ألمت بى وعكة طارئة ، أعقبتها مضاعفات حادة ، حتى أحسست بأعياء شديد ، وبفتور وشحوب ، وذبول ونحول . . واكتنفتنى حمى شديدة ، زلزلت كيانى وآلمت عظامى ، ووقعت صريع المرض . . ومرت الابام . . وتعاقبت الليالى ، وأنا مؤرق مسهد وصحتي تسوء يوما بعد يوم .
ونظرت في المرأة فراعني اصفرار في وجهى . . وتقلص في جلدى ، فظننت انه الموت . . وذكرت قوله كعب :
كل ابن أنثى وان طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
وتنقلت بين عيادات الاطباء ومصحات الحكماء ، ولكنى كنت أتحول من سيئ الى أسوأ . . ووجدتنى أردد قول أبى ذؤيب الهذلى :
واذا المنية انشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع
كما وجدت نفسي أنشد بكل مشاعري وأحاسيسى قول الشاعر :
اؤمل أن اخلد والمنايا
يثبن علي من كل النواحي
ولا أدرى اذا امسيت حيا
لعلى لا أعيش الى الصباح
عندها استدعيت ولدى الاكبر ( رياضا ) ورحت أتحدث اليه : أى بنى : انك لترى سوء حالي . . وما
آل اليه مآلى ، من الضعف والوهن ، وأغلب ظني ان المنية قد دنت ، والاجل قد وافى . . وما هى الا أيام . . أو ساعات . . أو لحظات . . حتى يتوقف هذا الفؤاد عن خفقانه الدائب ، وتتوقف هذه النبضات الواهنة عن الحركه . . ويسجى هذا الجسد بين طيات الاكفان . . بعد ان يكتنفه سكون لا حراك بعده . . وانى الساعة موصيك ولست بموص لك . . فأنت تعلم اني لا املك من حطام الدنيا شيئا يستحق الذكر . . وانما هى وصية مخلصة أسديها اليك فى أيامى الاخيرة . . وصية تكون لك مسلكا ومنهاجا ودستور حياة . . وانى موقن ان أنت حفظتها وعملت بها واتخذتها نبراسا تهتدى اليه وتأنس به ، أن لا تضل بعد أن يحتوينى اللحد ويضمنى الجدث أبدا .
اعلم يا بنى وفقك الله وهداك ، وأرشدك الى الصواب وسدد خطاك أن أصول العقيدة وأس الدين تجنب الشرك بالله ، اذ هو الحد الفاصل بين الايمان والالحاد ، ولهذا استفتح لقمان الحكيم عليه السلام وصيته به فيما ذكره القرآن الكريم عنه فقال : ( يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم ) وقد روى فى الحديث القدسى أن الله يقول : ( انى أنا الله لا اله الا انا ، من أقر لى بالتوحيد دخل حصنى ، ومن دخل أمن من عذابى ) واذكر قوله تعالى : ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ) وقوله عز وجل : ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) وقوله جل وعلا : ( ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة )
فاذا تجنبت الشرك يا بنى فقد اهتديت . . ولكنك لا تكون مؤمنا خالصا الا اذا آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
وبالقدر خيره وشره من الله تعالى . . ولن تستكمل الايمان الا بالعمل . . تعمل بما أمر الله به وتجتنب ما نهى عنه فلقد قال تعالى : ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ) .
عندئذ يا بنى اقرأ القرآن ما استطعت . وأكثر من تلاوته جهد الطاقة ، وتدبر معانيه ، واتعظ بآياته ، واعتبر بعبره ، واعمل بأحكامه . . ولكنك لست بواع قوله دون الرجوع الى التفاسير المعتبرة كتفسر ( ابن كثير ) و ( الطبرى ) و ( النسفى ) و ( البغوى ) وتفسير ( القرطبى ) المسمى ( انجامع لاحكام القران ) وهناك تفسير عصرى عظيم القدر عرف باسم ( في ظلال القرآن ) لسيد قطب . . فانظر يا بني أرشدك الله فى هذه التفاسير وأطل النظر ، وامعن فى قراءتها ، وتفهم كل ما قرأت ، واحفظ كل ما استطعت حفظه ، فالقرآن يا بنى هو دستور الاسلام الذى لا تنتهى عجائبه . . يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فى فضل القرآن : ( هن قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة والحسنة بعشر امثالها ) وقال ايضا : ( خير الاعمال الحل والرحلة ، قيل وما هي : قال : افتتاح القرآن وختمه ) ، وقال أيضا : ( ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) وقال عليه صلوات الله وسلامه : ( الذى يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البردة . . ) الحديث ، وقال أيضا : ( ان الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ) ، وليس أدل على عظمة القرآن من قوله تعالى : ( لو انزلنا
هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله . . ) الآية . .
واعلم يا بنى ان لقارئ القرآن آدابا يجب أن يسلكها وأحكاما يجب أن يتبعها . فشرطه الاول أن ( لا يمسه الا المطهرون ) وان يستقبل القبلة ويكون نظيف الثياب وقور الجلسة ، خاشعا . . ساكنا ، يبدأ بالاستعاذة ويعقبها بالبسملة ، ثم يقرؤه بتؤدة وترسيل وترتيل . . متفهما لآياته ، متدبرا لمعانيه ، فان قرأ آية ترغيب سأل الله من فضله ، وان تلا آية ترهيب استجار بالله من عذابه وسخطه . .
