امتدت اليد الهزيلة إلى اذن التنور تخمد انفاسه . فانقطع الشخير وأغمى عليه فلم يعد بسمع غير هدير القدر . وامتدت تلك اليد ترفع الغطاء عنه ليستستحم فيهدا فورانه . وضحك الشاب كانما ألقيت على مسامعه نكته .
سمح جهز - سم نفسك ما شئت . شكشوكة . طبيخة - أو أى اسم تختارينه . ولكنى أعرف انك سوف تكونين قضية داخل معدتى .. وسادخلك بكل عناية . حتى لو اغمضت عيني من اجل ان ابعد عنك الاحتشام قال الشاب ذلك . واردف : انه فعل الرجال يا نفسي . ولو تفتحت لى الاسباب لاغدقت عليك انفس المآكل . أوه . لن نكون اليوم أكثر منا شقاء بالامس . ومتى كان الغد خاتلناه . فالاعسر ان تحتال على الدهر . ما عيب هذا الطعام وقد انضجته النار فحتى الحديد يصبح نافعا إذا صهرته . ولسوف يصبح غذاء للبق بل أتقاسمه معه اذ لا مهرب من دفع الاتاوة . والا بتنا والارق يداعبنا بمزيج اللسعات . لم يبق الا ان نذهب للبحث عن الخبز وهو عسير الوجود فى هذه الايام .
كان ينحدر شبه مستعجل حين اعترضه طابور جنود الزواحف الرابع ليعطل سيره ، وفي وقفته القلقة نذكر أشياء مخيفة سمعها . وصورا شاهدها ومضايقات تعرض اليها . من ذوى البدلات الداكنة وسرعان ما انسحبت حين استأنف سيره وخطواته تحدث ما يشبه قرقعة الاصابع . واستهوته أفكاره اخرى وهو يبحث طريقة بين الاجسام المتراصة بسوق العصر . فهل سيظل هذا المكان مرتعا لتجار الاملاق . وتعبت عيناه من النظر الى هذه الوجوه التى تذكرك باخر زيارة الى مستشفى الامراض الصدرية والتي يجهد اصحابها أنفسهم وهم يغرسون أنفسهم باسم التجارة فى عالم الاحياء .
ويحاولون تركيز أقدامهم على صخور ملساء كفاحا من أجل وجودهم . - لا ليس في سوق العصر خبز وهل يتركه هؤلاء الجياع يستقر ولو لبضع دقائق ؟ لننحدر الى باب الجديد . قال ذلك واسرع الخطى فكانما تذكر الآن فقط انه جائع حاء نبحث عن الخبز . ولم يسأل هناك عن الرغيف فقط استعمل عينيه .
كلا ليس في باب الجديد رغيف واحد . ولكن يوجد ما هو اهم من الخبز انها هناك .
كانت منهمكة فى كي الثياب وهي تغني لحنا . وعيته بكل حواسك برغم انه كان أعجميا . وقفت في الجهة المواجهة للدكان حيث تعمل وحيث تراها من اسفلها إلى الاعل . " ريتا " التى تعبدها والتي تحلم بها لا تغادر افكارك الا لتعود في زي أجمل . وصورة ابدع . احساسست ان العيون كل العيون تتجه اليك تراقبك ولكنك قلت : لو وقفت انظر اليها طول حياتي لما مللت وما خالطنى التعب ولا فكرت حتى فى أصل الخبز فكيف تعبأ بالعيون الطفيلية . كانت بحق وردة كل ما فيها جميل الوجه والقد والعيون والشعر وحتى جلباب العمل الذي تريديه . يتمني الانسان ان تفعل من أجله حركة وحتى لو اغتالتك مت ضاحكا مستبشرا .
الجمال الوضاء . والشباب الطرى اليافع . والوجه الصبوح . تلك ريتا من نعشق . الايطالية التى تمارس الغسيل وكى الثياب . والتى جعلت كل خطوة تقصدها لن تتم الا عن طريق باب الجديد . عن طريقها هى ، ارتبكت وغمك الخجل حين رمت اليك طرفا كحيلا وجيدا عاجيا رفعت شعرها الافعواني ورنت اليك بتغنج تستفسرك ، ماتت الكلمات على شفتيك ولم تقدر الا ان تضع يديك الاثنتين فوق رأسك تسوى غطاءه . ثم تلجلجت الكلمات عصية تغادر شفتيك البابستين . وانت تنظر الى بوز حذائك وسألت :
- تغسلين البرانيس ؟ فصفعتك باجابة قضت على ما تعمدته من شجاعة . - اما ترى ما افعل ؟ وهل ترى هنا شيئا مما تسأل ؟ تحضر . وعد إلى . - المعذرة ان كنت أسأت اليك بسؤالي الابله.
واندفت مسرعا . كانما خرجت لترك من مكتب للتحقيق ، لا تلتفت ولا ترفع رأسك . تتابع الطريق الى باب الجزيرة وانت تهذي لترد على الصدى الذي تسمعه حيث الناس يعيرونك وضحكات السخرية تصك أذنيك . وقلت
تؤيد سخرية الناس : تبا لهذا البليد الذى هو انا تغسلين البرانيس هل تصلح هذه الاسطوانات المرموية والاصابع العاجية لتلامس هذه الأشياء الخشنة المستعصية . ما اغباك يا من تتقمص جبتى ! من تظنها ؟ اختك طاووس أو درعية أمك وهي ترفس بقوائمها الاتانية اعتى الاغطية .
