الى ذلك الذى لم يصبه الفتور ولم تكل عزيمته ،، الى ذلك الذي صمد فى وجه الخيبات صمود الحجر الصلد فى وجه الرياح العاتية ،، اليك يا أخى أسوق هذه القصة ،،
كان يخرج من منزله مطأطأ الرأس . . ولا يعود إلا عند هزيع الليل متخاذل الخطو . . يجر قدميه جرا . .
إنه يحس مرارة إخفاق دونه كل إخفاق إخفاق ساحق مر . . لم يكن فى دروسه بالذكى الممتاز . . ولا بالغبى المذموم . . كان تلميذا ممتازا فى بعض العلوم أذكر منها الفرنسية والانقليزية . . وكان ضعيفا فى بعض آخر أذكر منها الحسابيات . . لكن هذا لم يكن كافيا لكى يتحصل على شهادة الباكالوريا . . تلك الشهادة التى يرتقى بها الى طبقة الرجال . . وأعاد لها التحضير ثانية . . وثالثة . . ورابعة . . لكن بدون جدوى . .
لقد أصبح يحس كأنه كائن منسى مظلوم اضطهدته الاقدار . . حتى هذا الذى يسمونه بالبخت . . فلم يحظ به ولو مرة واحدة . . ما أشبهه اليوم بحيوان أعجم . . لا أنس بحاضر . . ولا أمل فى مستقبل . . حتى الحياة فلم تعد فى نظره جديرة بالاعتبار . . ما أعجب أمر هذا المسكين . . لا أذكر يوما أن أحدا من أهله قد عنى بأمره . . كأنهم لا يرونه ولا يعيشون معه . . فليس هناك من يحس بوجوده . . ما أحوجه الى من يرشده . . بل الى من يخزه وخزة قوية تفيقه من غفوته . . وتشعره بأنه إنسان كسائر الناس . . كان يخجل من نفسه إذا وقف أمام المرأة ليحدق فى وجهه النحيل . . يا حسرة عليه . . إنه يفنى يوما بعد يوم . . أين تلك الحمرة التى كانت تكسو بشرته . . أين تلك الابتسامة التى كانت لا تفارق ثغره ؟ . . كل شئ انتهى فيه . . لا تستطيع ان تميزه عن الجماد إلا بحركاته البطيئة الفاترة . . حتى الاصدقاء فقد هجروه . . وأنى يكون لانسان كهذا أصدقاء ؟ . . علبة السجائر لا تفارقه . . فهي تلازمه ملازمة الحبر للقلم . . يجد لذة كبيرة عندما يشعل سيجارة . . إنها بلا شك تحيل له من الصور ما يزيل آلامه وأحزانه . . لا يرميها من بين السبابة والابهام الصفراوين إلا بعد أن يأتى الاشتعال عليها كلها . .
كنت أجتمع به فى " مقهى الهناء " أوقات فراغى . . وكم من مرة نصحته بأن يتخلى عن هذا المكان . . لكن كان من الصعب عليه أن يفعل ذلك . . لعله يطرب للضجيج والزحمة . . لمشاهدة الناس تتثاءب وتتمطى فوق الكراسى كالأحمرة المتململة تحت شمس الربيع . . لم يغير ولو مرة واحدة المكان الذى اعتدت أن أجده فيه . . الزاوية الشمالية . . الطاولة الحديدية الدائرية الشكل . . والكرسي الخشبى الأصفر . . يدنفش بغير انقطاع الى المارة من وراء النافذة المطلة على شارع " باب المنارة " وفنجان البن أمامه . . أطفال متأبطة المحافظ تلتهم الخطو . . مومس ضابعة تتبختر . . رعاع يغنون ويعربدون . . مسكين يمد يده يشكو السغاب . . مناظر تسترعى انتباهه كل يوم فلا يشبع من النظر اليها . .
