تنتاب الانسان فى حياته حالات يرجع فيها بفكره الى نفسه . وقد لا يستوحش من العزلة فيجد فى ترك المدينة والناس متعة . إنها متعة من يستبطن ذاته ، ويسائل وجدانه ويستنطق قلبه وتراث قومه
هكذا اهتديت الى شهرزاد وقد عشت معها زمنا ، وكان اهتدائى اليها بما حدثني به عنها أستاذى المنجى الشملى وما كنت لأكتب هذه القصة لو لم أسمع منه حديثا كان إلى إلهاما ومنهلا .
فهل يقبل منى هذه القصة هدية عرفان وتقدير ؟
حدثتنا بلقيس عن قصة إبحارها والتقائها بشهر زاد قالت
سئمت غربتى ، فخرجت أطوف رفقة وجدانى فى بلاد المشرق والمغرب علني أجد الصديق الموافق ، فراعنى أن رأيت المشرق والمغرب يتغامزان على هامسين : " غبية هى تجرى وراء سراب خلب "
مللت ضياع نفسي فى الانفاق المظلمة ، فأقبلت على أترابى أستنهضهم لاسترجاع مجد آبائنا ، والاستنصار لهويتنا ، والتخاطب بلسان قومنا فوجدت الاتراب يعرضون عني ، ويسخرون مني قائلين : " نحن على سنة عصرنا ، فلا تنغصى حاضرنا بماضى الغابرين "
كرهت الخداع ، والنفاق كرهت ، والأكاذيب . فهرعت الى الغاب أنشد فيه الصفاء ، والصدق ، والطمأنينة ، لكن الغاب ضحك مني وصرخ فى وجهي قائلا : " الشر غالب مهما كان الخير منيعا " .
دخلت المدينة أرفل فى موكب الطموح ، فاعترضني حراسها ، وأوقفوني ، ونادوا آمرين : " اجلدوا الطموح ، وشتتوا الموكب "
صمدت في وجه الحراس ، وقلت ساخرة ، متحدية : " لن تكبح مدينتكم جماح نفسى ، ما دام المجد مبدئى ، والوعى ديدنى " .
ضاق صدري ، وعيل صبرى ، واختنقت أنفاسى ، فخرجت تاركة المدينة ورائى أبحث عن ملجئي في البحر . أطلقت الزورق ، ودخلت اليم ، وأوكلت الامر للشراع وللفكر
اليم من حولى هادىء ، شاسع ، عميق ، والزورق يسير بى فى غبطة وجذل . اليم هالة من بلور تكتنفها الدعة وتسودها الرهبة . اليم عالم الاغوار ، ومقر المجاهل حيث لا خوف ولا خمول .
موج اليم ، ونسيم الصباح يهدهدان كيانى ، ويسموان بى الى مراتب الصفاء والبهحة . أحس وأنا بين أحضان الزورق النشيط بالراحة تتسرب إلى شيئا فشيئا . إنها راحة الهروب من عالم الناس ، راحة الابحار والاقلاع عن دنيا الغش وأرض النفاق . إنها راحة البحث عن الاستشفاء والنجدة
وتصمت بلقيس الراوية ساعة ، وتغمض جفنيها كأنها تستسلم الى الذكريات ثم تقول :
وبينما كان الزورق يسير بى ، رأيتني أخاطب اليم مستنجدة به قائلة :
" أيها اليم ،
أنا الآن منقطعة عن البر ، ولا أنيس لى غيرك ، فليتك تفتح لى ذراعيك وتضمني الى صدرك . ليتك تدفعني الى حيث ترتاح نفسي ، ويهدأ خاطرى إن توقي لشديد الى ذلك الربع ، حيث يطيب العيش ، ويتألق الفكر ، وتسمو القيم ، وتقيم صديقتي الفاتنة الذكية ، النبيلة الابية ، الاصيلة العربية صديقتي يا بحر كالهلال أطل على الشرق زمنا ثم ارتحل عن موطنه وحل ببلاد قصية . صديقتي يا بحر هي بسمة العاشق وأمل المحروم . هي مصدر وحي الشاعر ، وينبوع الهام الفيلسوف . هي الحب الكبير بعنفه وجماله
بسطوته ودلاله ، بطهارته وكبريائه . ليتك تأخذني اليها يا بحر ، ليتك تقربني منها ، لان فى القرب من الصديق تعزية وأمانا
شهرزاد ، يا أنت ، يا صديقتي ،
أرانى أسائل اليم عنك وفي دخيلتى شوق وحنين . أين أنت ؟ أين تتوارين ؟ ، ألا يزال حدادك على شهريار يفوق لديك كل اعتبار ؟ ، ألا فاخلعي عنك ثوب الحزن يا صديقتي ، وتعالى . إن روح شهريار لا تنفك تدعو لك ألست أنت التى أخرجت الملك اليائس شهريار من الظلمات الى الانوار ؟ فأنا يا شهر زاد ، لن أنسى فرحة شهريار يوم كان يطوقك بذراعيه ، مقبلا وجنتيك ، ماسحا على شعرك الحريرى ، قائلا لك : " ألم تجديني جاهلا فعلمتني ، وتائها فهديتني ، وفضا غليظ القلب فأدبتني وأحسنت تأديبى فالملك الضال الذى كنت ، قد ثاب اليه رشده ، وعاد اليه إيمانه ، وعلى يديك تاب لربه توبة نصوحا " .
