الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

وفاء الاصدقاء

Share

يقول الشاعر العربى القديم .

واخوان تخذتهمو دروعا فكانوها ولكن للاعادى

وقالوا قد صفت منا قلوب لقد صدقوا ولكن عن ودادي

وقالوا قد سعينا كل سعى لقد صدقوا ولكن فى فسادي

تلك شكوى الأجيال الصارخة من الصداقات الواهية الكاذبة واصدقاء هذا الزمان هم كاصدقاء كل زمان : يكثرون عند النعمة والاقبال ويقلون عند المحنة والادبار ، وتلك طبعية النفوس ، مالها من محيص على ان من صداقات هذا الزمن لونا جديدا يتميز عن كل لون سبقه بالظاهرة التى انطبع عليها قالبه وهذا النوع من الصداقات يتمثل فى " المادة المكشوفة " فهذه الظاهرة وان كانت موجودة فيما مضى من اجيال الا انها قد تضخمت الان تضخما هائلا جعلها " فصيلة " حديثة مستقلة تقريبا عن زميلاتها السالفة .

ومن امثلة هذه " الصداقة " العجيبة المظهر والمخبر انه اذا كان لزيد لديك مصلحة ما فانه ليقسر نفسه راضيا مطمئنا هادئا على موالاتك ويلازمك ملازمة الظل لايريم عنك ولا يتحول فاذا قضى وطره وانجز مصلحته فسرعان ما يقلب لك ظهر المجن وسرعان ما يحقرك ويزدريك ولا يكتفى بذلك بل يعمل لاحباط مساعيك وانت الذى قد جهدت فى انجاح مساعيه بدل ان ينكرك ويفديك .

وقد سبق ان حللت اضواء البحوث العلمية احوال الصداقات ووجهت سهاما مسمومة من النقد الصارخ الى الكاذب المغرض منها ونبهت على مضارها وشرورها ، ودعت الى تجنبها وتجنب اهلها وابرزت سماتها وصفاتها مكبرة مجسمة ضمانا للوقاية منها .

وهي مع ذلك تمثل الوفاء النادر بالنسبة لما ارتكست فيه الصداقات الان من " طينة المادية المكشوفة " التى اشرنا الى بعض مظاهرها انفا ، وقد انحط بها هذا الارتكاس الوبيل الى فقدان الشخصية والى سرعة الانهيار ، واحاطتها فى كل مجتمع بشتى ضروب الشك وسوء الظنون وحبائل الارتياب اصبحت حقيقة أمرها او حقيقة امر اكثرها :

كريشة فى مهب الريح طائرة   لا تستقر على حال من القلق

فاين هم اولئك الاصدقاء الاوفياء الذين كان يتغنى بهم الشعراء ويمجد قصصهم الادباء وعلماء الاخلاق ؟ !

ان مصباح " ديوجنيس " ليتضاءل اليوم عن تعرفهم واكتشافهم

اشترك في نشرتنا البريدية