الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

وضعية رياضية

Share

" يا عمال ! ... يا عمال ! ... استمعوا الى جيدا وليخبر حاضركم غائبكم ... سيلتئم اجتماع هذا المساء بمقر التعاضدية ... اجتماع هام . لا تتخلفوا ... الحضور أكيد ، وأكيد جدا " قال ذلك مبعوث المجلس الاداري وولى على اعقابه .

التفت مصباح الى مسعود الذى كان يناكبه وقال : " ما موضوع اجتماع اليوم يا سى مسعود حسب رأيك ؟ " وكان كل العمال ينادونه "ســى مسعود " لما يتمتع به من ثقة بينهم ومن حصافة رأى .... يستشيرونه فى الخاص والعام ، وهو لا يبخل عليهم لا بفكره ولا بماله ولا ببدنه ...

- أجاب مسعود بعد تفكير : اجتماع اخبارى كبقية الاجتماعات التى نحضرها ... المهم أن تكون متعلقة بالماضى ... الماضى وحده يكفينا مؤونة المستقبل .

- بكل صراحة يا أخي مللنا الماضى بهذا الشكل . نعم الماضي جزء من حياتنا لكن لا يدخل الى بيوتنا لا خبزا ولا زيتا ولا كسوة ولا أى شئ ... ما حاجتى أنابه الآن وبيتى خال من المواد الغذائية ، وعيالى كثيرة ... أتمنى أن اسمع اليوم فى الاجتماع ، انه وقع الترفيع فى كمية الدقيق والسكر والزيت . إنها غير كافية . والاجرة لا تتسع ولو لشراء صاع من القمح .

- ما بعد العسر الا اليسر . اطلب قرضا من التعاضدية لتسديد حاجياتك . - قمت بذلك عندما فتحت المدرسة أبوابها واحتجت الى إكساء صغارى وشراء الادوات اللازمة لهم . لكن أين هى الآذان الصاغية ؟ ! - هيا بنا ... لقد حان الوقت .

كانت الساحة غاصة بالمجتمعين الجالسين على التراب فى حجور بعضهم تنهش أجسامهم المغبرة أفكار عديدة ، وأسئلة كثيرة ، ونقاط استفهام ترتسم كبيرة فى حجم مشاكلهم . قبالة المجلس الاداري الذي جلس قفا منضدة

عالية . يحجبون عيونهم بنظارات سميكة لماعة بنية ، مع بدلات زاهية متناسبة ولون بشرة حامليها . تتدلى من أعناقهم رابطات عنق عريضة عرض أمانيهم ، وجميلة جمال أيامهم ، وحلوة كعيشهم الرغد . قال مصباح لمسعود : أرأيت كيف أن ابن الافطس لا تناسب النظارات وجهه العريض الاسمر وشعره الاجعد . - " الرجاله تكسب والهملاوه تحسب " .

- بالله يا سي مسعود لماذا يحملون نظارات مع أنهم لم يتبعوا عاملا ولا جرارا ، ولم تطأ أقدامهم الارض المخدومة ، ولم يمشوا فى العجاج ، أأصابهم مرض العيون ؟ - النظارات في عصرنا شعار التشخص وطريقة لحجب الحقائق . مع الاسف بعض الناس لا يواجهون الناس الا من وراء حجاب ظنا منهم أن عيون الآخرين تصبح غير قادرة على النفوذ الى الاعماق .

- أيكرهون الحقائق . - هل رأيت الثعالب تصطاد فى رابعة النهار ؟ والخفاش يخرج والشمس تملأ الكون نورا ؟ ... - على فكرة يا مصباح هل تريد ان تترشح فى الدورة القادمة لمجلس الادارة ؟ - " الكلام على والمعنى على جارتى " يعنى أنت تريد أن تترشح وعلى جمع الاصوات والتحدث الى الاخوة فى شأنك .