ولا تنس يا بني - أصلحك الله - أن للقرآن علوما أخرى غير القراءة والتفسير ، ويجب ان تلم بها وتحيط بدقائقها كجمع القرآن وتدوينه وتنجيمه وقراءاته السبع ، وعلم أسباب النزول ، وعلم مكيه ومدنيه ، وعلم ناسخه ومنسوخه ، وعلم محكمه ومتشابهه ، وغير ذلك . . فاذا رغبت فى الاحاطة بهذه العلوم - ويجب ان ترغب فى ذلك - فعليك بقراءة ( الاتقان فى علوم القرآن ) للسيوطى ، و ( أحكام القرآن ) لابن العربى و ( اسباب النزول ) للواحدى و ( البرهان في علوم القرآن ) للزركشى . . و ( مباحث في علوم القرآن ) للدكتور صبحى الصالح و ( اعجاز القرآن ) لمصطفى صادق الرافعى . .
فاذا ضربت بسهم وافر في القرآن وعلومه ، وتفهمت لبه ومضمونه ، وأفدت بما قرأت ، وعملت بما علمت ، فالى الاحاديث والسنة اتجه . . اقرأ كتابي الشيخين : البخارى ومسلما ، ففيهما أصح الاسانيد المنقولة عن النبى صلى الله عليه وسلم . .
وأنت ان اكتفيت بقراءة متن ( صحيح البخارى ) لم يجزئك ذلك عن قراءته مشروحا من قبل العلامة ابن حجر العسقلانى فى كتابه : ( فتح البارى . . بشرح صحيح البخارى ) ففيه بهجة للعيون ونور للقلوب وغذاء للعقول وزاد للارواح ، وكذلك فاقرأ صحيح مسلم مشروحا بقلم الامام النووى .
فان شئت أن تعرف ما اجتمع عليه الشيخان فاقرأ : ( زاد المسلم فيما اتفق عليه البخارى ومسلم ) ثم اقرأ بعد ذلك الامهات الستة الباقية : ( موطأ مالك ) و ( مسند أحمد ) و ( سنن الترمذى ) و ( سنن ابن ماجه ) و ( سنن ابى داود ) و ( سنن الدارمى ) . .
واعلم يابني ان للحديث علوما اخرى يجب أن تعيها . . ذلك ان ( علوم الحديث ) تستطيع أن تعرف منها الحديث الناسخ من المنسوخ وطبقات الرواة وكبار التابعين وأتباع التابعين ، ويمكنك من خلالها التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف ومعرفة المرفوع والمسند والمتصل والعزيز والمشهور والمستفيض والفرد والغريب والمعنعن والمؤنن والمعلق والمتابع ، والمسلسل والمدرج والمصحف والمرسل والموقوف والمنقطع . . فاقرأ ان شئت كل ذلك في هذه الاسفار : ( المنهل الحديث في علوم الحديث ) لمحمد عبد العظيم الزرقاني و ( معرفة علوم الحديث ) للحاكم النيسابوري و ( علوم الحديث ) لابن الصلاح و ( تأويل مختلف الحديث ) لابن قتيبة و ( ألفية السيوطي في مصطلح الحديث ) و( الباعث الحثيث - شرح اختصار علوم الحديث ) لاحمد محمد شاكر و ( علوم الحديث ومصطلحه ) للدكتور صبحي الصالح .
كل هذه الشذور النافعة والعلوم المفيدة الناجعة هي يابني أس الدين ومنبع اليقين . واعلم ان ( من يرد الله به خير ؟ يفقهه في الدين ) كما يقول الرسول الكريم ( ص ) .
فان أنت أصبحت فقيها في الدين ان شاء الله فاعمل يابني بما جاء به تكن من أهله ، وراجعه بين الحين والآخر ، ولا تعتمد على الذاكرة كل الاعتماد . . فما تستوعب الذاكرة الا القليل ( وما أوتيتم من العلم الا قليلا ) . .
واعلم يابني ان للعلم فضلا كبيرا ، وان للعالم شرفا ورفعة وسؤددا في الدنيا والآخرة ولقد ذكر الله فضل العلم والعلماء فى كتابه العزيز فقال : ( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) وقال ايضا : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقال عز وجل : ( وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون ) . وقال الرسول الاعظم ( ص ) في فضل العلم : ( العلماء ورثة الانبياء ، وقال ( ص ) : خصلتان لا تجتمعان في منافق : حسن سمت
وفقه في الدين ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لموت قبيلة أيسر من موت عالم ) وقال ايضا : ( أوحى الله الى ابراهيم عليه السلام : يا ابراهيم اني عليم أحب كل عليم ) وقال ( ص ) : ( فضل العالم على فضل العابد كفضلي على أدنى رجل من اصحابي ) . . وقال المصطفى ( ص ) : ( من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ) .
الى هذا الحد يابني بلغ فضل العلم والعلماء . . فانظر أى شرف تطلب ، والى أى مقام عظيم تسعى . . يا بنى : هذا جزء من الوصية نتوقف عنده الان . . فانى ألمح النعاس يراود جفنيك . . فقم الى مضجعك راشدا ، فان اصبحت واياك بخير فالى جانبى فاجلس ، وأصخ السمع ، وأعرني الانتباه ، وأشرع القلم بين أنامللك لأملي عليك بقية وصيتى . . وسلام عليك .
( للوصية بقية في العدد القادم ان شاء الله )

