،

وعلى العكس من ذلك مسرحيات كورنى ، فهى لتعقد حوادثها وكثرتها لم يستطع المؤلف بسهولة ان يخضعها للقواعد الكلاسيكية ، حتى لقد هوجم من النقاد مهاجمة قوية عند تأليفه لرواية ( السيد ) حتى عرضوا الامر على الاكاديمية الفرنسية لتفصل فى الخصومة وتقول هل خرج كورنى على القواعد الكلاسيكية او احترمها ؟ وألف المجمع اللغوى لجنة برئاسة شابلان الذى كتب تقريرا ثبت فيه خروج كورنى على قواعد أرسطو .

ان القصيدة عند الرومانتيكيين في داخل الصورة تصبح كل صورة من صورها بمثابة عضو حى في بنيتها الفنية وهذا عندهم هو ما يسمى عضوية الصورة الشعرية فالقصيدة الغنائية عندهم وحدة تشبه وحدة المسرحية العضوية ، وهذه خاصة بالشعر فى رأيهم ، وأول من قرر ذلك ( لسنج ) الالمانى وهو رومانتيكى فى فكرته على الرغم من كلاسيكيته فى آرائه الاخرى ، وقد أعجب برأيه جوته ، وهو من اعلام المدرسة الرومانسية في المانيا . ويقرر هذا المبدأ الفنى ( اوسكار وايلد ) فالقصيدة عنده ذات وحدة عضوية حية نامية .

-٣- دعوة النقاد الاوبيين في القرن التاسع عشر وخاصة الرومانسيين للوحدة العضوية للقصيدة الغنائية :

ظهر المسرح الرومانتيكى متأثرا بشكسبير أعظم التأثير ولقد ترجم فيكتور هيجو الى الفرنسية مسرحياته وأعجب بها ودعا اليها فانتشر أدبه بين الكتاب والمفكرين . وكان القرن التاسع عشر في الحقيقة هو

القرن الذي اعترفت فيه البشرية بعبقرية هذا الرجل . وأما قبل ذلك فلم يكن أحد يفطن الى أنه فى الصدر بين الشعراء ، فلقد ظل شكسبير مغمورا قرنين كاملين . وفى انكلترا نفسها كانوا يؤثرون عليه شعراء مثل : ( بن جوينسون ) و ( مارلو ) .

ومسرح شكسبير لا يخضع لقاعدة ولا يتقيد بعقل فهو ملئ بالخوارق والشواذ والخروج عن المألوف وحتى الحقائق الانسانية قد صورها دائما اكبر من الطبيعة . فمسرحياته على النقيض من المسرحيات الكلاسيكية . وأخص ما يميز الرومانتيكية هو الثورة على الاوضاع الكلاسيكية ، فالمسرح الرومانتيكى لا يعترف بالوحدات الثلاث ، ولا يسلم بفصل الانواع ، كما أن رواياته لا تقتصر فى العادة على أزمة نفسية حادة كما يحدث فى الرواية الكلاسيكية بل كثيرا ما تتناول حياة أبطال الرواية فى مراحلها المتتابعة . والمسرح الرومانتيكى لا يعرف القصد والاعتدال اللذين تخضع لهما المسرحية الكلاسيكية فهو ملئ بالعنف والاسراف والاشلاء والدماء .

ولقد عرض فيكتور هيجو نظرية هذا المسرح في مقدمة روايته المسماة ( كردمويل ) وفيها يهاجم المسرح الكلاسيكى ويدعو للمذهب الجديد وهو المذهب الرومانتيكى ، فيرى ان الوحدات لا تستند الى منطق سليم ما عدا وحدة الموضوع وحتى هذه لا يريد أن يقف بها عند وحدة الوقائع بل يريدها أن نكون لها وحدة الاثر العام ، الذى تحدثه الرواية فى النفس وهو يرى أنه اذا كان المقصود من وحدة الزمان جعل المسرحية مشاكلة للحياة وكأنها قطعة منها فقد كان الاجدر أن لا تحدد بأربع وعشرين ساعة .

