الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

وداع النار ... والدم ..

Share

نزلت عليسة من قصرها ، يتبعها فتيان يرتدون البياض متوجين بفروع الزيتون والزهور ، في نظراتهم مزيج من زرقتى السماء والبحر ، وقد تعانقا في ذلك البريق وذلك الصفاء . وعلى الجانبين رجال مسلحون ، يمشون فى خيلاء وتعال ، وقد اكتسبوا ثقة فى النفس لا تهدها صخور الشواطئ الناتئة ولا جبال الامواج الهائجة . اما عليسة فقد ارتاحت لنسسيم هضبة قرطاجة العليل ، وصخب الامواج وسحر مشهد الغابة التى تظهر من ذلك العلو في اخضرارها الذي يضفى على المدينة جمالا على جمال . واختالت عليىسة فى ذلك الموكب في خيلاء الطاووس ، وفي انفة الجواد وسماحة الكاهن، وعفة العذراء ، فهى صاحبة الامر فى ذلك المنار ، فهى اشعاعه وبها تهتدى النفوس ، وبدونها فلا قرطاجة تبقى قرطاجة ولا المنار يبقى منارا . وعندما توقفت امام السور الذى يفصلها بالهوة السحيقة ، توقف الموكب وكأن عصا سحرية بدلت حالهم بحال ، فلم ينبسوا ببنت شفة ، الا نفوسا لاهثة بالاعجاب وعيونا مسحورة بالمشهد الرائع ، ان سيدتهم تطل من عليائها نحو الهاوية التى تحدتها ولا تزال تتحداها لتحقيق هدفها الذي يعجز عنه رجال ابطال . انها تتفقد كل يوم البناء الشامخ ، ذلك السور العالي الذي يحيط بالمدينة ، فيقيها من الاعداء الذين لم يكشروا عن انيابهم بعد ، ولكنها تعلم انهم سيولدون فى رحاب عظمتها وسطوتها ، فعظمتها ستتمخض عن اعداء ، كما يتمخض البحر عن زبده الذى يتطاير على جنبات الصخور.

لما همت بالتوجه الى ناحية اخرى من البناء ، ظهر جمع من الرجال البحارة حالتهم تعلن عن خطب ألم بهم ، فكانت فى وجوههم صرامة وقوة على مجابهة كل خطوب العالم . وبادر أحدهم عليسة لما تحقق أنها سيدة الموكب والمدينة ، بتاجها فى شكله الرائع وفي موضعه من ذلك الرأس ، وتلك القامة وذلك المشهد الرهيب ...

- ايتها الاميرة . اننا نراك قد حققت ما نصبو اليه ، فكيف بشعبك ، يتناسي ضياعه عندما ابصر ضياعنا وتيهنا ...

واصغت عليسة فى قلق ظاهر ، فاذا بسحنتها الجميلة تصبح مصدر ارتياح تلك الجماعة ، وشعروا بان هذه الفتنة لا يمكن ان تخفى وراءها احد زبانية - ماخو - وقالت وهي تود لو عرفت اغوارهم فكفتهم ما بهم من ضنك . . .

- من انتم . . وما خطبكم . . . ؟ من تكون يا ترى . . ؟ أمن الامم التى قهرها أهلها أم من هزمها الاعداء ... ام أنتم من ضحايا اله البحر " نبتون " فشتت شملكم وكسر صوارى سفنكم ومزق اشرعتها..

وكانت هذه الكلمات كافية أن تهدئ من روع انفسهم ، فكانت كالفرج بعد  امواج كالجبال . رغم ان صاحبة هذا الصوت العذب الساحر فوجئت بهم ، فلم تتعمد مجاملتهم ومواساتهم . واردف الصارخ من جديد وقد احس ان العاصفة قد سكنت الآن فقط فقال : في رفق لكسب مزيد من النجاح :

- نحن يا أميرتي ، البقية الباقية من شعب طروادة العظيم ، هدتنا الحروب والبحار والعواصف ، بتسخير من الالهة ، ونحن نتابع الضياع على ضفاف قرطاجة ، لنستقبل بالرجم بالحجارة والنبال ، فلو لم تكن عاصفة ملعونة شتتت شملنا واضاعت عنا سيدنا الامير " أنياس " لكنا الآن فى - ايطاليا - لنبني بلادنا التى بشرتنا بها الآلهة . . .