كان كل شئ فيه غريب . . ثياب قاتمة وشعر طويل فى غير نظام . . وكلما سألته عن السبب لم تحظ منه بأى جواب . . حتى اذا ألححت عليه الى درجة لا يستطيع معها السكوت . . ردد بكل بساطة . . وللناس فيما يعشقون مذاهب . . وأبرز ما يتصف به أنه كان يحمل أطيب قلب إنسانى عرفته فى حياتى فلشد ما كان يرأف على الفقراء والبؤساء . . فكلما مر بالأنهج والأزقة ورأى أطفالها المساكين . . وقف يتأمل وجوههم الشاحبة فى تأثر شديد وأغدق عليهم من النقود ما حوته جيوبه . . وبقدر ما كان يرأف على الفقراء بقدر ما كان سخطه على الأغنياء ورجال التعليم . . أجل رجال التعليم . . ولم لا ؟ ! . . إنهم سر بلائه ومحنته . . وما زلت أعرفه على هذه الحال حتى اختفى عن ناظرى . . وصرت لا أراه لا بالليل ولا بالنهار . . فعرفت أنه مل كل شئ فى الحياة . . وراح يقضى بقية حياته فى بيته بين جدرانه الضيقة . . وكأنه فى معبد مهجور . . حيث السكون الرهيب . . والصمت الثقيل . .
لقد قضى فى غيابات سجنه الصغير أياما كدت أنساه معها . . وتبادر الى ذهنى أنه انهمك يكتب قصة لفترة من حياته . . لكى تكون حجة على خذلان الناس له واضطهاد القدر . .
أجل إنه يكتب قصة حياته . . وإلا فما سر هذه الاوراق والاقلام التى كدسها أمامه . . لكن الى متى سيبقى منكبا على الكتابة . . ألم يكل بصره مر النظر فى الاوراق . . وأصابعه . . ألم تدمها الكتابة . . وهذه الساعة البلهاء التى انتصبت أمامه . . ألم يتفطن الى عقاربها كيف تجرى فى جنون كأنها فى سباق مع الارياح ؟ . . عجيب أمره والله إنه سيزداد فى التأزم بلا شك كلما استمر على هذه الحال . . ولا عجب أن تناقل أصدقاؤه قصته وأصبحوا يتلهون بها فى المقاهى متندرين هازئين . . لقد كان يجرحهم
بانتقاداته اللاذعة . . وتخيفهم صراحته التى تبلغ حد الاهانة والايلام لهم . . وتواردت الايام سريعة كسرعة البرق . . وشغلتني عنه الشواغل الكثيرة . . فتختلف عن زيارته . . ولم أعد أهتم بأمره بقدر ما أنا مهتم بأمورى الخاصة . . لولا أن استرعى انتباهى ذات يوم وأنا عائد من عملى ثلة من التلامذة وقفوا بتراطنون بلغات أجنبية . . وقد فهمت من حديثهم أن نتائج الباكالوريا لهذه السنة قد بدأ التصريح بها منذ يومين . . وبصورة عجيبة ارتسم طيفه أمام عينى بعد طول نسيان . . وأخذ جسمى يرتعش كما لم يرتعش يوما . . وكدت اتسمر فى مكانى عندما تذكرت اخفاقه المتواصل . . وما ستحدثه هذه الايام فى نفسه من الجزع والالم . . وما هى إلا لحظات حتى ألفيتنى أقصد داره وأنا أسرع فى خطاى حتى أكاد أقع على وجهى . . ولم تكد قدماى تطأ الزقاق الذى يسكن فيه حتى سمعت زغردة اهتزت لها نفسى . . وارتعشت لها كل فرائصى . . أجل زغردة بلا ريب ! . . لقد تعودت أن أسمعها من النساء كلما أردن التعبير عن فرحهن الشديد . . لكن هذا لا يمنع من ان تكون صادرة من إحدى هذه المنازل المجاورة . . لا سيما ونحن فى فصل الصيف . . فصل الاعراس والمسرات . . وبينما أنا فى بحر من التساؤلات والشرود . . سمعت الجيران يتهامسون . . لقد نجح . .
م . م . ع .

