(( إشارات أدبية)) هو عنوان كتاب صدر فى تونس الشقيقة للأديب الاستاذ رشيد الذوادى ، الذى يعرفه الكثير من الادباء المصريين ، والذى يزور مصر بين الحين والحين حاملا رسالة الحب والاخوة بين أدباء القطرين الشقيقين.
ورشيد الذوادى أديب ومؤلف صدر له العديد من المؤلفات الادبية والتاريخية الذائعة ، ومن بينها : (( أعلام من بنزرت )) و(( أدباء تونسيون )) و (( أبطال وشهداء)) و (( حسن النورى )) و ((بنزرت أرض البطولات)) و (( رواد الاصلاح )) و (( جماعة تحت الصور )) وغيرها .
وقد قدم لهذا الكتاب أديب تونسى معروف هو الاستاذ محمد العروسى المطوى رئيس اتحاد الكتاب التونسيين الذى قال عن المؤلف وكتابه : (( الكلمة المسؤولة لا بد أن تبقى من أدوات الوعى الجماهيرى ، ولا بد أن تكون دائما ملء السمع والبصر ، وان تصبح معاناة ، وتعمل فى سبيل صقل المواهب
ومن أجل التطلعات حتى ينمو الحب فى النفوس ويمتلئ المجتمع بالاعمال الخيرة (1) )) .
ويتعرض الاديب المطوى فى تقديمه لهذا الكتاب الى العلاقة الجدلية بين الكاتب ومجتمعه فيقول : (( ... واذا كان الادب قوة هادفة - كما يقول رشيد الذوادى - فان على الاديب أن يخضع هذه القوة لرسم المناهج وتخطيط السبل ودفع مختلف الفئات الى القضايا العادلة والى الاتجاهات التى تتعاطف معها الجماهير .. وتلك هى المبادىء التى آمن بها رشيد الذوادى وكتب بها العديد من الآثار وسار على منوالها . ولم تكن هذه الاشارات الا عينة منها وشاهدا لها مع رجاء المزيد من الكلمة المسؤولة والادب الهادف )).
وأول موضوع طرقه الاديب رشيد الذوادى فى كتابه كان عن(( مسؤولية الكتابة)) .. والكتابة عنده ليست لحظات من الهوس أو اللهو ،(( إنها متعة فنية ، وضرب من المعاناة ، وفرصة للتعبير عن الموقف ، والكتابة الخالدة لا يهم الشكل الذى تصاغ فيه بقدر ما يهم فيها المضمون والافكار والمحتوى (2) )) .
إن رشيد الذوادى فى تحديده لمسؤولية الكاتب ..كتب بوضوح شديد ، وبالالتزام قوى ، مطالبا بأن يبقى الكاتب دائما فى موقع المواجهة والتصدى, ولا يجوز بحال أن يظل منعزلا عن مجتمعه فى معركة تجسيد الاصالة والدفاع عن القيم الاخلاقية والوطنية.
ثم يؤكد فى موضوع آخر أن ((الادب الذى نريده )) هو ما عبر عن حاجات النفس ، وتمثلت فيه معانى الرجولة ، وصور الواقع الاجتماعى تصويرا صادقا ..
ثم يقول الذوادى بعد ذلك ردا على تساؤلات قرائه : (( نحن فى حاجة الى القصاص الذي يعبر عن جهد الفلاح والى الشاعر الواعي اليقظ الذى ترتسم جدية الحياة علىى تعابيره ويرتبط مصيره الفردى - حتى فى أخص مشاعره _ بالصبر الكبير لأمته.. نحن فى حاجة الى من يسمعنا مثل قصيدة(( نزار قبانى )) فى حفل ذكرى انشاء الجامعة العربية هذه السنة.
فلم تعد التجربة الادبية الذاتية هي محور الرسالة للشعر أو للادب انما الذى يهمنا من الشاعر أو الكاتب هو فكرة الواعى والمسؤول ... (3) )) .
ويتعرض الذوادى فى موضوع آخر لادب المفكر والاديب التونسى الكبير محمد مزالي منوها بحبه للشعب منذ فجر شبابه ومبرزا ايمانه بالديمقراطية والحرية فيقول :(( واشتهر الرجل بأخلاقه وطيبة قلبه ، واشتهر اكثر بمنحاه الديمقراطية ..)) وفى هذا المجال يقول مزالى فى مقال له بعنوان : ( أساس الديمقراطية ) : (( فالديمقراطية بناء متواصل وعمل لا ينتهى والحرية انجاز ذاتى ووعى وترشد ، والانتخاب تعهد وتذكير والانسان المواطن هو المسؤول فى آخر الامر عن مجتمعه ، وعلى قدر مستواه وسعيه لرفع مستواه وعلى قدر علو همته ورفعته الاخلاقية تكون الديمقراطية والحرية ويكون المجتمع المتحضر (4) )) .
ويعود المؤلف للتساؤل عن مهمة الكاتب ، ويخلص من تساؤلاته الى أن الاديب هو قلب الشعب النابض ، وضمير الامة الحى ، وأنه بنضاله لا بد أن يكون من أشد الناس التصاقا بالديمقراطية والحرية ، وأن من واجبه أن يكون دائما ضميرا للناس وصوتهم الصادق.
و ((الكلمة المسؤولة )) عند رشيد الذوادى لا بد أن تنطلق من هموم الانسان وأزماته ومعاناته .
وتأثر رشيد الذوادي بمنحى المفكر محمد مزالى الادبى يبدو واضحا في كثير من الرؤى الفكرية فنحن عندما نستنطق محمد مزالى في بعض و ( جهات نظره ) ، وفي (دروبه) (الفكرية ، وفى دراساته) ، وفي (وحي فكره) نكتشف عمق الفكر النقدى فى أدب هذا الكاتب ، وهو أدب أصيل في حساسيته وتوهجاته الطموحة من أجل « إثبات الذات ، وتعرية الواقع ، وتأصيل الكيان وبناء تيار « التونسة ، التي هي مطمح شعبي في تونس اليوم وليست تيارا فكريا متزمتا أو منغلقا على النفس
إن ( التونسة وفاء للذات ) كما يراها محمد مزالى ( 5 ) ، وهى( مطلب من مطالب الوفاء للروح ( وليس فيها تنكر للقيم الانسانية الخالدة بالمرة.
(التونسة ) هي مذهب فكري نادى بة محمد مزالى منذ صدور أول عدد من مجلته ( الفكر ) سنة 1955 . . وهذا المذهب الفكري لا يناقض التفتح على المذاهب والنظريات الاخرى ؛ بل هو ينبع من طرافة الشخص ويلتزم بخدمة الوطن الاصغر والوطن الاكبر أيضا مثلما يشير الى ذلك الكاتب التونسى القدير البشير بن سلامه فى مقدمة كتاب : (( من وحي الفكر )) ( 6 ).
إن تأثر رشيد الذوادى بفكر محمد مزالى يبرز بوضوح في عديد كتاباته خاصة في كتابيه : ( أدباء تونسيون ) و ( رواد الاصلاح ) عند التأكيد على القيم الاخلاقية الاصيلة ، وعلى أصالة الكاتب وتوقه الى الحرية والديمقراطية., ثم نراه بأكثر حرارة وعمق فى (( إشاراته الادبية )) خاصة فى فصول (تساؤلات ), وفى( مهمة الكاتب) ، وفى ( تحية إلى صاحب الفكر) .
واعتقادى أن الذوادى ليس هو الوحيد الذى تأثر بهذا الكاتب; اذ هناك أدباء تونسيون آخرون أيضا تأثروا به منهم : الشاعر الصادق شرف ، والناقد محمد مصمولى ، والكاتب القصاص أحمد القديدى ، والاديب عز الدين المدنى, والناقد البشير بن سلامه رئيس تحرير مجلة ( الفكر ) .
إننا عندما نتعمق مثلا فى فكر البشير بن سلامه ونتقصى تجربة الخلق والابداع فيه نحس بنوعية خاصة من طرافة الخلق الانشائى خاصة فى فصول كتابه :( قضايا ) . فالقارىء العربى عندما يتتبع فصول ( قضايا ) ك: ( صراع فكرى وأدبي من أجل إثبات الذات ) ، و ( الديمقراطية الحق.. حركة ) ، و ( الثقافة والخلق ) ، و ( الادب التونسى منزلته ودوره فى الادب والثقافة ) ، و ( الشخصية التونسية بين جاحد ونكير ) .. قلت : إن كل من يتتبع هذه الفصول وكامل فصول ( قضايا ) يدرك حماسة البشير بن سلامه لفكر محمد مزالى ؛ فهو الذى فتح مجلته الى كل الاتجاهات ، وهو صاحب المواقف الفكرية والسلوكية ، وهو الذى واهن على التعريب وعلى حرية الخلق, وهو الذى وحد صفوف الادباء ، وهو الذى رفع من شأن الادب التونسى ، وهو الذى تصدى للاستلاب والانغيار .
وقد رأيناه يشيد بمحمد مزالى وبكتابه ( مواقف ) فى الحفل الذى أقيم يوم 14 ديسمبر 1973 بمناسبة تكريم المؤلف . . أشاد فى هذا الحفل بجهد صاحب ( الفكر ) وبأياديه على الادباء فى تونس فقال : (( وإن نفاذ )) ( صاحب مواقف )
الى سيرورة هذه الارضية وإيمانه بازالة خللها والابقاء على مقوماتها الاساسية هو إصداعه بأن الادب صدق أولا ، وملحمة ثانيا.. صدق فى ولائه للذات الأمينة ، ولا يتفسخ ولا ينحرف ، ولا يذوب ، ولا يتلاشى فى غيره ، ولا يقلد فينحدر ، وملحمة فى ايمانه بقدارة الانسان على تغيير منزلته الدنيا ، والارتفاع الى مشارف الانسانية الحق (7) )) .
وفى ( إشارات أدبية) للذوادى نرى هذا الكاتب يدعو فى فصل (( لمن يكتب الاديب ؟ )) الى أن الاديب الحق هو الذي يكتب لعامة الناس لا لخاصتهم . ويكتب الذوادى عن (( أدب الاطفال )) ويرى أن الجدة فى هذا الادب تكمن فى عنصر التشويق ، وفي اختيار المضمون ، وفي ترك الرمزية ، وفي تجديد البنية اللغوية بحسب كل مرحلة من عمر الطفل.
ثم يتحدث كذلك عن ( القصص الشعبية ) ,وعن ( الادب القصصى عند العرب ), وعن ( ظاهرة المواجهة فى الادب العربى ) ، وعن ( صالونات الادب ) ، وعن (صالح جودت ) أثناء تواجده بتونس عند انعقاد مؤتمر أدباء العرب ، ويكتب أيضا عن : ( أحمد شوقي في تجاربه الفكرية ),وعن حركات التجديد فى الادب العربى ك : ( جماعة الديوان ) ، و ( جماعة ابوللو ), و ( جماعة تحت السور ( 8 ) , الذين اتخذوا من مقهى شعبى بربض باب السويقة بتونس مكانا مختارا لهم ، وهو مقهى) خالى على ( ؛ الذى أطلق علي فيما بعد ( مقهى تحت السنور أو (مقهى جماعة تحت السور ) وأدباء ( تحت السور ) تشابهوا فى الفاقة وفى البوهيمية ومثلوا في الثلاثينات والاربعينات تجمعا أدبيا وفنيا متكاملا.. ومن هؤلاء : على الدوعاجي ، ومصطفى خريف : والهادي العبيدي ، وعبد العزيز العروي ، ومحمود بيرم التونسي, وعبد الرزاق كرباكه ، وعلى الجندوبي ، ومحمد بن فضيلة الخ ...
وهناك جماعة أخرى تحدث عنها صاحب (( إشارات أدبية)) ، وهى :( جماعة تحت الدربوز ) ؛ وهم جماعة من الادباء الكلاسيكيين الذين اتخذوا من مقهى شعبى ب (باب منارة ) بتونس مكانا مختارا وسموا هذا المقهى ب ( مقهى تحت الدربوز ) وعميد هذه الجماعة هو الشاعر محمد العربى الكبادى.
وكانت هذه الجماعة تمجد التراث وأعلامه وتستهوى أفكار الادباء الخالدين من السلف ، وأحدثت حركية فى الادب التونسى الحديث .
ولم ينس رشيد الذوادى (جماعة رابطة القلم الجديد ) ؛ التى تعد شبيهة ب (رابطة الادب الحديث ) فى القاهرة ، و ( رابطة الجبل الملهم ) فى لبنان ، وتأسست هذه الرابطة عام 1952 ومن أعضائها المؤسسين محمد مزالي ، وصلاح الدين بن حميده ، والشاذلى زوكار ، كما تحمل مسؤولية التسيير فيها الكثير من الادباء التونسيين منهم : نور الدين صمود ، ومحمد بلحسن ، والهادى نعمان ، وعبد المجيد التلاتلى ، ورشيا الذوادى ، وعز الدين المدني ، والبشير خريف ...
إن رشيد الذوادى أعطانا فكرة عامة عن هذه الرابطة وذكر لنا أن فكرة انشائها بدت محتشمة فى البداية ؛ لكن بفضل مثابرة روادها أصبحت مدرسة أدبية متميزة برز فيها تضامن أهل الفن والفكر ، وهذه الجماعة تميل الى التجديد وتعمل من أجله .
إن (( إشارات ادبية )) لهو كتاب نفيس حقا ؛ لكن حبذا لو توسع صاحبه فى بعض (( اشاراته )) مثل : ( تساؤلات ) ، و ( صالونات الادب ) ، و ( حركة التجديد فى الادب العربي )؛.. هو فى هذا الموضوع بالذات لم يتعرض الى ما رسمه الادباء عن مشاهد الظلام النفسى ، وعن هموم البؤساء ، لكنه أبرز بحق الفهم الواعى لقضية التجديد فى الادب ، وأهمل قضايا اخرى تهم العناصر الكونية للاشكالية والتفكير النقدي الحديث ، كما انه لم يطنب فى جيل الادباء الثائرين ك : السياب ، وسليمان العيسي ، وكمال نشأت ، وفدوى طوقان ، ولميعة عباس عمارة ، ونازك الملائكة ، وابراهيم ناجي ، وحافظ ابراهيم ، ومحمد الأسمر ، والشاذلى خزنه دار ، وسعيد أبى بكر وغيرهم. وإن هذا المأخذ لا ينقص من قيمة الكتاب ولا من محتواه النقدي ولكنها إشارة خاطفة في هذه ( الاشارات الادبية ) .
إن هذا الكتاب لذو أثر عميق فى الدراسات الادبية لحركات التجديد والحداثة فى الادب العربى ..وأسلوب رشيد الذوادى شائق وطريف, ولغته شاعرية ، ومعلوماته أمينة فى ترصد الاحداث الادبية ، وفي نقل الواقع الفكري بكل اتجاهاته وصوره.. وتوفق هذا الاديب في اختيار مضامين موضوعاته الهادفة والملتزمة ، وفى تقديم الصور المشرقة عن الجماعات الادبية بتونس ..وهو لعمري نجاح له قيمة كبيرة فى الساحة الادبية العربية.