كانت كلمات الطروادى . تنزل على الاميرة كالخسف والرجم ، احست انها ضحية من ضحايا حريق طروادة ، بل هى احدى بنات الملك بريام ، بل هي كل صبية وامرأة ، تهرب بنفسها من اغريقي ونار وهدم ، انها لترى الصخور تخطف منها العقل بين الفينة والأخرى ، فيها من الهول الكثير ومن البلايا ما يفزع كل متحرك وساكن ، النيران تلتهم كل شئ ، والقصور تهوى . والاغريقيون يجندلون كل فار ويسبون كل صبية ، والسفن تغرق بحمولتها ، والنار تلتهمها . غابت هنيهة فى رحاب مأساة طروادة ، وعندما انفتحت مقلتاها عن الجمع ، كان كل ما فيها يتالم ، وقالت وهي شبه غائبة عما يتحرك فى ذلك المكان ، تعاني ما يعانيه الانسان من قدره ، عندما يصب عليه البلايا بالقرب .

- واين هو اميركم " انياس " ... ؟ كم كنت اتمنى ان يكون بينكم انه ما تبقى من ابطال طروادة ...

وهنا رفعت - فينوس - وشاحها على الامير " انياس " فظهر للعيان بعد ان كان محجوبا تحت وشاح آلهة الحب . وتقدم " انياس " من الجمع والسعادة

تغمره للقائه ببقية شعبه ، بعد ان شتتتهم العاصفة . وقال للاميرة " عليسة " وهو يحتضن رفاقه الذين ما ان اصغوا الى صوته ورأوا طلعته البهية حتى انتفضوا من مكانهم والقوا بهاماتهم عليه ...

- وها انا ايتها الاميرة الجليلة ، وانى لمبتهج بملاقاة صانعة مجد قرطاجة ... واني لسعيد ايضا بملاقاة رفاقى فى رحاب رحمتك .

لم تصدق عليسة انها ترى بطلا من ابطال الحرب الطروادية الاغريقية ، ان ذلك بعد حلما ، فهؤلاء الابطال تغمرهم الالهة برعايتها ، ففي سعادتهم حكمة وفي شقائهم حكمة ، وحتى اذا ما جندلوا فى ساعة الوغي ، كان ذلك لامر عظيم وجليل تدبره الآلهة . وان "عليسة" لترى ابن - فينوس - يتحرك أمامها ، ان جفونها كفت عن العناق لتسمح لعينيها بتأمل ما كانت تحلم به فى نومها وفي يقظتها ، لقد كانت الحرب الطروادية الاغريقية تصل قرطاجة عن طريق التجار ، وكم كانت تشفق عليسة على اليون - تلك العاصمة التى ضمت في كنفها اجمل النساء - هيلانة - وزوجها - باريس - ، وبطل الابطال - هكطور ابن الملك بريام - وابن فينوس " انياس " وغيرهم ممن ينتسبون للآلهة ، ولقد كانت ترسم وقائع الحرب على أسوار المدينة وجدرانها وها هى الآلهة فينوس - تقود فتاها الى مدينتها ، هل فى ذلك حكمة سعادة ام حكمة شقاء .

ان الحرب انتهت من سبع سنوات ، وها هو الشعب الطراوادى لا يزال فى تيهه يبحث عن وطنه ، فهل كتب له ان يفقد هذا الوطن الى الابد ، ليكون وطنه الضاع ولا شئ غير الضياع ، وهل حلول هذا الشعب بقرطاجة هو احدى حلقات هذا الضياع او آخرها . وانتبهت الاميرة من خاطرها هذا على صوت الامير - انياس - قائلا - ايتها الاميرة ... ايتها الزوجة الوفية ... لقد كنا نسمع بخصالك ونحن فى طروادة آمنين ، وكنا ندعو لك بالتوفيق ، ونجل فيك ذلك الوفاء وتلك الارادة ، التى حققت بجزء قليل من شعب صور، السعادة ، ببناء هذه المدينة المنيعة ، ومن يدرى فلو لم تكن الحرب التى أزالت وطننا من الوجود ، لكانت لنا مع مدينتك علاقات وطيدة، ولكن ارادة ... الاقدار فوق الجميع ، فسقطت مديتنا ، وفي ذلك حكمة ، تسقط مدن بعد عظمة ، وتبرز مدن من لا شئ فتحقق العظمة وقد لا تحقق . . . فقالت علىيسة فى انتشاء وسعادة كبيرين :

