-٢
وكان العلماء يردون كل ما اختلفوا فيه من كل شئ ، الى كتاب الله وسنة رسوله ، لا الى قول فلان ، ورأى فلان : فاذا هم متفقون على الحق الذي لا يتعدد ولقد انكر مالك على ابن مهدى - وهو قريعه فى العلم والأمامة - عزمه على الاحرام من المسجد النبوى ، فقال ابن مهدى : انما هى بضعة اميال ازيدها . فقل مالك : اوما قرات قوله تعالى : ) فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم ( وأية فتنة اعظم من ان تسول لك نفسك انك جئت باكمل مما جاء به رسول الله صلى عليه وسلم ؟ او كلاما هذا معناه . . ثم تلا قوله تعالى : ) اليوم اكملت لكم دينكم . الآية ( ، وقال كلمته الجامعة التى كأن عليها لألاء الوحي ، وهي قوله : " فما لم يكن يؤمئذ دينا فليس اليوم بدين .
وكانوا يحكمون دينهم فى عقولهم ، ويحكمون عقولهم فى ألسنتهم ، فلا تصدر الالسنة الا بعد مؤامرة العقل ؛ ويعدون العقل مع النص اداة للفهم معزولة عن التصرف ، ومع المجملات ميزانا للترجيح ، يدخل فى حسابه المصلحة والضرورة والزمان والمكان والحال ، ويميز بين الخير والشر ، وبين خير الخيرين . وشر الشرين ، لذلك غلب صوابهم على خطئهم فى الفهم وفى الاجتهاد ، ولذلك اصبحت فهومهم للدين وسائل للوصول الى الحق ، واراؤهم فى الدنيا موازين للمصلحة ، وما هم بالمعصومين ولكنهم لوقوفهم عند الحدود وارتياض نفوسهم على ايثار رضي الله وشعورهم بثقل عهده ، وفقهم الله لأصابة الصواب .
وكانوا يزنون الشدائد التى تصيبهم فى الطريق الى اقامة دين الله - بأجرها عنده ومثوبتها فى الدار الآخرة ، لا بما يفوتهم من اعراض الدنيا وسلامة البدن
وخفض العيش وراحة البال ، فكل ما اصابهم من ذلك يعدونه طريقا الى الجنة ووسيلة إلى رضي الله .
وكانوا ملوكا على الملوك ، واقفين لهم بالمرصاد ، لا يقرونهم على باطل ولا منكر ولا يسكتون لهم على مخالفة صريحة للدين ، ولا يتساهلون معهم فى حق الله ، ولا يترضونهم فيما يسخط الله .
بتلك الخلال التى دللنا القارىء عليها باللمحة المنبهة قادوا الأمة المحمدية الى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة . . وبسير الامراء المصلحين على هداهم سادوا اغلب . الجزء المعمور من هذه الأرض بالعدل والاحسان ، اذ كان الامير فى السلم لا يصدر الا عن رأيهم ، والقائد فى الحرب لا يسكن ولا يحرك الا بأشارتهم فى كل ما يرجع إلى الدين ؛ فجماع امر العلماء اذ ذاك انهم كانوا يقودون القادة ( . وما رفعهم الى تلك المنزلة بعد العلم والاخلاص الا انهم كانوا ) حاضرين ( غير ) غائبين كانوا يحضرون مجالس الرأى مبشرين شاهدين ، وميادين الحرب مغيرين مجاهدين ، طبعهم الاسلام على الشجاعة بقسميها : شجاعة الرأى وشجاعة اللقاء ؛ فكانوا يلقون الرأى شجاعا فيقهر الآراء ، ويخوضون الميادين شجعانا فيقهرون الاعداء . . وللآراء اقتتال يظفر فيه الشجاع القوي ، كما للاناسى اقتتال يظفر فيه الشجاع القوي . والعالم الجبان فى أمة عضو أشل ، يؤود ولا يذود ؛ ولعمري إن فى اتحاد صف الصلاة وصف القتال ، فى الاسم والاتجاه والشرائط ، لموقف عبرة للمتوسمين
صدق اولئك العلماء ما عاهدوا الله عليه ، وفهموا الجهاد الواسع فجاهدوا فى جميع ميادينه ، فوضع الله القبول فى كلامهم عند الخاصة والعامة ، وان القبول جزاء من الله على الاخلاص يعجله لعباده المخلصين ، وهو السر الالهى فى نفع العالم والانتفاع به ، وهو السائق الذي يدع النفوس المدبرة عن الحق الى الأقبال عليه . ونفوذ الرأى وقبول الكلام من العالم الديني الذي لا يملك الا السلاح الروحى - هو الفارق الأكبر بين صولة العلم وصولة الملك ، وهو الذي اخضع صولة الخلافة فى
عنفوانها لأحمد بن حنبل ، واخضع صولة الملك فى رعونتها لأحمد بن عبد السلام وإن موقف هذين الأمامين من الباطل لعبرة للعلماء لو كانون يعتبرون ، وان فى عاقبتهما الحميدة لآية من الله على تحقيق وعده بالنصر لمن ينصره .
نضر الله أولئك الرجال الذين كانوا يوم الرأى صدور محافل ، ويوم الروع قادة جحافل ، وفي التاريخ محققين لنقطة الاقتراب ، بين الحرب والمحراب ، فلقد كانوا يقذفون بكلمة الحق مجلجلة على الباطل ، فاذا الحق ظافر ، واذا الباطل نافر ، ويقذفون بعزائمهم فى مزدحم الأيمان والكفر ؛ فاذا الأيمان منصور ، واذا الكفر مكسور ؛ ووصل الله ما انقطع منابهم ، باحياء تلك الخلال ، فمالنا من فائت نتمنى ارتجاعه اعظم من بعث تلك الشجاعة ، فهى اعظم ما اضعنا من خصالهم ، وحرمناه - بسوء تربيتنا من خلالهم . . ولعمرى ان تلك القوى لم تمت ، وإنما هي كامنة ، وان تلك الشعل لم تنطفئ ؛ فهى فى كنف القرآن آمنة ؛ وما دامت نفحات القرآن تلامس العقول الصافية ، وتلابس النفوس الزكية ، فلا بد من يوم يتحرك فيه العلماء فيأتون بالاعاجيب .
وما زلنا نلمح وراء كل داجية فى تاريخ الاسلام نجما بشرق ، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتا يخرق ، من عالم يعيش شاهدا ، ويموت شهيدا ، ويترك بعده ما تتركه الشمس من شفق يهدى السارين المدلجين الى حين .
وما علمنا فيمن قرأنا اخبارهم ، وتقفينا آثارهم من علماء الاسلام ، مثلا شرودا فى شجاعة النزال بعد الحافظ ) الربيع بن سالم ( عالم الاندلس ، بل اعلم علمائها فى فقه السنة لعصره ؛ فقد شهد وقعة تعد من حوامد الإعمار ، فبذ الأبطال الماعير ؛ وتقدم الصفوف مجليا ومحرضا ، والحرب تقذف تيارا بتيار ، حتى لقى ربه من اقرب طريق . . ولا علمنا فيهم مثالا فى شجاعة الرأى العام اكمل من الامام ) احمد بن تيمية ( - وعصراهما متقاربان فقد شنها حربا شعواء على البسع و الضلالات ، اقوى ما كانت رسوخا وشموخا ،
واكثر اتباعا وشيوخا ، يظاهرها الولاة القاسطون ، ويؤازرها العلماء المتساهلون المتأولون
وقد أدخر المه لهذا العصر الذي تأذن فجر الاسلام فيه بالانبلاج ، الواحد الذي بذ الجميع فى شجاعة الرأى والفكر ، وقوة العلم والعقل ، وجرأة اللسان والقلب ، وهو ) محمد عبده ( فهز النفوس الجامدة ، وحرك العقول الراكدة ، وترك دويا ملأ سمع الزمان ، وسيكون له شان . . اما علماؤنا اليوم . .
) البقية فى العدد القادم