السلام عليك يا سيدى محرز . انما ولدت بالامس القريب فى مدينتك . وسيرى بها لا يزال مبهما . فحتى الجياد التى تجر العربات أوسع مني خبرة . أريد أن أكون شيئا ولن اكونه . فحتى صيد الذباب له قواعد . وتنبهت الى انك انما جئت بحثا عن الخبز . ولا خبز فى باب الجزيرة .
واستأنفت السير ، وكنت تحس باأشياء دخلت عقلك لتوها فهى تناوؤه وضاع الطريق من قدميك فلا تدرى اين تكون الآن ، ولكنك استيقظت فجأة فوحدت نفسك تلتصق ببنى اسرائيل فى حيهم بسيدى مردوم وقلت تحاورهم : يا أجوار سيدى محرز لقد عرفتم أين تنتصبون .
واقتحمت روائح اللحم المشوى . والاسماك خياشيمك . فالكل هنا يأكلون . وكل الافواه تعمل وليس هناك من عاطل . فكأنهم ما خلقوا الا لذلك ومررت بنظرك على دكان بتصاعد منه الدخان فوقع على امرأة مترهلة تجلس على اريكة . وكانت عنوانا للشراسة . فصوتها رهيب وهي تأمر . ومن تحت عرشها بنو اسرائيل يتلهون بالاكل الشهى والنكات فلا تدرى أهم يضحكون أم هم يأكلون .
وقلت بتأوه : ليس في البلد أسعد من هذا الحى . ولا اكثر قذارة منه . انهم كالجراد سوف يأتون على كل شئ ثم يرتحلون . ولكن الى أين ؟
كانت انغام المزامير . ونقرات الدفوف . والفرح المرسوم على هذه الوجوه كل المك الذى احساسست به . أنا اخوض مدينة بأكملها من أجل الحصول على رغيف فلا أظفر به اما هؤلاء . . كفاك تجوالا فى هذا الحى الآسن . فنفسك لم تعد تطيق البقاء بين الشباعى وانت الجائع .
السلام عليك يابن خلف لقد ضمنت هؤلاء اليهود كما فعلت بالمسلمين من سكان باب سويقه وها أنا جئتك فاضمني ايضا . ومددت يدك تتلو الفاتحة فى خشوع متملق . ولكن عقلك رجع بك الى باب الجديد حيث الايطالية الحسيناء ريتا من تعشق . وكتمت حتى عن أذنك ما دار بينك
وبين الولى الصالح . واجفلك دخول امرأة تدعو بلهفة وتلح فى النداء : يا سيدى محرز . وكانها تطلب ان تنشق الارض عن الثاوى هناك فينهض لللاقاتها مباشرة . فمررت يديك على وجهك وقلت : آمين وخالطك احساس الذي قدم التماسا الى جهة عليا فهو يطمئن الى الاستجابة .
وحين وقفت في البطحاء تتأمل الغادي والرائحين أحسست أن بطحاء باب سويقه ما زالت ذات النكهة الخاصة وفكرت سرا :
حتى لو كانوا كلهم فقراء مثلى فعليهم مسوح الرجولة . لا شئ يغريك بالتجوال فى حيهم غير التعرف على شرف الانتساب .
شئ اخر نسيته يا عقلي . فلن يحس الانسان بوجوده كاملا فلا يرى الا وجهه . ولا يسمع الا صوته . اما الفقر فآحر ما يعير الانسان به نفسه . انك حبار بحق أيها الحي الرافض واغمضت عينيك ولم تعد تسمع ما يقال . حتى ازيز الترامواى ألغيته واعتبرته دوسا لحرمتك . فكنت تنغص عليه نزهاته كلما طالت يد الظلم تحك المدينة . ليتني انتسب اليك يوما . يا وجه وطني الحاقد وسألت عن الرغيف حين لم تر له اثرا . وجاءك الجواب : لقد اختطف قسرا . فهو فى ايدى الجياع .
وغلبك الاسى حتى فضحته بالضحك وانت تمر من الزقاق الخلفى الملتوى . نشاهد الثقب على الابواب ومن خلفها الوجوه المصبرة بالطلاء . وقلت ضاحكا بأسى : عجبا يفعلون ذلك وفي الخط الواضح من النهار . فى قريتى يموتون شرفا من أجل المباح هذا . ايصير فى قريتنا حى كهذا وفي يوم ما ؟ فما قريتى بأشرف من هذا الحي ولا اكثر منه صبرا .
وهو ان احياء البغية تحوطه بحزام وخاصيتها ان تنتسب الى أولياء ، لتتستر وراء التقوى والصلاح . معابر للزنات جعلوكم يا أولياء الله الصالحين ومراتع للمومسات . فلا أجزم أقوادون انتم أم أصحاب كرامات ؟ فسيدى بيان . وسيدى عبد الله قش . وسيد بن نعيم . وللا عربية يحرسون تلك الاحياء ويسهرون على شؤون البغايا كالقوادين . فحتى ابن خلف لم ينج من ذلك . فقد انغرس حي فاسق وراء ظهره .
وضربك اليأس بخفه فالاجدى ان تعود الى عشك فليس في المدينة رغيف واحد يسد الانسان به الرمق . ولكن فيها عوضا عن ذلك أشياء اخرى !!