- ايها الامير ، لا تبالغ في تعظيمي ، فلم اكن لاقدر على شئ ، بدون اوفياء شعب صور ، لم نرض بالظلم ، كان بحماليون حسودا رغم امتلاكه لكل شئ جبارا رغم عظمته وقوته ، يطلب الكل مع انه سيد الكل ، وفي لحظه جنون فتك بزوجى وسلبني عائلي ، ولكنه بفعلته تلك خسر الكثير ، لقد خسر كنزه الذي استطعت تهريبه مع كنز زوجى ، وخسر اوفياء صور الذين تبعوني، وخسر ثقة ما تبقى له من شعب صور ، ولم يبق فى حوزته الا تاج من الغباء والحسد والنذالة ...

وقال الامير انياس :

- بوركت ابتها الاميرة ... بوركت خطاك من رب الارباب . . وقاطعتة عليسة قائلة :

- لقد اتعبتكم بالوقوف على هذا الشاهق الذي يطل على البحر ، ان شعب طروادة ايها الامير فى ضيافتى . فلترس سفنكم فى ميناء ساحلنا ، وليهرع شعبك الى مدينتنا ليكسبوا من الراحة ما هم فى حاجة اليها ، ولكم مني عهد لا يخان ، اما انت ايها الامير فابعث الى بقية رفاقك ببشرى وجودك ، وهيا الى قصرى واصحابك لننعم بما وهبتنا الآلهة من عيش رغيد وراحة بال ، قبل ان تغير قدرها من حال الى حال ، ولن نكون كافرين بهذا التغيير اذا كنا معترفين بالوهيتها .

وتقبل آل صور يقلوب نابضة بالشفقة شعب طروادة البطل ، الذي استطاع الصمود امام جحافل الاغريق بأبطالهم - كاخيل - واوديسيوس - وأغا ممنون - وامام اسطولهم الذى امتلك ناصية البحر ، فسد على الطرواديين البر والبحر ، فكان كالقبضة الفولاذية الهائلة ، احكمت صنعها الآلهة وزكاها رب الارباب - زيوس - بايعاز من زوجته - حيرا - ولقد دب فى المدينة البحرية حركة غير عادية ، ان التاريخ يعيد نفسه ، منذ سنين ليست بالطويلة ، حل بعض من شعب صور بهذا المكان ، طريد الظلم والجبروت ، وها هو شعب آخر يحل بالمدينة وقد صعقته الخطوب ، فاذا بالجراح عميقة واذا بالآلام شديدة، وها هو شعب آخر يفزع الى هذه المدينة ليداوى بعض هذه الجراح فتخف الآلام ويصمت الانين . فهل سخرت الآلهة هذا المكان من العالم ليكون البلسم الشافي والمفرج لكروب الشعوب ، وهل تقدر الآلهة ان تسكن بقايا شعبين فى ارض واحدة ، من غير ان يتمخض ذلك عن مآس أخرى . سكنت سفن الطرواد الساحل ، فدبت فيها حركة هادئة ، استأنست قلب ملكته الرؤوف ، وقد