- " دويو " المجلس الحالي لا يزكى ترشحى . والقائمة تأتي من أعلى ، ورئيس القائمة هو رئيس التعاضدية اعتقادا أنه أخلص الناس ، والضامن للنجاح ، والقادر على تصريف الشؤون ، والوطنى الغيور الذى يسهر على مصلحة البلاد ... و ... و ...

ليت الدنيا كلها تدرك أنهم فئران قذرة حاملة للاوبئة الفتاكة . ليت الشمس تحرق أقنعتهم فتنكشف عوراتهم ... لم يقطع عليهم حبل النقاش إلا صوت رئيس التعاضدية يقول : " أيها الاخوة ... باسمى كرئيس تعاضدية ، وكرئيس شعبة ، وككاتب عام لنقابة العمال ، والاتحاد المحلى للفلاحين ، وكعضو في شركتى الموردين والمصدرين ، وكمواطن من المواطنين الموسمين والمسؤوليات الاخرى التى تعرفونها ولا فائدة فى ذكرها . باسم

هذه المسؤوليات الجسام التى يتحملها عبدكم الضعيف أشكركم على تلبية الدعوة " وسكت . قال مسعود لمصباح : نسي أن يخاطبنا باسم السراقين والخمارين والمنافقين والمشاغبين الذين يتزعمهم - لعن الله هذا الرهط من الثعالب .

هذا هو القالب يا حبيبي إما ان تنصهر فيه أو تبقى عنصرا محايدا . على ذكر العنصر المحايد ، لقد رأيت ابنى الصغير يحلق حلقا ويقول هذا عنصر ينتمي الى المجموعة وهذا لا ينتمي ، هل فهمت هذا النوع من الحساب ؟ - العنصر دائما ايجابي - سواء أكان داخليا أو خارجيا - وبامكانه ان يتفاعل مع البقية شريطة ان يشترك معهم فى بعض الخصائص . حتى المجموعة الفارغة يمكن أن تكون عنصرا . لو أخذت مثلا صندوقا فارغا ووضعت فيه كيسا فارغا الا يمكن القول بأن الكيس الفارغ هو مجموعة فارغة لها وزنها وقيمتها فى علم الرياضيات .

- لم أفهم شيئا يا سى مسعود لانى لم أبلغ من الثقافة ما بلغت . - بعبارة أوضح الاندر محتاج الى الحلة لتزيد فى ارتفاعه وعطائه كما ان الحلة محتاجة اليه لتصبح لها قيمة انتاجية أكثر . - فهمت الآن مقصدك .

استرد الخطيب أنفاسه وشرب كأسا من قارورة " صافيا " الموضوعة أمامه والتفت الى الناس وحرك رأسه تحريكات مضحكة كالحمار النعرف وقال : " أيها الاخوة ... عندى بشرى سأزفها لكم الآن ... الآن ... ولا يمكن تأخيرها أو تأجيلها أبدا ... "

فرح مصباح ولمعت أساريره ، وانفرجت شفتاه عن أسنان ذهب بلونها دخان السجائر وأصبحت تشابه جمازته التى امتصت لونها خيوط الشمس وشوب البلاء قوتها وقال : " سيقع الترفيع في كمية الدقيق يا سى مسعود ، أضحك ، افرح " دعنا بالله نستمع يا أخي.  " بشرى لنا جميعا ... سيزورنا فى القريب العاجل مسؤول كبير هكذا . " وفتح ذراعيه على طوليهما " وهذا شرف كبير لنا لم تحصل عليه تعاضدية

من التعاضديات المجاورة . وسيكون مصحوبا بخبراء أجانب ... ربما المان ... أو أمريكان ... فرنسيس ... طليان ... المهم انه وفد أجنبى وكفى . وكما تعلمون أيها الاخوة لا بد أن تظهر أمام الضيوف بمظهر لائق ... مظهر يشرفنا ... وستكتب عنا الجرائد الاجنبية مقالات مطولة عن اهتمامنا بالانسان . . الانسان الذى هو رأس مالنا .. كافحنا من أجله السنوات الطويلة وأرقنا الدماء الزكية الطاهرة " .

