يترقب " المنهل " لكاتب هذا المقال مستقبلا لامعا فى عالم الأدب اذا وإلى الكتابة واتجه دائما للتسامي . وغنى عن الأبانة ان نشيد بان هذا الكاتب الطالب هو من ثمار مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة
بزغت شمس يوم السبت ، وبرزت السحب من وراء الجبال قطعا قطعا ، وبدأت تعلو سماء " المدينة " حتى الساعة الثانية . وفى هذه الساعة هب نسيم لطيف ينعش الابدان العليلة ، ويشخد الأذهان الكليلة . وكان فى طياته الخير والرحمة وقد بدأت الأشجار تميس من لمسه ، وصار الرذاذ يتساقط كما يتساقط الدقيق من الغربال : ثم مالبث ذلك النسيم ان انقلب الى رياح شديدة ، وما لبث ذلك الرذاذ أن استحال الى امطار منهمرة ؟ فسأل لذلك كل ميزاب ، و اخضرت الاشجار ، وبكت الجبال وزقزقت العصافير وهدأت الطيور ، فكان مشهدا عجيبا .
وبينا كنت اجيل الطرف فى ضواحى " المدينة " من فوق صرح عال جدا اذ تنورت العقيق من بعد ثائرا ، وفى اشد ثورانه ، فها هو الغيار يتراكم على سمائه والمطر يشتد انسكابه فى جوانبه فعجبت لثورته ، وهدوء باقي ضواحى المدينة ، وفكرت وتعمقت فى عالم التفكير ، فرأيت كأن " العقيق " قد استيقظ من اغفاءة
الزمن ، وصحالما به من الشجن فأمر رماله ان تثور ليثير بذلك حماس جيرانه فلا يدعونه يتمرغ فى احزانه طول الأبد !!! .
ثم تعمقت مرة اخرى فى عالم التفكير فشاهدت - فى حقب التاريخ المنقضى - اراضى العقيق المزروعة كزمرد مخضر ، وشاهدت قصوره المنشورة كنوار فوق الأكمام الزهر ، وشاهدت سدوده تحبس المياه ، لتطلقها على البساتين وشاهدت ثماره المختلفة الالوان ، وسمعت " معبدا " ذا الصوت الشجى ، ورأيت عروة ذا القصر العظيم والبئر الخالدة فى جلال العلم ووقار الثراء والجاه وابصرت قصور بنى عثمان وبساتيهم ، ورأيت سعيد بن العاص جالسا بفناء قصره مع صحابه يمتعون الابصار بهذه الامطار الغزار ، ثم خرجت من اعماق التفكير الى سطوحه فاذا قصور مهدومة وبساتين يابسة ، وارض بيضاء ، ورمال جرداء ورأيت سدود العقيق تمرح فيها الجرذان عابئة لاهثة ، وشاهدت قصوره تعلوها كثبان الرمال وقصر سعيد مخزنا للتبن ومربطا للدواب ، ولم أجد لأولئك القوم الأمجاد من الاسلاف أثرا يبين لعين : فصحت : أهكذا ينسى هذا الوادي الجميل ؟ ! ومازلت طافيا على سطح التأملات والتخيلات حتى رأيت الامطار تشتد واذا العقيق ينشج ناعيا مجده التلبد ، فأثر فى منظره تأثيرا عميقا فصحت معه نرده هذه الانشوده : ( ١ )
أى واد مثل ذا الوادى الجميل لم يتوج هامه بالشجر ؟ !
اي واد مثل ذا الوادى الصقيل لم تكلل حافه بالزهر ؟ !
أي واد مثل ذا الوادي الليل لم تهج احياؤه بالسمر ؟!
ياعقيقى انت مهضوم الحقوق ولذا ياشعر فيه انسكب واذا قومك ما منهم شفيق فلتذب شوقا لماض الحقب
وهنا سمعت كأن هاتفا يهتف من فوق احدى ربوات هذا الوادي قائلا : ( ٢ )
رب ما هذى الطلول الدارسات أتراها اندرست من فتن ؟ !
رب ما هذى العيون اليابسات أتراها ببست من حزن ؟ !
رب ما هذى الربوع العابسات أتراها عبست من شجن ؟ !
ذكريات مثلت لى فى العقيق خفق القلب لها من وصب
حبست آلامها دمعى الطليق رب حزن حابس للندب
وانتبهت من أغفاءتى الخالية ؛ فتلفت يمنة ويسرة فرأيت سلعا رايضا نحانب المدينة فتذكرت " وقعة الخندق " ورأيت من ورائه " أحد " كائن دموعه تسيل على مجد الاسلام ، ونظرت الى الشمال الشرقى فاذا السحاب جون ادكن منسجم فتذكر كرت قولة الرشيد للسحابة وقد مرت من فوقه ، ونظرت الى الغرب والشمال الغربى فتذكرت صلاح الدين وبطولته ، ثم صوبت النظر الى " الرياض " و " مكة " فرأيت اسد الجزيرة ببذل جهوده فى سبيل النهوض والاصلاح ، فقلت للعقيق اخاطبه من الأعماق :-
- لا تبتئس فهذا اسد الجزيرة واشباله ورجاله يعملون لاعادة مجد هذه البلاد التالد وعما قريب ستتناولك يد الأصلاح ، فنعود ناضرا مشرقاز اهرا كما كنت من قبل .
وقد كتبت هذا المقال ؛ والامطار تتزايد والرعود تقصف ؛ والسحاب متراكم فى الاجواء مثل الجبال المشمخرات,
المدينة المنورة

