جاءت الى رصيف المحطة معه لتودعه وظلت واقفة لا تتحرك ولا تتكلم حين استل يده من يديها برفق وبطء وامواج الدموع الباردة تنقلب الى شبح ابتسامة ذابلة على شفتيها الرقيقتين . . . ومضى ملتفتا يتأملها فى شبه كآبة يحاول اطفاءها فى ابتسامة ذاوية . . .
وارتفع هدير القطار وتواصلت بها الافكار وعلمت حينما ارتفع صفيره أن ذهابه سيكون فاصلا بينها وبين الزمن الذى سيلقى بها الى حيث كانت مع السذاجة ... السذاجة . . .
وحينما كان القطار يتحرك ببطء ظل رفيقها العائد الى ارضه يتطلع اليها من النافذة فلا يرى غير يديها الرقيقتين تتراقص فى اضطراب مبعثرة اشاراتها من حيث لا تشعر . . .
واغمضت عينيها لتصرف حلمها الوديع مع رحيل القطار بعيدا عنها الى حيث لا تعلم بالضبط . . وخيم السكون المبهم على الرصيف فضاعت مع اوهامها وذكرياتها واستبد بها الشوق منذ هذه اللحظات الاولى فشعرت بأن ابتعاده سينتزعها من زمن الوضوح ليلقى بها الى رحاب الغموض المبهم . . .
عاشت لاحلامها طوال الطريق التى قطعتها الى البيت لكنها سرعان ما استجابت لنداء اعماقها المتعطشة وسلخت قلمها من منبته لتخط اليه كلمات ترسلها له من الغد ولكن سرعان ما استولى عليها شعور غريب حين تذكرت انها تجهل مقامه ولا تذكر الا صورته وكلماته فالقت بالقلم الى حيث لا تعلم وسط الغرفة التى انتشر فيها ضباب من الخوف والقلق والحيرة ، وحلقت نظراتها الى الافق من وراء زجاج النافذة وعانقت افكارها المدى الضائع فتمنت لو تستطيع اختراق جحب المجهول لتضم العالم كله بنظرة واحدة وتراه ولو للحظة واحدة . . وحالت دون رغبة نظرها حجب المجهول واقنعة اللامحدود فانهارت مع ذاتها وشعورها بان هناك وراء الافق البعيد وجودا آخر لا تعرفه ولا تسمع عنه . . . وتثور لانها تريد وكم تريد أن تكون لنفسها ... وحتى لذلك الذى تجهل حقيقته والذى فصله عنها الزمن على رصيف المحطة . . .
وعادت بها الى الذكريات أوهامها التائهة عندما كانت هناك ضائعة فى تجربة جديدة قادتها الى احد مقاعد نزل - اسبلاناد - الفخمة وهى شاخصة فى رقصات المحتفلين بتوديع سنة لاستقبال اخرى وسط عالم من جمال الازهار الاصطناعية حين دخل وصافحته بنظراتها ، وأطال نظره فيها وانامله ما انفكت تبعث يشعره المنسق الجميل . . وتجاهلته وظلت تحارب الزمن بمفردها وسط هذا الضحيح الجميل ، ولكنها شعرت بأن عليها أن تحارب بغير صمتها وتجاهلها نظرات هذا الذى استأذنها فى الجلوس الى جانبها بعد ما وجد المقاعد محتلة . . وسمحت له متظاهرة باللامبالاة ، وعلمت أن صمتها سيكون ضعفا لها أمام اسئلته المتواضعة فخافت أن تذهب ضحية كلماتها ولكنها فضلت أن تحارب الصمت والزمن ووجوده بخواطرها وعقلها ... وتفطن الى نفحة الاعجاب بالموسيقى الهادئة ترقص فى عينيها وفى ابتساماتها الخافتة وتلاقت عيناها فى غير قصد وأحست انها تناست حيرتها للحظه طويلة من الزمن . . . وفكرت فى أن تكون مثل كل الذين فى هذا الحفل السنوى يمرحون ويملأون الزمن الفارغ بالحقائق الجمالية الرائعة وامتلكتها الرغبة فى الحديث معه حين شعرت بأنه يردد عبارات اعجابه بلغة تفهمها . ولكنها قليلا ما تستعملها لانها كانت ثانوية بالنسبة لها أيام دراستها التى لم توفر لها سوى فرصة للعمل فى احدى المؤسسات الاجتماعية . . . فتلونت مع افكارها ولم تدر كم طالت المدة التى كانت كافية لربط قلبها ووجودها بوجوده .. سألته اسئلة مبعثرة وأجابها اجابات منسقة فحدثها عن ثورة الحضارة فى بلاده وعن المجد الموسيقى فيها وتطور الرقص فى محافلها الفنية ، وسجدت بشعورها الى كلماته فاذا بها تحدثه فى غير شعور كامل عن حياة بلادها . . . عن حياتها ...
