الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

( وقدر فيها أقواتها )

Share

عند شروق الشمس رأيت عصفورا ناحلا خفيف الجسم والحركة يقفز فوق سيارة مهملة امام منزلنا ، قفزات سريعة خفيفة ، فاسترعى انتباهى . . وكان على سطح السيازة فتات من الارز والخبز ، وتمرتان ملتصقتان ببعض ، والعصفور الصغير منهمك فى معالجة تناول افطاره المفضل من هاتين التمرين وحدها . . وكأنه كان يخشى رقيبا او صائدا او منافسا خطيرا ، فهو لا يفتأكلما نقر نقرة فى تمرتيه ان يطير عنهما سريعا ثم يحوم قليلا ويعود اليهما ثانية ، حينما يأمن المكر والغوائل والحوادث ليكرر العملية فى خفة ورشاقة

وبعد غروب الشمس شاهدت فى زاوية الدار قطا يلتهم فى نهم حمامة صغيرة اصطادها من فوق " شجرة نبق ملتفة " الغصون ، ريانة الجذع ، وكانت الحمامة وادعة مطمئنة ترتل أناشيدها المطربة فى نشوة وايقاع بديع . . وكان بجانب القط قطع متفرقة من خبز وطعام ، ولكنه آثر هذه الحمامة التى اصطادها بمخالبه وبخفة حركته وسرعة وثباته .

وفى عرض الشارع عند قيلولة الناس كنت مارا بالشارع فرأيت سربا من الحمام المطوق محتشدا فى قارعة الطريق على وليمة فاخرة تألفت من حبات قمح منثورة

متراكمة ، لا أدرى كيف ألقيت فى هذا المكان المنزوي من الشارع ، الا ان الحمام قد اهتدى اليها بفطرته فهو يزدردها بشراهة واشتهاء .

وفى حقل زرع فيه الشري من بطيخ وخيار وقثاء ، رأيت ذات مساء فلاحا مع أسرته محلقين على مائدة تكونت من خبز ملة ، صنعوها من ذرة انبتت فى ضيعتهم وهم يأكلون زادهم بمشهيات من توابل الكراث الزاهي الاخضرار ، والبصل النحاسي اللون ، والطماطم الأحمر القاني ، وقد وضعوا الى جانبه بطيخة صغيرة وبضع خيارات غضة .

ورأيت دجاجة سمينة تقوقيء على ربوة عالية بضيعة نائية عن العمران ، فاذا ثعلب جوعان ما كر يكمن لها خلف جذع شجرة يابس ، ثم ينقض عليها فاذا هي وديعة واجفة بين مخالبه ، وقد ذهب بها بعيدا فى جنح الظلام ليتعشى بها فى منآى عن أنظار الرقباء والحساد والأصحاب .

وهذه الدجاجة نفسها طالما نبشت بمخالبها الحادة المعقوفة عن الحشرات فى باطن الارض فابتلعتها ، وطالما تغذت بصغار النمل والعناكب وبكبارهما .

وفى الواحة الموغلة فى الصحراء رأيت جماعة من الاعراب يعمدون الى شجر الدوم فيلقون بحجارة على ما يحمله من ثمر ، ويتخذون من دقيق هذا الثمر مادة لغذائهم المفضل .

وشاهدت بدوا فى البرية يعمدون الى سنابل " السيال " البرى الذى يشبه فى حجمه الدخن ، ويتخذون منه " عصيدة " لذيذة تقيهم غوائل الجوع ابان القحط والاملاق .

وتلك نعم من ضأن وجمالة وبقر تذهب الى المراعي ، وتسرح خلالها ، وما غذاؤها إلا الأب والقضب وورق الشجر وشوك السلم وما أشبه . انها تتغذى وتسمن وتكبر على اساس هذا الغذاء النباتى الشهى .

وفى الجو رأيت طيورا كبارا جوارح تلتقط صغار الطيور ، لتأكلها فهى لها طعام ينجيها من استبداد شياطين المسغبة الفتاكة .

وتجري مياه الانهار ومياه السيول فتمر على منابت الشجر والنبات ، فتتغذى جذور هذين مما يحمل اليها الماء من مواد عضوية وغير عضوية ، وتشرب جذوع النبات والشجر وترتوى فروعها من هذا الماء فاذا هما اخضران زاهيان . ان لهما من الماء ومحتوياته غذاءا وشرابا وقوتا لذيذا مقويا .

وفى البحر اسماك كبيرة ؛ كانت صغيرة ، وقد كبرت مما تطعمه من صغار الحوت وخشاش البحر ونباته . وقد رأينا هذه الاسماك الكبيرة مطروحة بأجسامها الضخمة فى الاسواق لقد صادها الصيادون من عرض البحر واعماقه بشباكيم المعقوفة المسنونة ، فهى مادة لافطار قوم وغداء لآخرين وعشاء لغيرهم .

وتلتصق خشاشة أودودة ضئيلة بكل قواها على جذع شجرة ، او على طرف وعاء عسل او على جمل أو على قوص من الخبز أو على سكرة كبيرة أو صغيرة وذلك لتستمد منها ما يسد رمقها بقدرة القادر الحكيم .

وهناك سبع ضار ، يجثم فى مغارته بالجبل ، او فى عرينه بالغابة ، على صدر صيده الذى هو حمل وديع أو غزال رقيق الحواشى ، فهو يلتهم عضلاته التهاما مريعا إنها قوته المفضل المقدر له أن يتناوله من على ظهر الارض . وهذا الحمل وهذا الغزال لقد نموا على لبن أمهما ، وأمهما طالما تغذت بالعشب وبفتات ورق الشجر ونجم البر ، وهذان انفسهما انما نموا على المواد العضوية وغيرها التى ساقها اليهما سائق المطر والرياح والغدران والأنهار .

وبعد فان : الذي أثار هذه الخواطر ، هو البهر من حكمة اللطيف الخبير الذى اتقن كل شئ صنعا والذى خلق الأرض ، وقدر فيها اقواتها ، تقديرا دقيقا شاملا يعجز الادراك عن وصف كنهه ؛ وتجل حقائقه المتشابكة المعقدة وتدق عن الوصف وتسمو عن البيان ، فكل من على الارض وكل ما عليها من حيوان ونبات ، هيء لهم قوتهم المقدر ، فهم يتناولونه بتقدير الحكيم اللطيف ، وهم ينمون ويعيشون ما قدر لهم ان ينموا ويعيشوا على اساس هذا القوت على أى لون كان ، وقد يكون هذا القوت نفسه يقتات بغيره ، وقد يكون هناك تسلسل بين الاقوات والمتقوتين بها ، وقد يكون تقارب بين انواعهما ، وقد يكون تباين بين اجناسهما ، والجامع الوحيد والحقيقة الماثلة المحسة المدهشة فى الجميع هي ان الله قدر لكل من على الارض . قوتا فيها ومنها ، وانه قدر هذه الاقوات فيها على قدر حاجة من يقتاتون بها من دواب واناسى . وتلك حكمة آلهية عالية تحمل مصداق قوله تعالى فى كلامه المعجز الباهر الذي بهر اعجازه كل العقول وقهرها : " وقدر فيها اقواتها . وصدق الله العظيم

اشترك في نشرتنا البريدية