قال مسعود في نفسه : " كم يحسنون الكلام ويسيؤون التصرف ". " غدا ستقول عنكم الصحافة الاجنبية : إنكم أرقى شعب فى الدول النامية وستنشر صوركم ببدلاتكم الزرقاء الجديدة التى سنوزعها عليكم بهذه المناسبة - أرحوكم أن تستعدوا لذلك - طهروا بدانكم واحلقوا رؤوسكم حلقا مناسبا وامشطوا شعوركم وافرقوها ولا تضعوا عليها الشواشى أو الالحفه . لانها عادات بالية ورثناها عن عهود الانحطاط ... ومن الضرورى أن تشارككم نساؤكم . ولم لا ؟ لقد سوينا بن الرجل والمرأة . ولم يعد لها حق التخلف " .

تنفس مصباح الصعداء ، وطفرت على وجهه علائم الفرح وقال متحدثا الى مسعود : " غدا ستفرح علجية كثيرا عندما ترانى فى بدلة زرقاء جديدة وستقول لى : " كم تمنيت أن أراك فيها منذ أمد بعيد ! إن شاء الله بطول العمر يا سي مصباح . أنت على الاقل تخلصت من " الكدس - الروبفيكيا " هذه المرة " .

زفر مسعود وقال : " فضل الكدس علينا لا ينسى ... ولولاه لكنا أشقى مما نحن فيه ". ثم تابعا قول الخطيب الذي بدأت لهجته تلين بعد أن تخلى على الكثير من التصنع والافتعال ، وركن الى الاستعتطاف والتملق الخبيث . " نحن نطلب منكم ايها الاخوة أن يكون استقبالكم الضيوف حارا يليق بمقامهم . عبروا لهم عن فرحتكم بالتصفيق المتواصل ، والهتافات المدوية . كما نرجو منكم ألا تقدموا طلبات ولا شكاوى للمسؤول . ومن منكم له مشكل أعدكم بتسويته بعد الزيارة . استرونا يستركم الله . موعدنا يوم الجمعة ان شاء الله " .

انفض المجتمعون ليتحلقوا من جديد تحت جدار التعاضدية بمسعود ويستشيروه فيما يجب ان يقوموا به . قال أحدهم : " أسمعتم ما يقول " العجل " يعنى به رئيس التعاضدية لسمنه وعرض كتفيه ".

" يطلب منا أن نستره ، سنرفعه عنه " قال مسعود ذلك فى عصبية بعد ان ودع أصحابه ووعدهم بالنظر فى الموضوع غدا . وقصد بيته . خرج العمال صباح الجمعة واصطفوا على حافتى الطريق وراء حواجز حديدية فى بدلات قديمة متهرئة ، على ظهورهم رفش وفؤوس وقد لفوا رؤوسهم بالحفة وخرق شأنهم كلما خرجوا الى العمل .

كانت الساعة تشير الى التاسعة حين أطلت سيارات ضخمة ترجل راكبوها عند طلائع المستقبلين . وسار الموكب فى صمت جنائزى تختترقه أصوات أعضاء المجلس الادارى وصيحاتهم الضائعة المتلاشية . كان كل منهم يلتفت الى المصطفين ويصيح : " يحيا ... يحيا ... " فان فشل مع هؤلاء يتحول الى الآخرين ويكرر النداء على أناس لم يطلبوا الحياة الا لانفسهم وبلادهم . ضاعت النداءات وارتشقها الصمت فى غير جرجرة ولم تجد من يلبيها ... وأسقط فى يد المجلس ، وتفطن الى ما وراء الصمت ، فراح يجامل الضيوف ويفسر لهم عادات المنطقة ... من أن الصمت عندهم فرحة على غرار التصفير الذى نسمعه فى الحفلات العامة ... لكن الحقيقة كانت أسطع من أن يلفها الضباب والمراوغات . لم يدخل قاعة الاجتماع ولو عامل واحد . كلهم اتجهوا الى مواطن شغلهم يسقون الارض بعرقهم ويدفنون فيها جهدهم .

اشترك في نشرتنا البريدية