ياله من ذاكر فضل وشاكر للجميل ! ياله من انسان كبير يقر باحسان غيره ! شهر يار الجبار يشدو هاتفا بنعمة شهرزاد عليه دون خجل أو تردد شهريار الطاغية ينحني مقبلا يد شهرزاد البيضاء فى وفاء واكبار ! انها لقمة المروءة ومنتهى النبل
شهرزاد ، يا أنموذجا نسائيا ، بديعا
يخيل إلى ، والزورق يمخر بي عباب الماء ، أن حجبا سميكة تفصل بيني وبينك . مزقيها ، احرقيها ، أزيحي الفواصل وحطمي العقبات وتعالى . عودى الينا ، شدى أزرنا فى عصر طغي فيه السخف وسادت الغباوة
إني يا صديقتي أرنو الى الفضاء الرحب سائلة عنك ، طالبة عالما أصفى حيث الهواء طلق لفكرى ، وحيث ينابيع الامل جارية غير معطلة
إن الامل يا صديقى دعامة الوجود ، به نقطع اليأس ونحقق المنى
الامل رمز البقاء ونكهة الحياة .
الامل سنان قاتل يمزق أودجة العسر ، ويعيد الثقة الى النفس
الامل زاد المعذبين فى الارض .
إن قلبي يطفح أملا للقائك يا شهرزاد ، وإن صوتى ليرتفع مخترقا سجوف الأفق المعتم ليناديك :
" صديقتي ، يا شهرزاد ، تعالى قاسمينى العزلة واسمعي مني الشكوى . تعالى ، أقبلى ، حلقي ، حلقي فوق جبالنا ، بين وهادنا ، عبر مدننا . طهري الجو فيها ، عبدى أرضها ، اجتثى من ثراها الاشواك والزعانف . . "
وتصمت بلقيس ثانية ، واذا القوم لا يزالون على شوق ، فتقول
قوم ، بينما كان كل كياني مشدودا الى الافق ، لاح لى فى السماء جرم صغير . أمعنت النظر فى الجرم ، فاذا هو يمتد ويكبر ، فيتضح حجمه ويتبين محيطه حتى يصبح فى شكل دائري كأنه المائدة تغطى قاعدتها قبة من زجاج تنعكس منه أنوار باهرة تتألف من ألوان متعانقة ، متمازجة ، فيها البنفسج الدافئ ، والبرتقالى الناصع ، والكستنائى الهادىء ، والاصفر الخجول والازرق الجسور ، والاحمر الجهنمى
بقيت مشدوهة وأنا أمعن النظر فى المائدة المطلة علي ، فاذا بطبق طائر قد أطل من وراء الآفق
الطبق يسعى مرتفعا الى الاجواء تارة ، ومنحدرا نحو سطح الماء طورا . إنه أخذ فى النزول ، انه يقترب من صفحة الماء ، انه يدنو من سفينتى التى جن جنونها ، فطفقت ترقص على أهازيج المويجات فرحا به ، رقصة العيس على أنغام الحادي .