وتواصلت السمفونيات تمتد الى رحاب العقول والقلوب وفى غير شعور منه كانت يده تمتد الى أناملها فاحتضنتها واحست - لاول مرة - بقشعريرة هادئة تسرى فى مداها ... وترعرع فيها هذا الاحساس نحوه ولكنها واجهته بصمتها حين اختلطت نظراتها بنظراته . . .
" سوسن " هو كل ما قالته له حين سألها عن اسمها ، و " جاك " هو كل ما قاله لها حين سألته عن اسمه . . .
ظلت الالحان تنساب شجية ، والدقائق تتساقط فى اتزان منتظم وبدأت لحظات زمن المستقبل تتماوج مع الزمن الحاضر فى حشرجته الصامتة . . . وتلتقى مرة اخرى نظراتهما ترافقهما هذه المرة ابتسامة وادعة فتحس بأنها اصبحت بلا جسد ويأنه غمر وجودها بصفقة من الاحلام الهادئة . . .
ويصل اللحن اليها هذه المرة ثائرا فتصمت وهى تحس بأنها تريد الاندفاع لتكون اجابتها عن دعوته لها للرقص ضمة طويلة وهمسة ضائعة لا تموت الا على حدود الشفاه ، لكنها اكتفت بالنظر اليه طويلا مشيرة - لا - بابتسامة خافتة . . . فمسك يدها ودعاها بعينيه الى مرافقته فى جولة على شاطئ البحر القريب . . . ولم تشعر كيف اخترقت الى جانبه صفوف المتراقصين ولا كيف القت بها طاعتها الى مرافقته خارج الضجيج ، وعبثا حاولت أن تكذب ظنها وبأنه اصبح فى حياتها فاحست برهبة غزت كيانها فألقت بصفحة وجهها الهادىء الحزين ولمعت عيناها تحت اضواء الاشعة القمرية الساحرة وارتسمت على جبينها ظلال الغصون الناعمة . . . وتوقف يرنو الى لمعان عينيها ويسوى باصابعه خصلاتها المتراقصة فى هدوء ونظام رائعين ، وشعر بما فى جمالها العربى من روعة خالصة وبما فى اسمرار بشرتها من جاذبية ساحرة وبما فى نظراتها من نداء الى اطفاء تعطشها واخماد ثورة شهوتها . . .
وضاعا معا فى لهفة الشفاه ولم تدعه يسلخ عنها وجودها الجديد ولا يحرمها من تجربتها الناشئة لانها علمت انها اخترقت حدود حياتها القلقة . . .
وتوقف الزمن القديم عن السير ومع انبعاث اللحظات الاولى من العام الجديد رفعت اجفانها اليه وتلاقت مرة أخرى نظراتهما واشتبكت احلامهما . . .
وعلم حينما اطالت نظرها اليه بأنها تريد أن تعرف قصده البعيد فكان لها ان ارضعت بصدرها وعينيها النجوم عندما اشعرها بأنه يعلم أن وجودها معه سيتحدى ضياء القمر ولمعان النجوم ويغمر الكون نوره العبقرى . . .
واغرقت وجودها معه فى المواعيد وساعات التلاقى التى تجددت وتكاثرت . .
