الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

وسائل الإعلام ومستقبل الطفل العربي

Share

( القاهرة )

فى ذهن كل انسان تثور عدة تساؤلات حول دور وسائل الاعلام فى تكوين الطفل بعامة ، والطفل العربى بخاصة ، سيما وان سبل الاعلام وقنواته ، تتغير تغيرا ملحوظا حسب البيئة ، كما تتغير بالنسبة لسرعة النشر ، وحسب طبيعة المضمون ، والوسائل الفنية المستخدمة فى النشر . فضلا عن أن حجر المعلومات المتداولة وتكرارها لا يكونان أبدا على وتيرة واحدة ، لا من حيث الزمان ولا من حيث المكان ( الصحافة ، الاذاعة المسموعة والمرئية .. الخ ) . وعلى هذا تعتبر التربية عاملا أساسيا فى تنمية الموارد البشرية . فهى تستطيع أن تلعب دور الوسيط الموصل للمعلومات السياسية منها او الاقتصادية أو الاجتماعية او العلمية أو التقنية او الثقافية ، ولكنها لا تستطيع أن تلغى دور الاعلام ، كما أن الاعلام لا يستطيع الاستغناء عن التربية .

فوسائل الاعلام توجد نوعا من البيئة الصورية بين الانسان والعالم الموضوعى الحقيقى ، ولهذه النظرة معانيها الهامة عن دور وسائل الاعلام تجاه الطفولة بوجه عام .

ولذلك فانه ينظر الى وسائل الاعلام احيانا على انها تغلف الانسان الحديث بنوع من الواقع البديل .. فالمجتمع يوجد عن طريق عملية انتقال أو تحويل . على حد تعبير « جون ديوى » « وهو فى هذا على قدم المساواة مع الحياة البيولوجية ، ويتم الانتقال او التحويل ، عن طريق انتقال عادات العمل ، والتفكير ، والشعور من الاكبر سنا الى الاصغر ، وبدون هذا الانتقال أو التوصيل للمثل العليا ، والامال ، والتوقعات ، وللمستويات ، والاراء من اعضاء المجتمع الذين يوشكون ان يختفوا من حياة الجماعة الى من يدخلونها لن يتسنى للحياة

الاجتماعية أن تستمر فى البقاء .. ولو كان الاعضاء الذين يتكون منهم مجتمع ما يعيشون الى الأبد . لتسنى لهم أن يربوا حديثى الولادة، ولكنها تكون عندئذ مهمة يوجهها الاهتمام أو المصلحة الشخصية اكثر مما توجهها الحياة الاجتماعية أما الآن فهى عمل تمليه الضرورة » .

وتمشيا مع الافكار التى تبناها وزراء التربية والوزراء المسؤولون عن التخطيط فى الدول العربية ( المغرب ، يناير ( كانون الثانى ) 197 م ) ، والتقاء مع قرارات الدورتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة للمؤتمر العام لليونسكو، بتعين ربط مختلف أنواع ومراحل التربية ، داخل اطار التربية المستديمة ، بتنمية وسائل الاعلام ، وعلى هذا يتحتم انشاء قنوات اتصال بين المؤسسات وبين الجماعات ، والأجهزة الادارية ، واتحادات العمال ، والتعاونيات ، والمؤسسات التعليمية والثقافية .. الخ . كذلك تستطيع التربية المستديمة اذا استعانت بنفس وسائل الاعلام ، ان تعمم فى كل مكان وبانتظام وباقل التكاليف اثناء او خارج او بعد مختلف مراحل التعليم والتدريب التجديدى ، وباستخدام وسائل الاعلام هذه على يد أحسن الخبراء الذين توفرهم الظروف ، سوف تتحسن نوعية المضمون وتؤمن المساواة على نطاق واسع بين جميع أجزاء البلاد فاذا انتشرت التربية المستديمة فى المجتمع ، اصبحت - كما يقول تقرير اليونسكو عن استخدام الفضاء (1) - اصبحت بمثابة الخامة الفكرية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

« وتعتبر التربية المستديمة القوة المجددة الرئيسية للتنمية الثقافية التى تتحكم فى التقدم الاقتصادى والاجتماعى . وعلى عكس الانظمة التعليمية التقليدية التى تركز على ترقية الافراد . وخلق مجالات التنافس فيما بينهم ، تنطوى التربية المستديمة على ترقية الجماعات . وتبدو الحاجة فى هذا الشأن الى وسائل الاعلام لضمان اشتراك كل الطبقات الاجتماعية فى عملية التنمية » .

الأثر التربوى للاعلام      وهنا نطرح مشكلة الاثر التربوى للاعلام . وهو اثر غير مباشر يحوطه الغموض ، ولا يمكن للتربية أن تتنا به الا جزئيا ، فالاعلام المتصل بالبيئة الطبيعية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذى يعنى بالمسائل العملية ، ينطوى على نوع من التربية التى تهتم بتحليل الاشياء الطبيعية والتقنية والثقافية وبهذا تقترب من المواد الدراسية التقليدية . ويؤدى التكامل بين

الحياة اليومية والمعرفة الى مفهوم للتربية يستطيع بمقتضاه كل من الأطفال والمراهقين والكبار من رجال ونساء ( كالأباء والعاملين والمواطنين ) فى المدن والريف على السواء ، أن يتكشفوا معنى ومتطلبات الوظائف والمواقف التى يتعين عليهم اتخاذها والقيام بها باعتبارهم مواطنين وأصحاب مهن وأرباب أسر .

ورباط يربط بين الجميع ، وهو الثقافة ، أى الشعور الداخلى بالانتماء الى نفس الخط فى الحياة والعمل والفكر ، يقوم على أساس ماض واحد وقيم وأهداف مشتركة .

ان استخدام وسائل الاعلام ، وخصوصا التليفزيون ، يتيح الفرصة لأول مرة لكى نتفاعل مع البيئة الاجتماعية ، باعتبار المدرسة عنصرا من عدة عناصر لبناء واسع كبير هو التربية المستديمة .

ان ضرورة التعليم والتعلم لاستمرار وجود المجتمع من الوضوح بحيث يبدو ان ذكرها تحصيل حاصل .. ولكن تبرير ذلك مصدره - كما يقول جون ديوى - ان « هذا التأكيد انما هو وسيلة للافلات من المعنى المدرسى الصورى للتربية » فالمدارس فى الواقع سبيل هام للتحويل أو النقل الذى يشكل استعدادات غير الناضجين . ولكنها سبيل واحد . وسبيل سطحى نسبيا اذا ما قورن بالعوامل الاخرى .. ولن نتأكد من وضع الطرق المدرسية فى سياقها الصحيح الا اذا ادركنا ضرورة سبل للتعليم أوفر حظا من الدوام والأهمية .. ان المجتمع لا يكتب له الاستمرار عن طريق الانتقال او التحويل او الاتصال فحسب ، بل يجوز القول انه يوجد فى الانتقال او التحويل .. وفى الاتصال ، فالصلة اكثر من لفظية بين كلمة « مشترك » و « مجتمع محلى » و « اتصال » وهي فى الانجليزية من مادة واحدة لغويا ، ( وهى فى العربية ترتبط بالبر والتودد وعدم الجفاء كما لو كان يصل رحمه وقرابته والمؤمنين ) . فالناس يعيشون فى مجتمع « محلى » بفضل ما بينهم من اشياء « مشتركة » والاتصال هو الطريقة التى بها يتملكون الاشياء المشتركة . وما لابد ان يكون مشتركا بينهم لتكوين « مجتمع محلى » أو أى مجتمع على العموم هو الاهداف والمعتقدات والمطامح والمعرفة - اى الفهم المشترك - مثل التماثل العقلى كما يقول الاجتماعيون .

« وهذه الامور لا يمكن نقلها بدنيا او ماديا من شخص الى آخر كقوالب الطوب .. ولا يمكن التشارك فيها على نحو ما يتشارك الناس فى فطيرة

باقتسامها قطعا مادية ، فالاتصال الذى يضمن المشاركة فى الفهم المشترك انما هو اتصال يضمن الاستعدادات الانفعالية والذهنية المتماثلة .. مثل طرق الاستجابة للتوقعات والمتطلبات او المقضيات » .

ولفظ التربية يعنى فى اصله اللغوى عملية التنشئة ، ولكن حينما نقصد حاصل هذه العملية ، فاننا نعنى بالتربية التشكيل والصياغة للطفل فى صورة نمطية من النشاط الاجتماعى .

وهنا يلعب الاعلام دورا كبيرا فى تحويل نوع أو كيف الخبرة حتى تشارك فى الاهتمامات والاغراض والمثل العليا الجارية فى الجماعة الاجتماعية . ولكن مشكلة الاعلام هي اكتشاف الطريقة التى يتمثل بها الصغير وجهة نظر الكبير او التى يتمكن بها الكبار من جعل الصغار يماثلونهم عقليا .

وتأسيسا على هذا الفهم ، يمكن القول ان اصدار حكم قاطع فيما يتعلق بوسائل الاعلام من حيث ضررها او صلاحيتها للاطفال امر عسير ، ونذكر هنا قول الجنرال « دافييد سارنوف » فى الكلمة التى ألقاها بمناسبة منحه درجة علمية شرفية من جامعة نوتردام : « اننا نميل كثيرا الى اعتبار الادوات التكنولوجيا كبش فداء الأخطاء التى يرتكبها أولئك الذين يستخدمونها ، ان انجازات العلم الحديث لا يمكن ان تكون خيرا أو شرا فى ذاتها ، إن طريقة استخدام هذه الانجازات هى التى تحدد قيمتها » .

فهناك من البرامج ما يكون له اثر ضار على بعض الاطفال فى بعض الظروف ولكن بالنسبة لاطفال آخرين ، وفى نفس الظروف السابقة او بالنسبة لنفس الاطفال فى ظروف مختلفة ، قد تكون هذه البرامج نفسها ذات اثر طيب .

اثر التليفزيون على الاطفال يقول وليور شرام وزميلاه فى دراستهم عن التليفزيون واثره فى حياة الاطفال « اننا حين نذكر شيئا عن أثر التليفزيون على الاطفال فاننا فى الواقع نستعمل عبارة ذات حدين : « احدهما يتعلق بالأطفال والآخر بالتليفزيون » وعلى سبيل المثال اذا قلنا عن احد البرامج انه ممتع ، فاننا نقصد ان ذلك البرنامج ينطوى على ميزة خاصة يستجيب لها الاطفال بطريقة ما ونطلق عليها صفة الامتاع . ولو قلنا ان ذلك البرنامج يبعث الرعب فى النفس فاننا نعنى بذلك ان بعض الخواص تثير بالبرنامج فى الاطفال انفعالا آخر هو الخوف .

« وقد نظن من استعمال كلمة « اثر » أن التليفزيون هو المؤثر والطفل هو الذى يقع عليه الاثر ، اى ان الطفل يأخذ الجانب السلبى ويكون الضحية بينما يكون للتليفزيون الاثر الايجابى كانما هو المعتدى على الطفل ، لكن ما ابعد هذا القول عن الحقيقة .

ان الاطفال فى علاقتهم بالتليفزيون فى غاية الايجابية فهم الذين يستعملون الجهاز كيفما شاءوا ، حقا إن برامج التليفزيون بها كثير من قصص الخيال ومواقف العنف ، وان التنوع بين مختلف البرامج ضئيل فليس امام الطفل الا ان يتقبل ما يقدم له من برامج ، ان طبيعة التليفزيون ان يقتل بقدر الامكان من التنويع بين البرنامج ولكن من طبيعة الانسان أن يعوض هذا النقص وخاصة من جانب الاطفال » .

ان ما يقدمه التليفزيون من مختلف البرامج للاطفال - كما يوضح شرام وزميلاه - لا يختلف فى اساسه عن البرامج المذاعة بالراديو « وكذلك لا يختلف عما يشاهد الاطفال من القصص السينمائية ، ولكن تأثر الاطفال بالتليفزيون والوسائل الاخرى هى التى تختلف اختلافا كبيرا ، فالطفل عندما يدير جهاز التليفزيون يفعل ذلك ليرضى حاجة نفسه ، ويجد فى البرامج بعض الخبرات يفيد منها فيما بعد . وتؤكد دراسة شرام وزميليه ، أن الاطفال يختلفون فى مشاهدتهم للبرنامج التليفزيونى الواحد، ولكن نتيجة لعمليات الاختبار تحدث دائما زيادة فى خبراتهم المختزنة ، وبالتالى تنضج ما لديهم من مفاهيم وقيم ومظاهر السلوك ، ففى بعض الظروف قد يؤدى اختيار بعض البرامج التليفزيونية الى اتجاه الطفل نحو الجريمة او العنف او ضعف الخلق ، وفى ظروف اخرى تساعد برامج من نوع مختلف على انماء مفاهيم صحيحة عن حياة الكبار والقيم الديمقراطية ، وفى ظروف ثالثة قد لا يكون للبرامج أية آثار على الطفل سواء كانت ضارة أو نافعة :

« ان فى طبيعة الاطفال ما يجعلهم يلتمسون فى برامج التليفزيون خبرة خاصة تكون جديدة على حياتهم وتأخذ مكانها ضمن خبراتهم السابقة التى هى مجموعة من القيم المتعارف عليها بين الناس والعلاقات الاجتماعية إلى جانب الحاجات النفسية الملحة وهى جزء لا يتجزأ من حياة كل طفل ، ونتيجة لذلك يتأثر ما لدى الطفل من خبرة أصلية فيطرح بعضها جانبا ويختزن بدلا منها خبرة جديدة . وقد يصدر عن الطفل سلوك ملحوظ نتيجة لمشاهدته بعض البرامج ، هذا ما نقصده عند الحديث عن « أثر وسائل الاعلام » .

يتساءل ( شارلز سيجان ) : هل التليفزيون وسيلة لتخدير عقول الجماهير أم ان له أثرا هاما على ثقافتهم؟ ذلك انه كان هناك أمل فى أن يصبح التليفزيون فى كل منزل وسيلة للمعرفة والتربية بما يفتحه من نوافذ على الآفاق البعيدة من العالم وبما يقدمه من الأنباء والافكار الجديدة وشخصيات العظماء للاطفال .. ولكن من ناحية أخرى لوحظ ان أضعف الاطفال تحصيلا فى المدرسة هم اكثر الاطفال اقبالا على برامج التليفزيون . وان كان ذلك لا يعنى ان التليفزيون هو السبب فى ضعف مستواهم العلمى .

لقد قال « بول وينى » فى مؤلف لسنة 1954 م ، ان التليفزيون يقلل من اقبال الاطفال على القراءة ، ثم عاد فى سنة 1959 م ، فذكر ان ذلك غير مؤكد وذكر مؤلف آخر هو « ريمون » انه عند استطلاعه أراء المراهقين وجد ان اثنين من خمسة اعترفوا له بأن التليفزيون يعطلهم عن أداء اعمالهم المدرسية وان كان تقديرهم لذلك متفاوتا على نحو ما والى درجة كبيرة . والذى لاشك فيه ان الاطفال يتعلمون من التليفزيون .

ولكن ( ارثر سليزنجر يذهب الى ان التليفزيون ينافس الوسائل الترفيهية الاخرى فى انه ينحدر سريعا بذوق الاطفال ، بينما يقول « لويس كوهن » : ان كثيرا من برامج التليفزيون تشجع الاطفال على اكتساب مستوى منحط من الذوق لا يليق بالحياة الاجتماعية السليمة .

ويتساءل « جويف كلابر »ز : هل يساعد التليفزيون على انضاج عقلية الطفل قبل الاوان ؟

يقول : « ان الاطفال يقضون معظم الوقت امام التليفزيون فى مشاهدة البرامج التى اعدت خصيصا للكبار وغالبا ما تكون مليئة بالمشاهد والمواقف التى تتميز بالصراع العاطفى . ويظن بعض علماء النفس ان استمرار مشاهدة الطفل لمثل هذه البرامج يحدث انطباعات عميقة من حياة الكبار على تفكيره وتدفع به الى حالة من النضج سابق للأوان من صفاتها الملحوظة الحيرة وعدم الثقة بالكبار والاهتمام بمشكلاتهم اهتماما سطحيا . وقد يصل الأمر بالطفل الى عدم الرغبة فى اللهو ليكون كبيرا » .

ويضيف «كلابر» الى ذلك : إن الاطفال فى مراحلهم الاولى كثيرا ما يلتمسون النصح والمشورة عند الكبار فيما يختص بمواقف يشاهدونها ضمن برامج التليفزيون ولكنهم يفاجؤون بجعزهم عن تقديم المعونة المطلوبة . ومثل هذا

العجز من جانب الكبار يكون له فى نفس الطفل أثر أعمق من أثر الصورة غير الواضحة لحياة الكبار التى يراها الطفل فى مشاهد التليفزيون .

ويذهب « شرام وزميلاه » الى أن التليفزيون أحدث تعديلا كبيرا فى أوقات فراغ الطفل وخاصة فيما يتعلق بالمدة التى يقضيها فى اكتساب المعرفة من وسائل الاعلام مثل الراديو والتليفزيون . لقد قل معدل الزمن الذى يخصصه الطفل لقراءة المجلات المصورة عما كان عليه فى الماضى . كما أنه يستمع من الراديو الى التمثيليات أقل ويذهب الى السينما مرات أقل ، ولكنه يشاهد عددا كبيرا من التمثيليات فى التليفزيون ، وقد يستمتع الطفل بالموسيقى الشعبية من الراديو ولكنه يستطيع أن يحصل عليها من التليفزيون . ومن الواضح كذلك أنه قد حدث تغيير فى المادة التى يستقبلها الطفل عن طريق الوسائل الثقافية اذا قورنت بمثيلتها قبل ظهور التليفزيون .

ولعلنا نستطيع ان نخلص مما تقدم ، الى ان طريقة استخدام وسائل الاعلام هى التى تحدد قيمتها بالنسبة لمستقبل الطفل .. فوسائل الاعلام - حين نحسن استخدامها - يمكن أن تؤدى عدة وظائف :

الطفل وعادات اللغة فوسائل الاعلام من خلال الاتصال اللغوى تتيح للطفل تمثل العادات اللغوية ذلك أن استخدام اللغة لتوصيل الافكار واكتسابها - كما يقول ديوى - انما هو امتداد وارتقاء للمبدأ القائل : ان الاشياء تكتسب المعنى عن طريق استخدامها فى خبرة مشتركة أو فعل مشترك ، وانه لا ينتهك هذا المبدأ بأية حال من الأحوال . وعندما لا تدخل الكلمات كعوامل فى موقف مشترك ، اما صراحة أو بطرق الخيال ، فهى اذن منبه مادى محض . ليس ذا معنى ولا قيمة فكرية ، ولكن طرق الكلام الاساسية وكتلة المفردات ، انما تشكل باتصالات الحياة العادية ، والتى تعرضها وسائل الاعلام ، فالطفل يكتسب لغة الأم بطريق مباشر وبطريق غير مباشر من وسائل الاعلام . فقد اظهرت الابحاث ان الملاحظة البسيطة للآخرين يمكن ان تكون لها تأثير قوى فى تغيير بعض جوانب السلوك الاجتماعى مثل استعداد الطفل لمعاونة الآخرين وقدراته على اظهار سيطرة ذاتية ، وتعلمه لقواعد اللغة .

وهنا يمكن ان تصحح وسائل الاعلام بطريق غير مباشر عادات الكلام التى تكتسب من قبل . فالطفل يلاحظ ويتذكر اسلوب الكبار فى الكلام والتعبيرات

التى يستعملونها والطرق التى يقدمون بمقتضاها المساعدة ، ويكتسب معلومات مما يراه ، اى ان التعليم بالملاحظة يحدث فى هذه الحالات .

« ان وسائل الاعلام ، تلعب دورا اساسيا فى تزويدنا بالمعلومات والاراء التى تبنى بفضلها صورة للعالم المحيط بنا ، وانها توسع عالمنا واطارنا الدلالى وتجعلنا نهتم بامور لا نستطيع أن نعرفها بالتجربة المباشرة . لذلك يقال دائما إن أكثر من 70% من واقع الفرد فى المجتمع الحديث مستمد من وسائل الاعلام » .

وسائل الاعلام وآداب السلوك    يذهب علماء النفس الى ان الطفل عندما يبلغ الثانية او الثالثة من عمره لا يعى من آداب السلوك الا القليل ، بل انه لا يعرف ماذا تعنى هذه الآداب .

ولقد ظهر ان ملاحظة الاطفال للأطفال الاخرين فى فيلم ما ، تحدث مستوى مرتفعا من التعلم للسلوك غير المالوف وتزيد استعداد الاطفال للمشاركة وتقلل ردود الفعل التى تنطوى على نفور او خوف بشكل كبير .

وتقول (دوروتى و. باروخ) : إن أفضل طريقة هى ألا نطالب الطفل بعبارات المجاملة ، لان كل عبارات المجاملات والتحيات ، لا تحمل للطفل الصغير من المعانى الا القليل .. ان الطفل قد يقول مع ذلك كل هذه المجاملات والتحيات بطريقته الخاصة ، فقد يقول : « صباح الخير » أو « من فضلك » أو « اشكرك » بابتسامة جذابة ، أو نظرة معبرة أو لمسية من يده تحمل الود والصداقة او حتى بوساطة تعبير او افصاح عن الرضا . فان هذه كلها رسائل اتصال صادقة نابعة من القلب . وبدلا من ان تفرض عليه هذا اللون من السلوك ، فان الافضل ان نسلك نحن هذا السلوك معه . فنقدم له صورة دقيقة لآداب السلوك بأن نكون مثلا يحتذى ، وبذلك نتيح له حرية اختيار انواع الأداب التى يرغب فى محاكاتها ، فاذا ترك وشانه فانه سيقتبس تدريجيا الأداب التى تناسب مرحلة نموه الخاصة ، ويشرع فى ان يقول « من فضلك » او « اشكرك » او « صباح الخير » .. الخ . كما يستعمل هذه المجاملات والتحيات بصورة لبقة طبيعية ، وسرعان ما تصبح هذه العبارات تعبيرا عن نفسه ، لا صورة لا معنى لها فرضت عليه فرضا ، غير انه يحتاج الى وقت حتى يصل الى مرحلة الآداب التى يتحلى بها الكبار ، اذ أنه لا يصل الى هذه المرحلة دفعة واحدة . ان الطفل سوف يتعلم

الكثير من هذه الآداب والمجاملات على أحسن وحه اذا ما انتظرنا حتى يكون مستعدا لتعلمها مهيئا لممارستها . واحتمال اكتساب السلوك الجديد لدى الطفل ، بدون ممارسته أو الاقدام عليه مباشرة ، له نتائج هامة فى فهم تأثير التليفزيون وفرص التعلم الاخرى بالملاحظة . فاذا تعلم الطفل سلوكا جديدا يصبح فى مقدوره الاقدام على ذلك السلوك حينما يجد نفسه فى ظرف يكون فيه ذلك السلوك مجزيا او يخدم أهدافه الخاصة ، وبهذا ، بالرغم من أن التعلم قد لا يدفع الفرد بالضرورة الى القيام بعمل ما ، الا انه يجعل فى الامكان القيام باستجابات اجتماعية قد لا تكون متوافرة لديه لولا هذا التعرض . معنى هذا أن التعرض لدلالات جديدة ( عنيفة ) قد يغير شكل السلوك المحتمل الذى قد يقدم عليه الطفل حينما يثأر او يتعرض للضغط .

فمما لا شك فيه أن الأطفال سوف يتعلمون أشكال السلوك الجيدة - كلمات وتصرفات - من مجرد مشاهدة الآخرين ، لذلك فهو يتعلم العدوان من التليفزيون كما يتعلم الأشياء

وهنا يمكن ان تلعب وسائل الاعلام دورا اساسينيا فى آداب السلوك من خلال تقديم القدوة ، التى تعتبر أقدر من الموعظة فى هذا المجال ، فأداب السلوك الحسنة على حد تعبير ديوى نتاج التنشئة الحسنة أو من باب اولى هى التنشئة الحسنة . والتنشئة تكتسب بالفعل الذى تحول الى عادة . استجابة الى تعود منبه معين أو بالتلقين . ورغم التعليم والتصويب المقصودين بلا انقطاع الا أن المناخ والروح الاجتماعية ووسائل الاعلام فى البيئة المحيطة بالطفل هى فى النهاية العمل الاساسى فى تشكيل آداب السلوك ، وآداب السلوك ليست سوى الأخلاق الصغرى ، أما فى الاخلاق الكبرى ، فالتعليم المقصود أحرى ألا يكون فعالا الا بمقدار توافقه مع سير وسلوك من تتكون منهم البيئة الاجتماعية للطفل .

ويذهب الدكتور فردمان المتخصص فى دراسة الانحراف الى انه « لم يتضح من أية دراسة نفسية يعتمد عليها أن اعراض الشخصية الانشطارية قد زادت بين الاطفال منذ انتشر استعمال التليفزيون ، وكذلك لم يثبت بالبحث الدقيق ان هناك صلة ما ، بين ارتفاع نسبة الانحراف بين الأحداث وبرامج التليفزيون أو عملية مشاهدتها .

ويقول : « ان مدى استجابة الطفل لبرامج التليفزيون ومغزاه النفسى ، هو المقابل لما يحققه من ارضاء حاجاته فى مجتمع اسرته ومدرسته واصدقائه ، ويمكن التنبؤ بأن الأطفال الأقل ذكاء ، والاكثر قلقا والدين على غير وفاق مع عائلاتهم وأصدقائهم هؤلاء جميعا يحتمل أن يستغرقوا فى مشاهدة التليفزيون كنوع من الهرب أو بقصد اثارة عواطفهم. أما الأطفال الاذكياء والمتزنين والذين على وفاق فى علاقاتهم مع اسرهم فهؤلاء لا يتأثرون بمشاهدة برامج التليفزيون».

هذه الخواص تكون كامنة فى كل عمليات المشاركة فى المشاهدة سواء كان ذلك بالنسبة للرياضة أو الفن او القراءة ، ولكن الشىء الهام الذى يتميز به التليفزيون هو - كما يقول شرام - انه يلتقى مع المشاهدين فى جميع المستويات العمرية فيشاهده الاطفال فى سن 5 سنوات ، 3 سنوات وحتى الاطفال من سن السنتين يرون برامج التليفزيون ، وفى هذه السنة الاخيرة يكون التليفزيون مجرد بديل عن الام ، وهذه الحاجات التى يحس بها الطفل تنمو وتكبر وتتطور علاقته بامه . ان هذا النمو في الحاجات يتوقف أساسا والى حد كبير على موقف الام من الطفل وتشجيعها له على القيام بأعمال النشاط وعلى الاعتماد على النفس . وان من أعظم الأمور أهمية فى تكوين شخصية الطفل انه يستطيع فى تلك السن اشباع كثير من رغباته وحاجاته عن طريق التليفزيون .

وقد توصلت « هيملوايت » الى ان الاطفال الذين يفضلون الخبرات التليفزيونية على خبرات الحياة الواقعية ، اذا تركت لهم حرية الاختيار ليسوا الا عددا ضئيلا ، ووجدت أيضا ، كما وجد شرام وزميلاه بالمثل أن الاطفال لا يملون أبدا مشاهدة التليفزيون ويميلون الى مشاهدة الوان مختلفة من البرامج .

الذوق السليم والتقدير الجمالى     وتستطيع وسائل الاعلام حين تصافح العيون أو الآذان ، أن تقدم موضوعات للرؤية أو للاستماع متناغمة ، وذات أناقة فى الشكل واللون والايقاع ، وحين بفعل ذلك تجعل الطفل ينشأ لديه مستوى أو معيار للذوق .

وقد أثبتت دراسة شرام وزميليه ، أن الأطفال فى أعلى مستويات الذكاء وأدناها من الذين يشاهدون التليفزيون يلتحقون بالمدرسة وعندهم حصيلة من

المفردات الجديدة تعدل ما يمكن تحصيله فى سنة بالنسبة لنظرائهم من الأطفال فى المجتمعات التى لم يدخلها التليفزيون ، ويضاف الى ذلك أن طول المدة فى مشاهدة التليفزيون تساعد على زيادة حصيلة الطفل من المفردات .

ويحتمل أن تكون فاعلية وسائل الاعلام بوجه عام فى استثارة اهتمام الطفل بمعارف جديدة ، وفى زيادة اهتمامه بما هو موجود فعلا ، أكبر منها فى استثارة الطفل نحو القيام بنشاط خلاق .

وبقدر ما تعمل وسائل الاعلام على تنمية اذواق الاطفال ، يمكن ان نفترض مع شرام انها تدعم نوع الذوق الذى يكتسبه الطفل اثناء القراءة أو الاستماع او المشاهدة . فاذا كانت البرامج والمواد منوعة بحيث تكفى احتياجات الذوق فى مستوياته المختلفة ، وبحيث تعطى الطفل مجالا كبيرا للاختيار ، فلن يكون هناك داع للقلق ولكن ليس هناك اختلاف كبير بين برامج التليفزيون مثلا كما انها معدة على مستوى تتقبله الغالبية الكبرى من الجماهير .

وهذا الموقف يؤدى بنا الى البحث فى مشكلة تنمية أذواق الاطفال عند التعامل مع وسائل الاعلام وكيف يتم ذلك ، ويلفت أنظار الآباء والمربين والمفكرين ، الى توجيه الاطفال لاختيار ما يناسبهم من مختلف الوان البرامج فى التليفزيون . ذلك أن وسائل الاعلام تعمل على تكوين الاتجاهات والميول والآراء، وتغذيها بشكل مستمر .

اشترك في نشرتنا البريدية