لقد اعترتني فجأة رهبة شديدة وامتلكني فرق مقيت فى هذه اللحظة الفريدة وسط هذا المحيط الهائل . بيد أننى سرعان ما أحسست بالانعتاق ، وبالجوهر الخالص أتحد واياه ، وبالنشوة . فقد اضمحلت من ذهنى كل مقاييس الزمان والمكان ، وأصبحت خفيفة كنسمة السحر ، طليقة ، جذلى .
إنها لعمري للحظة خالدة ، منقطعة النظير ، تلك التى أراد القدر أن يحقق لى فيها أملي فيجمع بيني وبين شهرزاد .
صديقتي العربية الابية واقفة أمامى بجسمها المستدير ، وقدها الاهيف ، تلوح لى بيدها وتبتسم . قفطانها المغربي ، وطاقيتها المشرقية ، وبابوجها التونسى ، أضفت على جمالها مزيدا من رونق ، وعلى جلالها فضلا من مهابة
أقبلت صديقتي ملبية دعوتى ، مريدة انقاذى . ان فى اقبالها انتصارا للأمل ، وغلبة للفكر ، وتفوقا لعرى الصداقة والمحبة
هى ذى شهر زاد تنزل من مركبتها الفضائية ، تتبعها تودد ، الجارية الفصيحة ، النبيلة ، السخبة ، " التى وصلت الى شئ لم يعرفه الا الراسخون فى العلم " . وها أنذا أتقدم نحو صديقى يدفعني خفقان قلبي ، وتحرك اختلاجات جوارحي
استجاب القدر ، فأغدق علي نعمته فى هذا الصباح ، اذ أوحى الى اليم ان يستحيل زرابي من حرير مبثوثة تحت أقدامنا ، وأوحى الى السماء ان تجعل هالة من أثير تظلل أرواحنا .
يا للنعيم ، يا للنقاء الفذ ، يا للرقصة الابدية العذبة ، كأنها الارض ينزل عليها الرذاذ فتهتز وتربو
واذا أنا أقبل على شهر زاد لثما وتقبيلا ، وقد طوقتها بذراعي شوقا ومحبة ، واذا هي تغمرني بفيض حنانها سائلة فى دهشة واستغراب
- ألا تعلمين يا بلقيس أن في الابحار أخطارا وأهوالا ، فما الذي دفعك اليه ؟
قلت :
- لقد ضقت بالمكر والنكر يا شهرزاد ، وانفت من الاقامة بينهم .
قالت
- هذا كلام بالجملة ، فهاتى التفصيل
قلت :
- جارية هاربة يا صديقتي من واقع ظلوم بكتنف المرأة العربية المثقفة ، المناضلة ، التواقة الى الاسهام فى بناء مجتمع عربى أصيل
قالت :
- واقع ظلوم
قلت :
- أى والله ، واقع ظلوم يخنق مواهب المرأة خنقا ويعطل مبادراتها تعطيلا ، فيغتال طموحها ، وبئد انتاجها ، ويستغل طاقتها ، ويستبد بجهدها . انه الحيف والظلم يا شهرزاد .
فهل لي أن أذكر لك يا أختاه أمر الفنانة الموسيقارة ، الكاتبة الاديبة ، فقد أسكتوا صوتها ، ووأدوا انتاجها
أو أمر الباحثة الخبيرة ، فقد أحبطوا عزيمتها
أو أمر الصحافية الممتازة ، فقد أطفأوا اسمها اللامع
أو أمر الممثلة القديرة ، فقد أضربوا عن تقديم مسرحياتها
أو أمر المرأة العفيفة التى دسوا لها الدسائس لانها استمسكت بمكارم الاخلاق ، وما اعتمدت سوى قيمتها الذاتية فيما نالته بجهدها .
وهل لي أن أذكر لك أيضا يا أختاه فداحة خطب هذا الواقع الذي ما زالت فيه نساء كثيرات يعتقدن أن قيمة المرأة فى جسدها دون فكرها ، فى زينتها دون أخلاقها ، فى مدى اهتمامها بالمظاهر والهوامش المستفزة للغرائز دون عفتها .
