لعل أهل الادب اكثر الناس فهما للألفة العربية في أبعد آفاقها وعلى كل صعيد . فلسانهم واحد وشغلهم واحد ومرماهم واحد وسبيلهم واحدة . فهم جميعا دعاة يقظة فكرية باهرة ومجد ادبي مرموق وحرية ذهنية مبدعة وإصالة خلقية كريمة وتلك هي الجامعة الكبرى التى ينضوى تحت لوائها الخفاق ادباء المعمور العربى كله فليست بينهم حدود مما اصطنعته ايد قصيرة الباع ، ولكن بينهم على اليقين تجاوبا وتفاهما ليس لآمادهما حد معروف
وقد يختلف الناس على أشياء من صميم دنياهم ، ولكنهم قل ان يختلفوا على الأدب وان اختلفوا فلغاية انبل ، هي البحث عن الحقيقة وطلب الكمال والتطلع الى بلوغ قمم العلم والعرفان . والأدب الصحيح هو الذي يعاف سفاسف الدنيويات ويأبى ان يخضع لمقاييس مستوردة من خارجه لان الأدب أسمى من ان يسخر فى خدمة متاع الدنيا ، كما انه أرفع من أن يفرغ فى قالب وظيفة من وظائف المجتمع . ولهذا يحرص الادباء الاصلاء على أن يوكدوا دعوة " الادب للأدب " و " العلم للعلم " و . الفن للفن " نابذين محاولات اولئك
الذين يحاولون اهدار الادب والعلم والفن بجعلها مطايا تركبها اغراض الحياة العارضة . فالاديب لايجيد صنعة الادب الا اذا انطلق فى مسارب الفكر حرا مفتوح الذهن جهير الصوت . والعالم لا يتقن صناعة العلم الا اذا قصر اهتمامه على انابيقه وبواتقه ومختبره ونظريات السابقين من اهل العلم دون أن ينظر حوله فى الثرثرات الزاعقة والمفتن النابه يرسم بوحى من ذاته ومن وجدانه ، فلا يقال له : هذا منظر بديع ارسمه ، بل يترك لشانه يرى المنظر ويستجلى مفاتنه ويتقبله فى ذهنه المبدع ووجدانه الحي ، ثم يصوره على نحو يرضى و عنه قبل ان يرضى عنه أحد من الناس
فالاديب الذي يرود آفاق الفكر منذ كان فكر ، يستصغر شان القيود التى يفتلها له ذوو المذاهب الضيقة ، ولو كانت ناصعة البريق . فعنده من علمه وعمق تفكيره وقدرته على التمييز ما يجعله ينفذ الى القيم الخالدة نفاذا مباشرا ، فيضع عليها اصبعه ويرضى عنها رضا يأخذ يجمع البابه . . فاول جزاء يناله الاديب فى الحياة هو رضا الضمير واطمئنان النفس لانه أدى رسالة
وأكمل عملا على خير ما يرجوه . فان جاءه بعد ذلك تقدير من الناقدين ، فقد كان تزكية لعمل افرغ فيه جهده واهتمامه وفكره في سخاء بل اسراف . وان عز عليه نيل هذا التقدير ، فعزاؤه انه وضع الخلود الادبي أمام باصريه ، واجتهد في التحليق الى اقصى ما ساعفه عليه جناحاه الفكريان ، فاصاب هدفا وارضى ضميرا ، واسدى للاجيال التالية يدا واضاء مصباحا في طريق العرفان واسلم بندا من بنود الادب الى عداء يبدأ من حيث انتهى
والأدب وان تلون بالوان عصره وتشكل بأشكال اصحابه ، الا انه تراث باق على الدهر ، وان طال عليه الامد ، وكلما استطاع الاديب ان ينزع عن ادبه ثوب الوقت والساعة والاقليم ، كتب لادبه حياة ابقى واشرف من حياة اثقلتها اعتبارات عارضة وظروف عابرة . فشتان بين الأدب الذي يشبع الروح وبين " نشرة اخبار " يتلهف المرء على سماعها اوقراءتها ثم ينساها في غمرة الاحداث والايام . فنشوة الأدب باقية ، أما اللهفة على ملابسات الحياة فانها تخبو في عين اللحظة .
وايان اتجه الاديب فى مباحثه واعماله ، فهناك قيم علوية ينبغى ان تحدوه في جهاده . وتاج تلك القيم جميعا هو الحرية الفكرية والكرامة الانسانية . فالحرية الفكرية هى الحافز الاكبر على ارتياد اوقيانوس الآراء كانها الريح تهب على شراع فتسير السفينة هادئة على صفحة ذلك المحيط اللجب . والكرامة الانسانية هي التى تغرس في المرء وعيا بالفضائل الخلقية وحرصا على معاني المساواة والعدالة والحق والخير . فالاديب الذليل لا يؤتمن على حمل عبء ادبي لانه فقد كرامته الانسانية ففقد معها كل شئ . وانما حملة رسالة الأدب
هم أولئك الادباء الشامخون بانوفهم الذائدون عن كراماتهم الاحرار في تفكيرهم الصادقون مع انفسهم الجادون في عملهم الزاهدون في اعراض الدنيا المتطلعون الى دني الكمال المحلقون في آفاق الفكر على أعلى منسوب . وسبيلهم الى ذلك كلمة ، منها في المعاجم عشرات من الآلاف ، ولكن الكلمات لا تستوي مغزي وأداء . فهناك كما قال مفخرة الفكر العربي المعاصر ميخائيل نعيمة " الكلمة الجيفة . . والكلمة القرح . . والكلمة الخنجر . . والسم . . والعلقم . . والكلمة البغي والجرباء والبخراء والعوراء ، والكلمة التى تتبرج وتتبختر وتتكبر وتتجبر والتي تقول " انا " وكفي . وهذه جميعا وما كان من نبعتها كلمات اعيذك منها ياولدى . . وهناك الكلمة الشهد والكلمة البلسم والشذا والجناح والواحة والوحى ، والكلمات التى هي الدرع والإيمان والمصباح والباب والمفتاح وغيرها مما هو من مقلعها . وهذه اوصيك بها ياولدي " . والادباء في جميع امصارهم يعرفون قدر الكلمة ويتخذونها اداة لتجلية ارائهم وافكارهم وهي سلاحهم الوحيد يشهرونه فى وجه كل مأثمة ، وهي مجدهم السامق بها يرتفعون الى منازل عليا بين اقرانهم ، وهي دنياهم يعيشون فيها ويتملقون حولها ويهيمون في أوديتها . فالكلمة طعامهم وشرابهم وشغلهم ولذتهم . فان عرفوا كيف ينتقونها . وان اردفوا الى ذلك حرصهم على كرامة الانسان وان زادوا على ذلك حرية فى الفكر ، وان اضافوا إلى ذلك وازعا من ضمير ، فقد طرقوا ابواب مجد ادبي عالمي وحققوا بنيانا عربيا شامخا ، وانشأوا للضاد وطنا عزيزا منيعا منيفا ، وشادوا على صخرة رأسية قصورا للفكر يزهو بها في كل عصر