ترك في النفوس أثرا طيبا بعد صراع مرير مع البحار والعواصف . اما قصر الملكة عليسة فقد شهد احتفالا كبيرا ، تألقت فيه الملكة واختها - انا - وامهما - لاطونة - التى كانت تراقب الجميع بعيون ثاقبة تنم عن سعة اطلاع لما يحدث وتتكهن بما قد يحدث ، وخاصة بعدما تألق الامير - انياس - وظهر كأحد الآلهة ، ولما لا وقد . . . نفثت - فينوس - فيه من سحرها فبان كخيال فارس نبيل جليل في حلم صبية جميلة ، تعيش الحلم فى اليقظة وفي المنام . امتلأت الكؤوس بالمدام المرات العديدة وانسكب فى الافواه ، فانتشت النفوس، وبحثت العيون عن مستقر مريح ، ولهثت الانفاس ، انها افرازات صراع النفوس مع ما رسب من طباع واحداث ، وما يحل بين الفينة والأخرى من احداث لترسم فى ذاتها ما قدرت ان ترسم حسب مقياس متشعب ، الآلهة وحدها تعرف سره.

ولقد كانت علىيسة ، تلك التى آنست البعد عن الرجال ، وفاء لزوجها الراحل ، كان الجنس الآخر بالنسبة اليها شكلا من اشكال هذا العالم ، ولو كان أهمها ، ولقد كانت الظروف وارادة الآلهة هي التى ساكت أسطورتها، وهي وفية لهذا الزوج وهذه الظروف والارادة ، وعدت الامر خارجا عن نطاقها ، فهذا كان حظها وليس لها من مهرب ، فيكون نصفها الآخر محكوما عليه بالبعد من طرفها . اما الآن وامام ابن الآلهة - فينوس - فلقد احست بتغيير ، لم تعرف كيف تم ذلك . انها امام بطل من ابطال الملحمة الاغريقية الطروادية ، صال فيها وجال وكانت له فيها كلمة ، ان لم تكن كلمة الفصل، وهو ابن آلهة الحب - فينوس - تلك التى نبعت من زبد البحر فى يوم جلل. وكيف لا تتأثر ولا يتبدل حالها أمام كل هذا ، وهي لم تكن الا انثى طريدة صور ، ودب صراع داخلي . احست بفوضى احكام وخواطر تتزاحم ، فتكاد تبعثر اتزانها . واحست بعد شبه يقين ، انها وضعت فى فخ الرجل ، ولم تعرف هل هي بوادر السعادة أم هي بوادر الشقاء والمأساة ، هل تصبح هيلانة طراودة . أم هيلانة قرطاجة ، ما اشبه احداث الامس باحداث اليوم . فى يوم ما اقبل باريس ابن الملك - بريام - ضيفا على الملك - منيلاوس - زوج - هيلانة - وعوض ان يحترم قواعد الضيافة ، داس عليها ، فاختطف منه زوجته ليسجل بتلك الفعلة التى تدبرتها الآلهة فى خراب بلاده طروادة . أحست عليسة بدوار وهي تصعق بتخمينات لو تحققت لهدت الاسوار والقلاع وجحافل الجيوش . ان الذى اختطف - هيلانة - كان طرواديا والذي يختطف ملكة قرطاجة طروادى ، ان كل شئ بهذا المكان يشتعل نارا من لدن الآله - ماخو -

ابتسمت آلهة الحب - فينوس - ابتسامة رضا واطمئنان ، لقد وعدها - زيوس - رب الارباب - بأن سنى تيه الطرواد قد اشرفت على النهاية ، وان وعد تحقيق وطن - بابطاليا - سيتحقق لهذا الشعب ، وعليها بالعمل لذلك من الآن . وخوفا من ان تسبقها - حيرا - زوجته فى وضع الحواجز امام تحقيق الهدف الذي تصبو اليه ، عمدت - فينوس - الى اعراق ابن - انياس - في نوم عميق الى حين وتعويضه بابنها المدلل - الحب - لكى يحضر سهرة الاحتفاء بالجالية الطروادية ولينفخ فى قلب عليسة هياما .

وطابت الحياة للطرواد في رحاب قرطاجة ، واسترجعوا ما فقدوه من راحة وطمأنينة ، وما افتقدوه من آيات الرحمة الالهية . وشعر آل قرطاجة بسعادة لا يمتلكها الا الذى حرب العطاء . فوضعهم الذى كان يشبه وضع الطرواد خير مذكر لهم ، ان فى حراب الآلهة من البلايا ما يفجر العالم فله وهى لا  تبالى .