وتخاطبني شهرزاد خطابا فيه انفعال وحسرة
- إنه واقع ظلوم حقا أخشى منه على العربية المثقفة الشعور بالغربة بين أهلها وذويها . بالامس وأدوا المرأة ، واليوم يستخفون بها امتهانا لها يا للمظلمة تسلط على العربية فى المشرق والمغرب
وتنظر الي صديقتي بعينين ذاهلتين فى طرفهما حور ، ولسان حالها يتفجع لواقع العربية المثقفة ، المناضلة ، ويثور على المكر ، والنكر ، والخداع
وترفع تودد العالمة الاديبة رأسها ، فتلوح قسمات وجهها معبرة عن فكر عميق ، واحساس رقيق ، واستنطاق للتاريخ دقيق
وتصمت ساعة ، ثم تقول مخاطبة شهرزاد بصوت ملؤه الثقة والحزم
- سيدتى ، لا يحزنك واقع المرأة المناضلة فى بلادنا العربية ، فمهما شاع المكر بين الناس رجالا كانوا أو نساء ، فان الانتصار لا محالة سيكون لها
افلا يحق للمثقفة المناضلة أن تنجح فى الحياة اذا اتخذت من المثل الأعلى اماما ومن العمل الشريف منهجا ؟
أفلا يحق لها أن يكون لها أثر يذكر ، وشأن يحمد ، وأدب يعرف ؟
أفلا يحق لها أن تكون صاحبة رأي وتدبير ؟
أفلا يحق لها أن تجد مكانها تحت الشمس
إنك قد سهرت يا سيدتى ألف ليلة وليلة نضالا فى سبيل كرامة المرأة ، تروي للرجل على احترامها واعتبارها كائنا يفكر ويحس . إنك جاهدت الف ليلة وليلة فكان النجاح لك ، وكنت أسوة حسنة لكل النساء اللائي يأبين الاستسلام للضعف والرضوخ للظلم
وما إن فرغت تودد من كلامها حتى قلت
ألف ليلة وليلة ، ألف دليل ودليل على مصابرة المرأة واحتمالها للمكروه . ألف حجة وحجة بها تبرز قدرة المرأة على الاستجابة للعقل دون العاطفة . ألف عبرة وعبرة لكل من يساوره وسواس امتهان المرأة أو الأذناب فى حقها .
وتضئ وجه شهرزاد ابتسامة مختصرة ساحرة ، فتمسك بخصلة من شعرها الاسود الغحرى الذى ضرب العنبر فيه ، وتفحصها بين أصابعها متلاعبة بها ، قائلة فى شاعرية مازحة :
- علمت شيئا وضاعت عنك أخبار . إن ألف ليلة وليلة ، يا هذه ، يا أخية ، هي رقصة حسين التقيا فى ليلة قد ادلهمت ظلماتها . ألف ليلة وليلة هي ارتشافات بطيئة ، شهية ، لخمرة العشق واكسير الهوى . إنها اتحاد فكرين ، وانسجام جسدين . إنها صلوات فى هيكل الحب " على أنغام قلبين يخفقان على إيقاع لحن شجي
وتسكت شهر زاد طرفة عين ، ثم تستطرد قائلة فى حبور وراحه بال لا حد لهما :
- كم وددنا يا أخية لو لم يدرك ليالينا الصباح . فقد بلغ الانسجام بيني وبين شهريار ما بلغ ، فى تلك الليالى ، حتى كأننا ننعم فى جنات تجرى من تحتها الانهار . كنا معا ، هو وأنا ، متحدين روحا وفكرا . كنا نناجى اذا سجا الليل ، ولا يدركنا الصباح الا وقد ذبنا لذة
وتسكت شهر زاد ثانية ، وتطرق مليا كأنها تستتمتع بالصمت تم تقول :
- ما أتفه حياة المرء يا أختاة ، إذا لم يحقق فيها صاحبها الاتحاد بين الفكر والجسد .