واخبرته ذات ليلة بأنها اصبحت تخاف من حبها له لانه سيجعلها تقدس فيه مبدأ دينه وترضخ لمشيئة عقيدته . . . ويمضى الى جانبها فى وجوم يحدق فى السماء التى جاء من اجل شمسها وقمرها الوديع . . .
وهنالك على الشاطئ الذى وصفه لها بانه فتنة الخضراء حتى فى الشتاء كانا يسيران متشابكى الايدى تائهى الخطوات ودعته الى الجلوس على صخرة كانت هناك تحرس البحر منذ آلاف السنين وعليها كانت تتحطم الامواج دون أن تفنى منذ آلاف القرون . . .
ويحرق السكون لهفتها ويدفعها الى السؤال فيكون جوابه عن سؤالها رغبة البقاء اكثر ولكنه يأسف لكونه عابرا فى هذه الربوع . . . وترجو ولكنها كانت لا محالة شاعرة بأن رجاءها لا يفيد . . ويتأملها هائما معجبا فى حين تضيع
ونظراتها الساحرة فى عينيه وتحيط بذراعها الرقيق خصره النحيل . . . ويرق اليها ثم يترك مكانه من الصخرة ويجر قدميه على الرمال راسما اشكالا غريبة غير واضحة ثم يتمتم شبه حائر : ولكنى غدا سأمضى . . . وتقفز من الصخرة لتضيع بين ذراعيه وهاجة العينين حائرة الظنون ثم تحنى رأسها على كتفه ضاغطة يديها على صدره متمتمة : اهكذا بهذه السرعة وهل تعود . . . ومتى . . سيول من الاسئلة تتدفق من عقلها دون نظام ولكنه ضمها قلقا وقال : سأعود يوما ما ربما القاك على هذه الصخرة . . .
وأدمن دمعها حين اعلمها بأنه سيكون فى محطة القطار غدا . . . وعلمت انها لا تستطيع الوقوف فى طريقه ما دام لا يملك نفس مميزاتها الوجودية والدينية . . . واكتفت باعلامه ان اللحظات التى التقيا فيها ستظل خالدة فى فراغ العمر وامتلائه . . .
وتأجج شوقها صبيحة الغد حين كانت فى طريقها الى المحطة وعلمت حينما كانت تودعه على الرصيف أن فترة حبها له لا يمكن ان تخلد مثل النجوم التى احبها وغازلها طويلا ...
وضربت حافة الشرفة بيدها ثم فتحت عينيها وتفطنت الى انها ضاعت طويل بلا مع الذكريات هائمة بالافق المتناهى . . . راجية أن تتحدى حجب المجهول لتحتضن ما وراء الحدود ، ولكنها تشعر بأنها لا تستطيع أن تراه الا فى خيالها الرحب . . وهو على الصخرة وعلى الرمال وعلى رصيف المحطة وهو يدس برفق شيئا صغيرا فى حقيبتها تفطنت اليه الآن فقط بعد جولتها مع هذه الذكريات ، فاذا هو رسالة أخذتها بسرعة جنونية واحتضنت محتواها مقطبة جبينها . . . و كمن اصيبت بنوبة غير طبيعية اندفعت فى قهقهة طويلة ساخرة من نفسها مرددة - خديعة هذه اذن . . . خطيبته فى انتظاره على الرصيف الآخر ... يرفض اشعارى بهذا كأن لى لعه حسابا ... " مسكينة انا والله . . . بل سعيدة أنا لانى لم أقع فريسة الا لشفتيه . . ليديه " .
ومزقت الورقة ، وحاولت ان تقنع نفسها بأنها اسعد مخلوقة لانها عاشت تجربة حبها مع انسان اجنبى استقبلته معجبة ورافقته معجبة وعليها أن تودعه معجبة لانه لم يحاول مطلقا أن يفقدها خصائص انوثتها ولا أن يعيش معها لحظة الجنون الطائش . . . واحتقرت سلوكها ولكنها قررت أن لا تترك نفسها اسيرة الماضى ولا الذكريات لانها تريد ان تكون للحياة بما فيها من ظروف وما تحتوى عليه من مغامرات كانت هذه واحدة منها بالنسبة لها . . .

