الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

وحدة اللغة العربية، ،

Share

ماية مليون من البشر يتكلمون لغة واحدة ، هى اللغة العربية هذا مجد حضرى قد ورثناه ، ومن واجبنا ان نعتنى به ونحظيه حتى يزكو وتتحقق بركته علينا ، لان وحدة اللغة مقدمة حسنة لتمهيد سبيل التفاهم والتوافق والعمل المشترك المنتج بين البشر .

والحضارة اليوم قد سلحت الانسانية بوسائل التواصل وبتسهيلات معتبرة ، للتماس الصوتى ، بعد ان مكنت للصوت البشرى ان يركب أمواج الاثير ويسير بسرعة الضوء اى 000 000 080 1 ، مليار وثمانين مليونا من الكيلوميترات فى الساعة الواحدة . بحيث انك تتحدث لصديقك فى الشطر الثانى من العالم وانت جالس فى فراشك ، وبحيث تستمع الى بغداد واندونيسيا من وراء الصين وانت فى دارك بتونس ، ثم انك تدير الزر نحو نيورك او المغرب الاقصى لتتعرف الاخبار على السن الاخرين وفهومهم . فالعالم اليوم فى حضارة جديدة لم يكن يتوقعها آباؤنا الذين بلبل البعد السنتهم وشتتها التقاطع والانقطاع . فلنتصور مبلغ التباعد الذى كان فى سالف العصور حيث يكتب محمد بن ابى زيد القيروانى لأهله فى مدينة القيروان عندما كان فى مدينة بغداد يطلب العلم سنة 939 فيقول :

ذكرت القيروان ، فهاج شوقى            واين القيروان من العراق

مسيرة اشهر للبعران نصا                 او الخيل المسومة العتاق

والحق مع الشاب عبد الله بن ابى زيد ، فان البعير الفاره من الجمال لا يمكنه ان يقطع اكثر من ال 20 ك . م . فى الساعة ، بينما الطائرة اليوم تضعك فى بغداد لعشر ساعات من ركوبك من تونس . فوسائل النقل ووسائل التواصل قد تطورت تطورا هائلا ، لا بد لنا ان ندرك مفعوله .

ومما يذكر - هنا ان بعد الشقة فى ذلك الزمن لم يكن يقعد باصحاب الهمم على التواصل ، فان ابن ابى زيد هذا ، نراه ما كاد يرجع لتونس - وهو فى ال 17 من عمره حتى الف كتابه " الرسالة " لمدارس عصره سنة 939 م . وارسل بنسخة الى استاذه الشيخ ابى بكر الابهرى فى بغداد فوصلته لشتاء عامها ، فاستنسخ منها نسخة ثم اخرج للسوق النسخة الاصلية بخط مؤلفها

القيروانى الذى يزهو به الشيخ ويهز من نفوس المشارقة لان فى تدريسهم كتاب ذلك الشاب التونسى من اقصى بلاد البربر فى المغرب ومن قبيلة نفزاوة البربرية . . . قال المؤرخون " فبلغت فى اسواق بغداد الى 200 دينار ذهبى ، فقال لن تباع الا بوزنها ذهبا ، فقبل المشترى ، فجاء وزنها 300 دينار ونيفا ، فانتشرت من يومها فى العراق واليمن والحجاز ومصر والشام وبلاد النوبة ( يعنى السودان المصرى ) وصقلية ( هى جزيرة سيسيلية التى كانت - اذاك عربية مسلمة ) وجميع بلاد الاندلس والمغرب وبلاد السودان "

انتهى ما حدث به معاصراه ناصر الدين البجائى و سلامة التونسى و من هاته الحكاية عن انتشار الكتاب التونسى فى سنة تاليفه ( عام 327 ه . ) قيمة وحدة اللغة فى تسهيل انتشار الكتاب وتوحيد كتب الدراسة والتواصل في المتسع الفسيح ، برغم الوسائل القاصرة التى كانت فى ذلك الدهر السحيق وما يستلزمه النقل والانتقال من المشقة والبذل .

