الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

وفيات الاعيان

Share

اختطفت يد المنون في يوم ٢٥ من شهر صفر عالما جليلا من علماء هذه البلاد ، واحد اعلام الفقه والقضاء فيها وذلك هو فضيلة السيد محمد المرزوقي ابو حسين أحد الاعضاء ) البارزين في مائة لمراقبة القضاء ووكيل رئيس القضاة فى غيابه وقد شعر الناس لعظم المصاب بفقد هذا العالم المعمر الكبير

نسبه

يقول علماء الاحياء : ان للبيئة التى يولد فى محيطها المرء كثيرا من الآثر فى توجيهه وتكييفه وكانت البيئة التى ولد فيها المترجم له بيئة علمية فابوه وجده لأم ، عالمان . فاما أبوه فهو عبد الرحمن الذي قدم من مصر إلى مكة عام ١٢٦٠ ه وجاور بها وطلب العلم على السيد محمد حسين الكتبي وتزوج بها على ابنته المرزوقة له من بنت مقعى المالكية بمكة السيداحمد المرزوقي وقد أنجبت له المترجم فسماه والده بمحمد المرزوقي وفى تفاؤلا بان يكون فى العلم كحده لأمه المذكور .

وكان عبد الرحمن والده أحد العلماء المدارسين بالسجد الحرام في مكة وكان جد امة لأب السيد محمد صالح الكتبي المفتى الحنفى بمكة وقد تلقي عنهما العلوم وكانا ممن أجازوه من العلماء وكان جد أنه السيد أحمد المرزوقي مفتيا للمالكية بمكة .

وأما والد أبيه عبد الرحمن فهو محجوب بن منصور ابو حسين الحسيني نسبا

مولده

ولد السيد محمد المرزوقى فى مكة فى اليوم الحادى عشر من شهر ربيع الاول عام ١٢٨٤ وسر والده به سرورا بالغا اذ كان ابنه الوحيد وقد شاركه زمرة من شعراء مكة فى ذلك الجيل سروره ، لمكانته الاجتماعية فنظموا له القصائد وقدموا اليه قلائد المقطوعات الشعرية التى تتضمن تاريخ ميلاد ابنه على النمط الذي كان سائدا فى ذلك الجيل

ومما اطلعنا عليه فى هذا الباب قصيدة لأحد أولئك الشعراء هو الشيخ عوض الكاتب بالمحكمة الشرعية قدمها الى السيد عبد الرحمن تهنئة له بالمولود ومشاركة له فى عاطفة السرور . ونحن ننشرها هنا لما تدل عليه من مظهر الحفاوة والتقدير ، وننشرها تسجيلا لتحقق مالمح اليه الشاعر فى قوله عن الطفل المولود يخاطب أسرته :

يهنيكمو نيل المسرة والهنا بحليف مجد بالكمال حقيق

فقد شغل المترجم عدة مناصب علمية وقضائية وإدارية هامة فى البلاد كما سيأتي بيانه ، رغم تطور الحوادث وتقلب الإحداث ، وننشرها من جهة أخرى تسجيلا لهذا اللون التاريخي المعتاد من شعر " المناسبات " فى الولادة والقران مما كان سائدا معنيا به فى آخريات القرن المنصرم وفيما قبله من قرون . وهو ما لا نزال نلمس بعض آثاره ونقاياه فى هذا الجيل . قال الشاعر .

قمر بدا فى طالع التوفيق        قوت به أعيان كل صديق

وجلت بشائره عن القلب الصدافكأنها تجلو كؤوس رحيق

وتأرجت أرجاء مكة مذ بدا     فكأنها قد خلقت بخلوق

لله من نبأ به وافى الهنا                 لحليف توق للقاء مشوق

وافى فخلنا الليل أمسى لابسابعد الدجنة حلة التشريق

أهدى لنا أنباء مولد ماجدمن آل بيت الصادق الصدوق

لما رأته الشمس فى أفق العلا قالت له هذا أخي وشقيقى

لاحت عليه للنجابة آيةهي للسعادة آية التحقيق

هو نخبة السادات والصيد الألىمن خير بيت فى الفخار عريق

قوم إذا افتخر الكرام بنسبةبين الورى كانوا أعز فريق

ما منهم إلا إمام فاضلأو مرشد يهدى لخير طريق

سبقوا الى العليا من سبقوا لهافحظوا بفخر ليس بالمسبوق

فمن اشرأب الى منال فخارهمقلنا له ماذاك بالملحوق

أبنى الكرام الحائزين من العلا   مالا يحيط بكنهه منطوي

يهنيكمو نيل المسرة والهنا       بحليف مجد بالكمال حقيق

قرت به عين الأمانى بعدما كادت تغص لبعده بالطريق

سرت بمولده الملا وتبسمت رتب العلا مذ بشرت بخليق

واستوضحت سبل الهدى لما بدا فى طالع الاسعاد والتوفيق

والدهر بالتاريخ أبدى فرحة   لما رجى بمحمد المرزوقي

المجموع : ١٢٨٤ ه  ١٧  ٦٨٨  ٧١  ٢٠   ٩٤  ٣٤٩

وإذا جاز لنا ان نلمس بمبضع التحليل هذه القصيدة فنقول : يفهم من قول الشاعر :

قوت به عين الأماني بعدما   كادت تغص لبعده بالطريق

أن مولد المترجم كان بعد تشوف عظيم من والده فقد كان يائسا او كان كاليائس من إنجابه فحظى به بعد لأي وبعد أمد مديد ولذلك :

سرت بمولده الملا وتبسمت    رتب العلا مذ بشرت بخليق

أما اسلوب القصيدة فكما هو واضح ، أسلوب القرن الثالث عشر الهجرى بعينه وهو الأسلوب الذي لم يحركه نسم " البعث " والتحديد فقد كان يخيم عليه الجو البديعي التقليدي ، من جناس لفظي يبدو فى قوله : " وتأرجت أرجاء مكة "

ومن مطابقة تلوح على قوله : " قمر بدا فى طالع التوفيق " ومن محسنات لفظية اخرى كالتصريع الذى يتمثل فى قوله : " واستوضحت سبل الهدى لما بدا : وفى القصيدة انسجام واضح فى مبانيها ومعانيها وخلت من الركاكة . وان كانت صيغة " اعيان " الواردة فى البيت الاول منها ، جمعا مشكوكا فى صحته للعين الباصرة ، وان كانت صيغة " استوضحت " الواردة فى المصراع الذي اشرنا اليه انفا ، صيغة تدل على " طلب الايضاح " لاعلى " الوضوح " نفسه وهو المعنى المنشود منها بالذات . وعلى كل فاننا إذا نظرنا إلى القصيدة بمنظار تحليل نتاج ذلك العصر لذاته فاننا نجدها تعتبر من جيد الشعر المتوسط او من متوسط الشعر الجيد إذا قيست بغيرها المحدود باطار ذلك الجيل ، وان كان الشعر الفحل الرائع في قديم الزمان وحديثه لايوائم طريقها فى الاسلوب والاستعراض وطريق الأداء . والشعراء " مرايا " عصورهم على كل حال .

نشاته

وقد احاط والد السيد ابنه هذا بالرعاية ، شان الاب الحدب على ابنه الوحيد فرباه تربية قويمة وهذبه وعني بتثقيفه التثقيف العلمى العالى بمقتضى أوضاع عصره وتراتيبه التعليمية فاستظهر القرآن المجيد استظارا أهله ليكون امام اسرته في صلاة التراويح بشهر رمضان على صغر فى سنه ثم انهمك فى تلقى العلوم الدينية والعربية حتى ثقفها وخاصة علمي التفسير والحديث وعلم الفقه

أساتيذه

وكان المسجد الحرام حينئذ غاصا بالعلماء يدرسون فيه صنوف العلم فى مختلف الاوقات . فمكنه ذلك الجو العلمي العبق من التقدم في طلب العلم والارتواء من مناهل أولئك العلماء المنقطعين للعلم . وقد لازمهم واستفاد منهم . وممن اطلعنا على ثبت اسمائهم ؛ والده ، وخاله السيد محمد مكى الكتبي وجد أمه لأب السيد محمد صالح الكتبى ، والعالم الشيخ محمد عبد الحق الأله أبادى والسيد محمد على ظاهر الوترى المدبي والشيخ صالح كمال والشيخ على كمال ، والسيد بكرى شطا

والد فضيلة السيد صالح شطا النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى والشيخ حافظ عبدالله الهندى المكى وكانت " الاجازات " العلمية فى ذلك الوقت شان ما تقدمه من زمن تقوم مقام ما نسميه الان " الشهادة العالمية " فكان الطالب اذا كمل تحصيله وانس اساتيذه براعته فى العلوم وتأهبه لتدريسها نفحوه باجازة مرسومة لها تراتيب وشروط وخطط مقررة معلومة وعلى هذه الوتيرة أعطاه أولئك العلماء الذين مرت بك أسماؤهم آنفا " اجازات " أصبح بموجبها " عالما " معترفا له بالعلم والتاهل لبثه بين الطلاب وقد جلس للتدريس بالمسجد الحرام

وظائفه :

وقد تقلب بعد ذلك فى عدة وظائف علمية بحتة وعلمية وقضائية وادارية فكان الكفء فى القيام باعبائها واحدة بعد الاخرى . تولى فى عهد الحكومة العثمانية منصب نائب قاضى مكة ، وعين فى عضوية محكمة التعزيرات ، وعضوية ادارة . عين زبيدة ، وعضوية هيئة التمييز ورئاسة هيئة الجراية ، وعين في زمن الحكومة الهاشمية فى عضوية كل من هيئة المعارف ؛ ومؤتمر الخلافة وتولى فى عهد الحكومة العربية السعودية منصب رئاسة المحكمة الكبرى في مكة ، ورئاسة المجلس الأهلي الاستشارى ، ورئاسة المؤتمر الوطني وعضوية المؤتمر الاسلامي بمكة ، واخيرا عضوية هيئة رئاسة القضاة ووكيلا لرئيس القضاء حين غيابه .

ملامحه واخلاقه

وكان قمحى اللون طويل القامة ، نحيف الجسم ابيض الشعر كث اللحية عريض الجبهة ، واسع الانف مع شمم فيه واسع العينين ازج الحواجب سبط الاصابع ، وفيه بعض احداب لازمه ايام الدراسة لجده وانكبابه على المطالعة

هذه صفاته الجسمية ، أما صفاته النفسية فقد عهدناه دمث الاخلاق طلق المحيا ، هينا رقيقا ، معتدلا رزينا ، كيسا لطيف المحضر متواضعا ، لبقا حسن التصريف والتقدير لما يناط به من امور لما يحوط به من اجواء وتلك عبقرية

نادرة تستحق التسجيل وقد اشتهر بتبحره في الفقه الحنفي وبخبرته في شؤون القضاء ، وكان حريصا فى المحافظة على اللغة العربية الفصحى ، فى احاديثه وبحوثه ، ودفن بالمعلاة فى مقبرة السادة العلوية

رحمه الله رحمة واسعة وانابه الغفران والرضوان .

اشترك في نشرتنا البريدية