اما قصر ملكة قرطاحة فكان يعبق بعطر غريب عن المدينة ، ان - فينوس - تحيك بأنامل العشق ، قصة حب ، رأت الآلهة المدللة انها خير مخرج من مكائد ... الآلهة - حيرا - . وتمكن الغرام بقلب الملكة ، فبان فى مقلتيها ذلك البريق اللامع الذي يسبق البكاء والفرحة العارمة بسعادة تفوق الطاقه، وظهر ارتعاش بشفتيها وارتباك بأناملها ، ان كل شئ فيها ينبئ بالتغيير، فكانت اختها - انا - أول من هرع اليها ، قائلة لها وهى تبتغي الوصول الى سرها مباشرة :

- اختاه ... ان ما بك ، ان صدق حدسي لهو امر جليل ... واذا مس وتر الحب قلب - عليسة - فان ذلك لبشرى عظيمة ، انها المعجزة ولا شك، فدقات الحب في قلبك دفنت مع رفاة زوجك القتيل ، وان روحه التى حركتك ، وبعثت فيك الاقدام على ما صنعته ، لهى وحدها القادرة على اعادة الدقات الى سابق عهدها ، او تسعفك الآلهة بذلك ، ولها القدرة على ذلك ...

وكانت كلمات - انا - نار تلهب تلك الروح التى انتشت بسر الحياة والوجود ، فلم تقدر وهي تصلى ، بهذا الانتشاء الجديد الذي هجرها من زمن طويل ، وأرادت مقاطعة اختها ، ولكن قبل ان تجد اللفظة المناسبة كانت - انا - ادرى بأختها من اى شخص آخر ، فأكملت سيلها العذب . .

- اختاه ، لا تحاول نسف ما تيقنت منه ، فليس ما بك من عيب ، انما هو العطاء ... انه عطاء الانثى لنفسها حتى تكون للحياة طعم ، وانت أحق بهذا العطاء من الكثيرين ... فأنت تعيشين الجفاء من سنين ، وليس لك من مهرب مما أنت فيه ، حتى تسكنى تلك النار المتأججة بحكمة ، لقد كان عطاؤك عظيما لقرطاجة ، فلتمنحي عطاء هو سنة الحياة . . .

واسقط في يد - علىيسة - ان كلمات اختها لتسقط عليها سقوط الصواعق في دجي الليل ، فان فرت الى النور ، فنور الصواعق هو النور القاتل . لقد وقعت في خطب وأى خطب ، فهل نسيت - انا - او تناست ما قد يحدث لو تم التقاؤها بنصفها الجديد ، ان ملك - ليبيا - أيارباس - ينتظر الرد ليملك يدها ومدينتها ، وهى تخشاه على مدينتها العذراء وعلى شعب صور الذى بني بسواعده صرح هذه المدينة . فهل يرضى - أيارباس - بهذه الزيجة، وهل تسكت قبائل البربر عن اقتحام بقايا شعب طروادة المهزوم لشاطئهم الهادىء . اما وقد تعرت امامها الحقائق فقد تضخم البلاء ورأت ان انطفاء نورها أهون من كل ما قد يحدث ، لو لبت نداء قلبها .

وكانت الام - لاطونة - وهى فى ركنها ترقب كل شئ بعينى صقر ، لا تفوتها حركة ولا سكون فى هذا الجمع . وانها لترى الصراع القائم فى تمثال عليسة - ، ان كل شئ فيها يصرخ في صمت ، عيناها فقدتا بريقهما المعتاد الذي لا ينطفئ ، انهما الآن فزعتان نافرتان ، ونهضت العجوز من مجلسها لتغير المشهد ، وتلمس بأناملها الدافئة راحة ابنتها ، فتسكن من روعها ، كل هذا والابتسامة لا تفارق شفتيها . ان فى نبض الام حساسية مرهفة ، تكشف به كنه كل تغيير يقع لضناها ، ولما لا ، وقد كانتا نبضا واحدا ونفسا واحدا ، وروحا واحدة ، وما ان التقى النبضان من جديد فى دفء الامومة حتى دبت فى الابنة الاميرة السكينة التى لا يحس طعمها الا من اصطلى بنار الحياة. وأحست الام - لاطونة - ان قطتها الوديعة الحالمة بكل شئ جميل ، ارتخت تحت لمساتها ، ان الفلذة مهما نمت وكبرت فهي دائما تحتاج الى الحضن الذي كان سبب النمو ، فحتى ولو اصبح ذلك الحضن شحيحا من لبن دافق ، فلن يشح ما دام فيه عرق نابض من الدفء والحنان اللذين اودعهما القادر فيه.