وراينا الزعيم التونسى محرز بن خلف يقرأ هذا الكتاب " الرسالة " فى مكتبه الذى اسسه فى بلدة اريانة وبقى ذلك الكتاب " الرسالة " الف سنة عمدة من وسائل التدريس فى جميع ذلك المتسع العربى ، حتى انه لم يبدل فى الجامعة الزيتونية الا بعيد الاستقلال حول سنة 1955 ، ومازال عمادا فى كثير من البلاد الاسلامية .

ولا غرو فان اللغات التى كتب لها ان تنتشر فى متسع عظيم ، مثلما توسعت فيه اللغة العربية ، قد كانت لا تكاد تحافظ على وحدتها ، اذ سرعان ما تقطعها اعصر الانحطاط التى تتراخى فيها اعصاب النشاط التى تجمع شملها ، فيتباعد قربها وتتمزق وحدتها ، فينكمش كل طرف على نفسه فاذا هى لهجات متباينة ، واذا هى لغات شتى ، الامر الذى يمكن ان نعتبر معه عصمة العربية من ذلك التقسم ، كانما هى معجزة من معجزات الحضارة المدركة المباركة لولا اننا نعرف سبب هذا الخلود فى الوحدة ، حيث ان العلماء قد اجمعوا على ربط هذه اللغة بالدين الاسلامى عندما قالوا بعدم جواز ترجمة القرآن للغات الاخرى ، والصلاة لا تكون الا بتلاوة آيات من هذا القرآن ، فلا مناص للمسلم حيثما كان من ترتيل اللغة العربية خمس مرات فى اليوم عند صلواته الراتبة بنصها العربى لعهد محمد ( صلعم ) وهكذا سلمت العربية من تقلبات الالسن وتباعد البلدان ، فنجت مما وقعت فيه اللغة العبرية والسنسكريتية واللغة اللاتينية ، التى ماتت كلها ، وبقيت ولامئها المختلفة ، فانما بقى من اللاتينة اربع بنات ( هن الايطالية والافرنسية والاسبانية والبرتغالية ) فى حين ان الام ( اللاتينية ) نراها قد ماتت فاصبحت مجهولة من اللاتينيين انفسهم . ولما جاء عصر الاتحاد والتواصل فى حضارتنا نراهم انما فزعوا لمحاولة تكوين لغة

جديدة اسموها الاسبرنتو ، جعلوها خليطا من لغاتهم الاروبية جميعا وضبطوا لها قواعد مطردة . . . وظهر بالفعل انها محاولة فاشلة لم تتأيد ، ورفضها جميع دول العالم ، مع ايمانهم بوجوب توحيد اللغة ، ورغم حاجة الحضارة لتحقيق الوحدة اللغوية ، لتحقيق التفاهم العالمى . لانهم قد تشتتوا فتباعدت لهجاتهم وتقطعت وحدتهم واصبح لكل لغة منها علمها وقواميسها وأجهزتها ، وقد اقاموا تمايزهم الوطنى على افتراقهم فى لهجاتهم تلك !

بينما امم الوحدة العربية لم تصب بشئ من داء التفتت والاختلاف فى اللهجات : المصرية والحجازية والعراقية والمغربية والتونسية ، بل ان جميعها تنص فى دساتيرها ، على ان لغتها هى العربية .

واذكر منذ عام واحد قد التقيت مع المستعرب الفرنسى الاستاذ ريجيس بلاشير وكان المجلس الذى نحن فيه يخوض مشكلة اللهجات واللغات ، فتحدث هو بروح سمحة ، عن اعجابه ان راى العربية حافظة لوحدة جميع العالم العربى وحتى العالم الاسلامى الكبير ، بحيث ان المشقة الوحيدة التى تحملها فى اسفاره فى العالم العربى ، ان نزع عن لسانه اللهجة المغربية التى كان ينطقها بعادته حسب اقامته الطويلة فى المغرب الاقصى فهو اذ يطلق لسانه باللغة العربية الفصحى يجد حسن الاصغاء والتفهم من رجل الشارع ومن حمال الرصيف ورجل السوق ، عامة ، وانه يجد مع ذلك التكريم والاعتبار مرافقا ومساعفا ببركة هاته اللغة المحترمة عند الجميع . وفى حديثه ذاك رأينا مبلغ اعجابه بهاته الوحدة وبذلك التكريم .