بل بساعتين اثنتين فقط وهما الزمن الذى يستغرقها تمثيل المسرحية .

وأما عن مبدأ فصل الانواع فقد رأى هيجو خروجا على ممكنات الحياة التى كثيرا ما تتقلب بين الجد والهزل وتنقلب معها مشاعر الناس واذا كان هذا صحيحا في الحياة فلم لا يحاكيه المسرح ؟ ولم يلزم أن يطرد فى كل مسرحية لون واحد ان قاتما ان مشرقا ، ان عابسا وان ضاحكا . وفى مسرحيات شكسبير تظهر الشخصية المضحكة حتى فى أشدها قسوة .

والمسرح الرومانتيكى أميل الى الشعر الغنائى منه الى التحليل النفسى وهو فى هذا أيضا يغاير المسرح اللاسيكى ، كما ان نغمة اسلوبه تغلب عليها النزعة الخطابية ، وهو أخيرا يعتمد على الاثارة العاطفية أكثر من اعتماده على ضوء العقل الكاشف لحقائق النفس .

وظهر فى القرن التاسع عشر الى جوار الدراما الرومانتيكية ، التيار الواقعى . وكان ظهوره نتيجة لتقدم العلوم الوضعية والرياضية والواقعية التى ترى ان الحياة عند امعان النظر لا تدعو إلى التفاؤل ، وهى تميل الى ملاحظة جانب الشر والاسفاف فى الانسان بحيث تصبح تثويرا للنواحى المظلمة فى الشخص البشرى وعندها مثلا ان الرغبة فى المجد ترجع الى الاثرة ، والكرم الى المثل للمباهاة ، والشجاعة الى اليأس من الحياة وهكذا . ومن الامثلة لذلك رواية ( الغربان ) لهنرى بيك التى يتناول فيها حياة أسرة توفى عائلها تاركا ينا صغارا وثروة ضخمة فسقط الناس الدائنون ومدعو الدين على الايتام كالغربان تنهش فى الاجسام .

وظهرت كذلك الدراما الرمزية فى المسرح وهى غيرها فى الشعر الغنائى ، وهى كما يمثلها رجل مثل ( ابسن ) عبارة عن الكشف عن الحقائق النفسية ، أو معالجة المشاكل الانسانية الخلقية والاجتماعية عن طريق الاساطير والشخصيات التى ترمز لأفكار دون ان يقصد المؤلف تصويرها حية .

وفى النصف الاخير من القرن التاسع عشر كان الاتجاه العام للمسرح الرومانتيكى اتجاها غنائيا فالحوار كان يكتب لجمال الصياغة لا لسوق الاحداث التى تتكون منها المسرحية أو التلميح الى حالات نفسية ، حتى كانت المسرحيات النثرية ذاتها تبدو كالشعر وكان هذا الاتجاه نتيجة لغلبة الشعر الغنائى فى الانتاج الادبى . أى لكثرة دواوين الشعراء التى يتغنون فيها بمشاعرهم الخاصة ، ولذلك كان الكثير من المسرحيات يكتب عندئذ شعرا ولكن نمو الحركة العلمية ، وانحلال المذهب الرومانتيكى أخذا يسيران بالمسرح نحو الواقعية التى لا تتسع للشعر الغنائى ولا تصبر عليه .

وكان التدرج من الواقعية الى الدراسة النفسية تدرجا طبيعيا . وما ظهر علم التحليل النفسى حتى طغى على المسرح منذ مطلع القرن العشرين الى أن قامت الحرب الاوربية الاولى بل استمر بعد نهاية تلك الحرب الى ان تبين العلماء والباحثون ما فى هذا العلم الناشىء من مبالغات كنيرة أحيانا فارتدوا عن الامعان فيه وتبعهم فى ذلك المسرح . ثم حدث رد فعل فأخذ المسرح يعود مرة ثانية إلى ألوان من الخيال فى الواقع . ومن الشعر المنظوم أو المنثور في الحوار .

( للبحث صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية