قركت عينيها تزيل بقايا النوم والتفتت الى زوجها النائم بالقرب منها وفى عينيها نظرات بها رعب حلم رأته منذ قليل .
رأت ابنها الوحيد يرقص فى زواج زوجها من امرأة أخرى . رأته يرقص ، يرقص على صفير الصفارات وزمر المزامير وطبل الطبول وصفع الخدود ، يرقص ، يرقص ، يرقص حتى امتد طريحا ارهاقا واعياء . ورأت زوجها وسط جمع من رفاقه يضحكون ويلعبون وجمع من الناس يأتونه مهنئين مسلمين وكلهم من أموات القرية .
تملت من زوجها وتمتمت :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
ثم سارت الى المطبخ فأخذت كانونا واتجهت نحو كيس الفحم ، ملأت منه الكانون ثم خرجت الى فناء البيت وسارت نحو قم الدجاج حيث توجد دجاجاتها الاربع وعنزها .. وجمعت قشا لتضعه فوق الفحم ثم اشعلته ووضعت فوقه «صليحه» وتركت الكانون فى الفناء . فهبت على صليحة نسمات الفجر الباقى . ثم عادت الى المطبخ وفكرها مشغول بالحلم .. أخذت اناء الحليب ورجعت نحو قن الدجاج . دخلت الى الدجاجات اولا فوجدت بيضتين أخذتهما وسارت الى العنز تحلبها ولما أتمت الحلب اتجهت بالبيضتين والاناء الملىء - فالعنز كانت مدرارة هذا الصباح - نحو المطبخ حيث وضعت ما تحمل وأخذت سطل الوضوء وملأته ماء من «خابية» فى ركن من أركان البيت ثم أزاحت «صليحه» من فوق الكانون ووضعت السطل فوقه تدفىء ماء لوضوء زوجها . انتظرت قليلا ثم ذهبت لتوقظ زوجها .
وقفت أمام الفراش تنظر اليه وتمتمت :
- أتتزوج غيرى !؟
ثم رفعت صوتها :
- صالح ... يا صالح قم لقد أوشكت الشمس على الشروق فقفز من فراشه .
- صباح الخير .
تلك هى عادته لا يحب البقاء فى الفراش انه يقول :
- ان ذلك مدعاة للكسل كامل النهار .. وسألها .
- هل ماء الوضوء جاهز ؟
فابتسمت هامسة :
أى نعم .
ربت على كتفها وداعبها حينا - المداعبة لم تكن من عادته - ثم خرج يتوضأ وهى تتابعه بنظراتها كما لو كان مسافرا تودعه . ثم تمتمت :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
بعد ان اخذ زوجها السطل انصرفت الى اعداد فطوره وفطور ابنهما الوحيد أحمد . فطبخت البيضتين والقهوة - ان زوجها يحب ان يشربها اثر الصلاة مباشرة - بعد ان اتمت اعداد الفطور ذهبت توقظ ابنها . تحتضنه وتقبله وهو يحاول التخلص الى النوم لكن الام تلح فيستيقظ ويجلس فى فراشه :
- صباح الخير يا امى .
- نهارك مبروك ان شاء الله يا زين الرجال .
ثم تدعوه الى تناول افطاره مع والده . جلس الطفل البالغ من العمر عشر سنوات بالقرب من والده فناولته والدته بيضة وأرادت أن تناول زوجها البيضة الاخرى غير انه اقسم ان تأكلها هى فقبلتها وابتسمت .
شرب ثلاثتهم الحليب ثم اتجه الاب وابنه الى باب الدار هو يقصد عمله والابن مدرسته وسارت الام وراءهما باناء ماء تودعهما وهى تبتسم :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
خرجا فأراقت الماء وراءهما وهى تقول :
- اللهم احفظهما ....
ثم اغلقت الباب وعادت الى شؤون بيتها وبالها مشغول بالحلم . ما لبثت الا قليلا حتى أخذت لحافا واتجهت الى جارتها حليمة وهى امرأة كبيرة معروفة فى القرية بتفسير صائب للاحلام وروت لها حلمها فتغير لون المرأة المسنة وقالت :
- اللهم اجعله خيرا ... اللهم اجعله خيرا ...
وما كادت تتم كلماتها حتى ضجت السماء بأزيز الطائرات وسمع فى القرية دوى فخرجت المرأتان تستطلعان الامر فسمعتا قائلا يقول :
- غارة فرنسية على المجاهدين الجزائريين .
أحست الام بانقباض .
- الحلم ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
فردت عليها حليمة :
- اللهم اجعله خيرا ....
انصرفت الى بيتها مضطربة ولكنها سمعت من يقول :
- انهم ضربوا المدرسية فارتدت جارية نحو المدرسة تصيح كالمجنونة .
- انى رأيت ابنى يرقص ... انى رأيته يرقص وسمعت من يقول :
- مات صالح ورفاقه .
فرقصت ... رقصت كأنها دجاجة مذبوحة وهى تغنى :
سالت دماء يا ساقية
سالت دماء يا ساقية
سالت دماء يا ساقية