واحسب ان العرب فى كل طرف من العالم يشعرون بعزة انهم ليسوا اقلية لغوية اذ يبلغ من يتكلم العربية ماية مليون من البشر السمر والبيض والسود والصفر . والدول العربية حيثما كانت تعتز بهذا الاتحاد اللغوى ، حتى لو تنابذت لحظة من اللحظات .

لكن الواقع اننا - فى اعصر الظلمات التى سادت العالم العربى فى القرنين الماضيين - قد تشعبت بنا اللهجات ، حتى اصبح المستمع التونسى للنكتة المصرية لا يكاد يفهمها ، فضلا عن ان يتذوقها او تهز من اعطافه . وهكذا الاغنية فى جميع الشعوب العربية فان لهجتها المحلية ربما اضاعت كثيرا من تاثيرها ، اذكر من ذلك ان السيد حقى على اليمنى كان استغرب سماع اغنية للاديب عبد الرزاق كرباكه فجاء يسأله لماذا تطلب البؤس فى اغنيتك ، ثم قالها " اعطيني بوسه " فهو لا يعرف الكلمة التونسية " البوسة " بمعنى " القبلة

العربية ، فردها الى البؤس ومادته الشقية ، واستغربها والبوسة معروفة لجميع شعوب البحر المتوسط وهى من اصل لاتينى نجد منه الباتيشى فى الايطالية و " البيزى " فى الفرنسية وكذلك نحن عندما نسمع اغنية محمد فويتح المغربى " البرقى كوانى " ويعنون بها " البرقى " فى المغرب " الأسمر " فالمغنى يشكو حر غرامه بتلك السمراء التى كواه حبها بينما التونسيون لا يعرفون من " البرقى " الا البرق من الاسحبة والتبريق للعيون والبرقيات التلغرافية ومثل ذلك " شو بدك " الشامية ! فضلا عن الغنات والكشكشات والكسكسات المحلية هنا وهناك ، بحيث تكون لهجات غريبة لم تتعودها الآذان فى الجهات الاخرى . ومسألة اللهجات تبلغ مبالغ كبيرة فى الفروق بين الاقطار بل حتى بين اطراف القطر الواحد . . . مما الف فيه المستعربون كتبا كثيرة عن لهجة تكرونة او لهجة صفاقس او حتى لهجة يهود الحارة الاسرائلية داخل العاصمة التونسية ، فان لها خصائص تميزها عن لهجة سائر حومات البلدة نفسها

والذى يهمنا من جميع ذلك انما هو توحيد الالفاظ وتقليل الاهمية فى اللهجات بتقريبها الى بعضها ، مع توحيد مخارج الحروف . وبذلك يعود للعربية وحدتها وصفاؤها .

وهذا هو المشكل الذى يجب حله : كيف يمكن ان توحد اللغة العربية بين جميع الشعوب العربية اليوم ؟

وهذا ما جئنا اليوم لنحل لغزه . ولغزه بين الحل ، قريب منا حله قربا بهرنا عن ملاحظته ، فتساءلنا وتخالفنا وعجزنا ، وهو تجاه اعيننا قريب منا ، قربا غريبا ، بحيث لم نعد نراه

لقد حسب اكثرنا ان الحل الوحيد يتمثل فى رجوعنا الى القواميس العربية وماذا نعمل مع القاموس العربى الذى يجعل للجمل 500 اسم وللكلب 9 اسماء ، وللهر من الاسماء ما اطمع فيه الاعرابى حتى جعل يتصيد القطط يريد بيعها ، فلا يجد للقط ثمنا يناسب كثرة اسمائه تلك ، فهو يطلقه - لوجه الله - عتيقا ، تكريما لاسمائه ، كما حدث به الاصمعى فى مجلس الامين وهارون الرشيد .

ونعنى بذلك ان حل المشكلة باعطاء الحرية لكل قطر ان يختار ما اعجبه من السنانير او القطط او الهررة او غيرها ، لايسهل شيئا من مشكلة المفردات

ثم انه لا يمس شيئا من مشكلة اللهجات ، مطلقا ، مع اننا نطلب حلا حقيقيا يوحد اللسان العربى فى زحلة والكويت واريانه وصفاقس وفاس ، ويمكننا من التفاهم الحقيقى . . . يمكن الامم العربية بمثقفيها الممتازين وعموم عملتها العاديين ، نساءا ورجالا ، من التحادث ، مثلما عليه الشعوب : الفرنسية والامريكية والتركية ، اليوم .

وهذا الدواء كان معمولا به فى قرون النهضة العربية ، نجد نصوصا عنه فى اقاصيص الجاحظ مما طبع ويمكن مراجعته ، وانما نورد هنا نصا لم يطبع بعد فى حكاية بديعة من الكتاب الذى كتبه ابن رشيق القيروانى فى القرن الخامس هجريا - وهى سنة 1039 ميلاديا - واسماه " انموذج الزمان فى شعراء القيروان . والقيروان اذاك عاصمة لافريقية كلها ، اعنى المتسع العظيم الذى يشمل ما نسميه اليوم " ليبيا وتونس والجزائر مع الصحراء الكبرى الى خط الاستواء " قال :

" كنت مارا على كتاب بالقيروان واذا بالمعلم يصخب وسط طلبته ويصيح بهم :

" يا فراخ المزابل           ونتاج الاراذل

" اقرؤوا ، لا قرأتمو         غير سحر وباطل

" روح الله منكم             عاجلا غير آجل "

فهذا النص المضحك اردنا بايراده استلفات النظر الى ان لغة المؤدب كانت فى القيروان لعام 430 ه العربية ، العربية الفصحى التى نريد اليوم ان نعاود تعميمها بيننا ، ولا سبيل موصلة لذلك غير " المدرسة الموحدة اللسان " وهو السبيل الذى توحد به اللسان فى فرنسا وفى ايطاليا ، وغيرهما من اطراف العالم الناهض فى المدرسة الموحدة ، فانت اذا دخلت المدرسة فى نابولى لن تجد المعلم يستعمل اللهجة النبوليتانية ابدا ، ولو فى رياض الاطفال ، فان الولد والبنت يجدان آذانهما قد طرقتها اللهجة واللغة الفصحى التى ستكون لغتهما العامة ، وكذلك الحال فى بروطونيا من يد فرنسا الممتدة نحو الجزر البريطانية ، فان المدرسة لن تستعمل اللهجة البروطانية بحال .

وفى الحقيقة لو ان المدرسة المصرية والسورية والمغربية جعلت لغة القسم والفصل والمدرسة ، هى اللغة العربية ، لامكننا ان نضمن هاته الوحدة على اكمل

وجه واشرفه ، وباسرع طريق خصوصا اذا توفق العالم العربى جميعه لوضع برنامج تعميم التعليم على الصبيان ذكورا واناثا ، مثلما قد وضعت برنامجه الدولة التونسية ليكون جميع اطفالنا فى المدرسة الوطنية الموحدة ، فى اقرب حقبة زمنية محدودة .

فلنلز اساتذتنا فى مدارسنا ومكاتبنا لان لا ينطقوا فى المدرسة وفى اثناء دروسهم الا باللغة العربية ، لا اللغة الدارجة المحلية . وبذلك نسهل تكوين الجيل الذى يتكلم العربية مع بعضه بعض مثلما يتكلم الفرنسية ، بفضل ان المعلم التونسى لا يقرئه الفرنسية باللغة الدارجة بل باللغة الفرنسية الموحدة .

ولعل هذا مما يجب ان تعمل له الجامعة العربية ، ولعلها ستجد فيه متسعا مفيدا وعمليا ، لنشاطها . . . اكثر من بعض الميادين السياسية البحتة الشائكة ، والتى لم تتمكن من ان تتقدم فيها خطوة ، بينما هذا الميدان الثقافى يتطلب منا حلا عمليا لا يتوقف على موازنات عالمية بعيدة عن حدودنا او قدرتنا ، ولا هو مما تتشعب فيه اهواؤنا الداخلية ، ابدا .

بينما الزاز اساتذتنا ومعلمينا لان يقرئوا اولادنا ويكلموهم بالعربية داخل المدرسة ، امر متوقف علينا وحدنا وفى طوقنا ان نعمله بحسن ارادتنا وحدها

فهذا اقتراح نتقدم به لمجتمعنا الاكبر ، ولجميع دولنا العربية فى مشارق الارض ومغاربها ، فعساه ان يحظى بالقبول ، وعسى ان نتوفق جميعا لما تكون به عائدة بالخير العميم

اشترك في نشرتنا البريدية