وانتعش بحديث صديقتي فأقول
- إن ليليكما يا شهرزاد ليالي " إمتاع ومؤانسة " تزخر علما ، وفكرا وعاطفة ، ورهافة شعور ، ودقة احساس . ليليكما أشعار وألحان رواها الدهر ، وتغناها الناس ، فترنمت بها كل امرأة أصيلة ، عفيفة ، واعية تقدر الحب ، وترعى الود ، فلا تخون " الرباط المقدس "
وتقاطعني شهزاد فجأة فتقول :
- ذكرنا الليالي فتهنا ، إنى سكرت بالذكريات حتى انتشيت . ألا نعود الآن الى أمر العربية المناضلة يا صديقتي ؟
وتصمت بلقيس الراوية كأنها قد انتابها فتور ، فتسرع احدانا اليها ، وتناولها شرابا مزاجه رحيق ياسمين . واذا هي تقول هامسة :
- يا قوم ، لم تكد شهر زاد تفرغ من كلامها ، حتى تلبدت السماء بالغيوم وطفقت العاصفة مزمجرة ، وانبرت الامواج متلاطمة ، متصارعة . وتجهم الجو ، واكتأبت النفس ، ولم يبق من أنيس غير رائحة الطحالب وأعشاب الماء تصعد متضوعة كأنها ألسنة من رماد صنعتها أيدى الجن والمردة
" ماذا أصاب الطبيعة يا ترى ؟ أهى فى حداد ، أم هي ترمي الحمم غضبا من سوء فعل البشر ؟ أم هو اليم ينقلب رأسا على عقب تنديدا بمكر الناس وما يأتونه من اثم كثير ؟ " بقيت واجمة ، عاجزة عن الحراك وقد أشفقت على نفسي من سوء المصير . نطقت بالشهادة وناديت مستنجدة : " شهر زاد يا شهرزاد ، تودد ، يا تودد . أين أنتما ؟ أين زورقي ؟ الاعصار يداهمنا ، الى أين المفر ، الى أين ؟ الى أين ؟ " .
وما زلت أستغيث وأسستنجد ، واذا بموجة كالقلعة الشامخة تدفعني دفعا صرت به طائرة فى الفضاء : " الاهى ! ما هذا البأس الشديد الذي يعبث بى ، فأشعر وكأننى فراشة هائلة أطوى المسافات طيا ، وأخترق الحب وأتكشف على عالم أرحب وانقى من ذلك الذى كنت فيه بجسم مكدود وفكر مغفل ؟ وما هدا الصفاء يصافح بصرى ونفسي ، فيعزلني عن الكون ويصهرنى فى عالم الخلود ؟ . " لم يعد يوجد فى طريقي مكر أو خداع ، نكر أو شر ، كل شئ هنا صدق وصفاء ، عبقرية وجمال .
وفي ومض البرق ينقلب المشهد من حولى مرة أخرى ، فأجد نفسى فى قصر من الطراز العربي ، تطل شرفاته على حديقة غناء ، بها بحيرة تسر الناظرين هندست وأغصان الشجر المنعقدة عليها
لقد تفاقمت دهشتى ، واستبد الشك بعقلي . " أفي يقظة أنا أم فى منام يا ترى ، أم في روض من رياض جنة النعيم ؟ لكأن عجائب الدنيا وغرائبها قد اجتمعت في هذا اليوم لتبلوني وتعلمني كيف أتخلص من البؤس الذي أتخبط فيه " .
وبينما أنا غارقة فى حيرتى ، اذ دخلت على شهرزاد تتبعها تودد فى حشد من الصبايا الحسان ، كواعب أترابا ، يحملن طنافس مطرزة لم يلبث أن وضعنها على الارض ثم انصرفن فى حياء مسلمات
وأشارت على شهر زاد : أن اجلسي ، فأسرعت اليها أسألها متلهفة حيري :
- هل لى أن أعرف ما حدث يا شهرزاد ؟ إن الخوف يكاد يقتلنى .
قالت فى عطف يزاوجه مرح شديد
- كيف يخاف من يركب اليم ، ويتسلق الفضاء طلبا للخلاص من أدران الناس يا بلقيس ؟ كيف يخاف من يخرج ساعات ساعيا الى نصرة الحق ، باحثا عن جوهر الحقيقة ؟ شاهدناك يا أختاه فى عرض البحر تتألمين من مأساة العربية المثقفة المناضلة ، فأسرعنا اليك أنا وتودد قائلتين
" البحر يهيج لوعة المحزون ، فلم لا نخطف منه صديقتنا ، ونطير بها الى مكان آمن تستطاب فيه الاقامة ، ويحلو التحاور والتأمل ؟
وجئنا بك الى هنا ، الى حاضرة المستقبل العربى ، مدينة الغد الجديد " .