عندما أوى - أنياس - الى فراشه بعد سهرة صاخبة ، كان طيف امرأة يداعب فيه كل شعور ، وعندما تبددت بعض الابخرة على الطيف ، وبدت الملامح تظهر رويدا رويدا فى شكل طبيعي للانثى اسقط في يده . المرأة هي

المرأة ، والانجذاب هو الانجذاب ، والسحر هو السحر ، والطراودى هو الطروادى ، والبلد غير طروادة ، والمرأة ذات جاه سلطان ، واكتملت الرؤية، ان ما ألم به الآن هو الخيط الجهنمي الذي حطم قلعة - أليون - الحصينة بأسوارها المنبعة الشاهقة ، وبأبطالها الجبابرة العظام ، فسحقا للانثى وسحقا لقلبه الذي اسرعت دقاته ، ايذانا بمولد جديد في عالم الحب والمأساة . اما وهذا الخطب الم به ليمنعه من اكمال طريقه الى - ايطاليا - لبناء وطنه الجديد الذي وعدته به الآلهة ، فقد اصيب بما يكره ، . فهل قدر لشعب طروادة ان يسحق على اخره عند كل ارتعاشة حب ، ان فى سفن الطرواد عذارى فى عمر الورد ، فلماذا لم تسحره ، أكان ولا بد ان تكون ساحرات امراء طروادة من الاجنبيات اللاتى لا يجلبن الا البلايا . لقد كانت تفاحة - ارتيميس - التى اهداها الامير الطروادى - باريس - الى - فينوس - دون منافستيها - حيرا - ومنيرفا - الخطب كل الخطب ، فهل يتلف وطنه الجديد باختلاجات قلب انثى ، فى سهرة لعبت فيها الخمرة والجفون والضمأ الجسدى دورا كبيرا ، انه ليتمنى السقوط صريعا تحت ضربات ابطال الاغريق ورفسا تحت حوافر خيلهم على ان يدنس امال شعب طروادة بنزوة تعقبها حسرة هي وصمة عار لا تمحي من جبين شعبه . وفجأة بدا له الامر نقيض ما كان يخوضه فى نفسه النافرة ان راعيته ربة الجمال هي التى حاكت بأناملها ما اطال سهاده ، هل فعلتها - فينوس - واشعلت نار الحب والمأساة كما اشعلتها من قبل عندما حكمت على طروادة بالمحق بتفاحة ، - ارتيميس - فى انانية لا نظير لها ، لتختال فى محفل الآلهة بجمالها الذي زكاه ابن الملك بريام الطريد . وانتفض من استلقائه وكأنما لدغ بثعبان سام وصرخ فى أعماقه حسرة . . كيف يلحقنا من الناس والآلة سخط ونقمة ، والآلة هي الجديرة بهذه النقمة وهذا السخط وهى فى عروشها تزرع بذور الشر والضعف فينا ، وتخط مسارنا الاكبر رغم انفنا ... واراد ان يزعق بكل منكر ليمس الآلهة فى الصميم فخانته حواسه ، فرغم ثورته على قدره فحواسه كانت لا تزال وفية . وانتصب وراء الشرفة المطلة على ساحل البحر ، القمر يسبح فى خيلاء ودلال ، ونجوم كالبدور اللامعة على ثوب فاحم ترتديه ربة الجمال - فينوس - والبحر هادىء ، وقد اصطبغ أديمه بذلك الجمال الالهى ، وتلك الزركشة السماوية ، وتحقق وهو فى ذلك المكان من المعمورة انه وكل الظواهر كائنات مشلولة الارادة ، ولا مناص لها ولا اختيار فيما وقع وفيما قد يقع.

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية