نسج الريح على الماء زرد
وأرتج على ابن عمار فلم يجد بقية البيت ، واذا بصوت امرأة يواصل القول :
أى درع لقتال لو جمد
والتفت الامير فرأى بين الغسالات امرأة من أجمل النساء ، فهام بها وخطبها وتزوجها وعاشت حظية عنده وانجبت له أولاده . وهى (( اعتماد الرميكية )) التى كانت تعرف بالسيدة الكبرى .
وكان من حب الامير بن عباد لهذه الجارية ان تسمى باسمها لما خلف اباه المعتضد على عرش اشبيلية فتسمى المعتمد وقال فيها الشعر وتوسل وتذلل , ويحكى انه من فرط حبه لها رآها ذات يوم حزينة كئيبة لانها اشتاقت منظر الثلوج على الجبال المحيطة بقرطبة فأمر أن تغرس حول القصر أشجار اللوز حتى يعوض نورها ذلك البياض الذى كان للثلج وترتاح اعتماد الى رؤية هذا البياض ، ودخل عليها يوما آخر فرآها تبكى فى صمت ولم تستطع أن تخفى عنه ما بها من غم ، وسألها فاذا بها رأت من شرفة القصر بدويات
يحملن جرارهن وهن يمشين حافيات في الطين ويملأن الجو مرحا وغناء ، فحنت الى حياتها الاولى واسفت على أن تكن بين تلك الصبايا فأمر المعتمد فسحقت الطيوب وذرت فى ساحة القصر ثم نصبت الغرابيل وصب ماء الورد على الطيوب وعجنت بالايدى حتى عادت كالطين وخاضته مع جواريها ، وعرف ذلك اليوم فى تاريخ الاندلس بيوم الطين .
ولما عزل المعتمد وأخذه يوسف بن تاشفين من قصر اشبيلية الى سجن أغمات ، كانت اعتماد الى جنبه فى السجن تغزل الصوف ، فضاقت بحياتها فى الاسر وغاضبت زوجها ولامته على ما جرها اليه من الشقاء والبؤس , واقسمت أنها لم تر منه خيرا قط فقال المعتمد قولته المشهورة : ولا يوم الطين ؟
لا شك أنا نظلم المرأة لو جعلناها وحدها مسؤولة عما أودع الله فى الخليقة من العقوق ونكران الصحبة . . الا ان ما يميزها عن الرجل ان المرأة قصيرة الذاكرة ان تعلق الامر بالنعمة وكأن لها حقا فى الدلال والاستماع لا تقبل فيه التذكير والمن ، ولكنها ، خلافا للرجل ، لا تنسى ايام الشدة ، ومن عرفك ايام الشدة اولى بذكرك ممن عرفك ايام الرخاء . ولم تنس اعتماد يوم الطين الا لانه يوم الطيب ، ولو كان يوم الوحل لما نسيته ولنفخت فى زوجها روح الجلد والصبر . ان اعظم النساء فى حياة الرجال لسن اولئك اللاتى جاءت بهن انسام الفجر فى مواكب القوة والجاه ، بل اللاتى وقفن وراءهم فى قلب العاصفة يلهمنهم ثقة بالنفس وأملا فى الفوز ويرتلن لهم أناشيد المجد . أولئك تصفو قلوبهن بالمحنة كما يصقل الذهب بالنار !
لقد كانت خديجة بمن خويلد رضي الله عنها ذات شرف ومال ولكن النبئ عليه السلام لم يكن يذكر شيئا من ذلك ، على ما أنعم الله به عليه من فضل هذه المرأة ، بل كان يذكر وقوفها الى جانبه تثبته وتقويه وتهون عليه أمر الناس .
أما الرجال فما أكثر أيام الطين فى حياتهم ! الا أنه طين لا تسحق فيه العطور ولا يمزج بماء الورد ! انه وحل يفقد المرء حريته فى الحركة ويثقل خطوه حتى يألف هذا النوع من المشى . . وحل لا تصنعه لهم أيدى النساء بل يصنعونه هم بأيديهم !