قلت فى دهشة :
- حاضرة المستقبل العربى ؟ كيف وصلنا اليها ؟ من هم سكانها ؟
قالت شهرزاد
- أوصلنا اليها الطبق الطائر ، أسرع ما حققه جمهرة المهندسين والمهندسات فى مخبر الابداع الفضائى
إن فى المدينة يا بلقيس نساء ورجالا نشأوا على درب الجد ، ودرج الجهاد ، وحب الخير لكل كائن حى . وإنك لترينهم حراصا على إزاحة الصدإ الدى شوه وجه الحضارة العربية الاسلامية . سترينهم يعملون والعرق يتصبب من جبينهم ، والابتسامة تعلو محياهم
ان العمل يا أخاه درع واقية من لدغ الفقر وخطر الانهيار
العمل هو السلامة والصحة . هو بؤرة الامل وانشودة الانسان .
وتقترب تودد منى ، فتناولنى آلة كاشفة أضعها على عينى فأبصر
قاعات للدرس والمحاضرة سميت بأسماء عباقرة الاسلام من علماء ومفكرين .
هذه " قاعة ابن سينا " بأجهزتها المخبرية ، وآلاتها الطبية يعمرها الباحثون والباحثات فى الكيمياء وعلوم الانسان
وهذه " قاعة أبى العلاء المعري " تزخر بالكتب والمجلدات ، قد غصت بالفتيان والفتيات المنصرفين الى تحليل المقولات الفلسفية المتعلقة بالخير والشر وفلسفة الاخلاق
وهذه " قاعة أبى حامد الغزالي " المفروشة بزرابى قيروانية يرتفع منها صوت أستاذة تحاضر فى تاريخ الاسلام ، ودخول الناس اليوم فى دين الله أفواجا .
وهذه " قاعة الخنساء تتدلى من سقفها الثريات ، يضيف نورها نورا الى قلوب الجالسين لدراسة " العربية لغة الابداع الفكرى والحضارى "
وقاعات كثيرات غيرها تدرس فيها المعارف بأنواعها من تاريخ : ورياضيات ، وجغرافيا ، وسياسة ، واقتصاد ، وفلاحة ، وفنون جميلة . .
عجبت مما هنالك ، وأحسست بمشاعر العزة والنخوة والاطمئنان ترفعني فتجعلني أعلى منزلة . انها صورة العالم العربي الاسلامى متجذرا فى تراثه ، متأصلا فى تاريخه ، ومنطلقا نحو حضارة انسانية جديدة
وبينما أنا غارقة فى دهشتى ، يأتى صوت شهرزاد لينبهني قائلا :
ذاك هو الغد في وطننا العربى أيتها الصديقة ، امه ناسها مجتهدون لا يهزلون أمة عزيزة بعلمائها ومفكريها ، منيعة بقادتها وساستها ، ثرواتها درع لها ونعمة من الله على أهلها . أمة نساؤها ورجالها متآزرون ، يسوي بينهم السعي والعمل لمجد " المدينة العربية الجديدة "
وينتابي الفرح أيها القوم ، وأشعر بسكينة لا حد لها . ابتسم ، ثم أقول لصديقتي الأبية ، الاصيلة العربية
- أسمع صوتا يقبل من بعيد ، فينتشر صداه فى الفضاء يا شهرزاد . الصدي كأنه غمغمة لا تلبث أن تتضح شيئا فشيئا . إنه صوت يناديك . شهرزاد ! يا شهرزاد !
يا من أحببت دمشق وكنت زينة بغداد يا من نزلت القاهرة وكنت الى تونس مشتاقة ويزيارة القيروان حالمة ، يا من طار صيتك في مدينة فاس وربوع مكناس ، ان النساء العربيات المسلمات الصالحات يرفين طهورك عودى اليهن ، عودي ، عودى
ويغمر شهرزاد تأثر عميق . وتنتصب أمامها تودد ، تناولها كتابا ولا تقول شيئا
تسلم شهر زاد الى الكتاب بيمينها ، ثم تنصرف ولا تقول شيئا .
كل شئ مقفر حولى ، وأنا فى اليم ، يسير بى زورقى .
وأفتح الكتاب فأقرأ : " شهر زاد لبلقيس "
