ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
يقف التاريخ شاخصا الى الماضى البعيد فى اجلال وتوفير ملتمسا من نبل الذكرى المحمدية وجمالها ، عبرة للحاضر وذخيرة للمستقبل .
أي ذكري عظيمة تلك التي يحملها شر ربيع الاول ؟ فإن غرته لا تكاد تنبثق فى أفق الدنيا حتى تستشعر النفوس فى اعماقها خشوعا وهيبة وتحس القلوب فى قراراتها اجلالا ورهبة فتغمرها نفحات قدسية من سمو العقيدة وطهارة الدين وقبس الايمان !
أى ذكرى تلك التى تطهر الخلق وتعصم النفس من زيغ الهوى وفتنة الشيطان وتحصن الروح بأفضل العبر واجمل المواعظ ؟ ! . إنها ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم محرر الفكر ومنقذ الانسانية من ظلمات الجهل والشرك والظلم والاباحية ، فهو امين الله على وحيه ، وهو حكيم العلماء ، وسيد السادة ، ومعلم القواد ، والمجاهد في سبيل ربه واعلاء دينه بنفسه وماله ، ثابتا صابرا مصابرا محتسبا .
لقد تأذن الله للنور الجديد أن يشرق على الارواح فيستل الاضغان ويحكم وشائج الألفة وأواصر التآخي حتى كان المؤمنون اخوة وصار المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .
: ودعت الدنيا عصر الجاهلية والفوضى والفساد واستقبلت عهدا نبويا يغمره نور الهداية وتشرق عليه روح التسامي فانقشعت الغمة وزالت الظلمة وانهزم جيش الباطل وجاء الحق وتنسمت الأنسانية فيه نسيم الهدى واستنشقت عبير الايمان واستروحت نفحات الالوهية الواحدة .
وجاء النبي الكريم فنشأ نشأة صلاح ووقار لا يعرف اللهو ولا يألف المنكر يتأمل
فى خلق الله الذى احسن كل شئ خلقه ، ويتفكر فى اثار القدرة وجمال الصنعة ، يرضى ربه فتطمئن نفسه للايمان .
ومع ذلك كله فقد كان سمح الخلق طاهر النفس عظيم عظم العفة قدسى العاطفة حتى لقبوه بالأمين ، وكيف لا وقد نشأ من مهد الطفولة سليما من شوائب الغل ونوازع الحسد وبوادر الغضب فحما رسالة الربانية متحصنا بالأمانة مدرعا بالصبر محاطا بالرعاية الألهية .
رباه ربه فأحسن تأديبه فهو ذو الخلق العظيم ما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحي قام بأعباء الرسالة خير قيام مضى فى دعوته لا يخلد الى راحة ولا يطمئن الى استقرار . . دعاهم الى الحق سمو الايمان ولقى من المشركين كل أذى . . حاربه القريب وعاداه وآذاه البعيد وافحش فى الايذاء . . لكن هل يضعف الحق تعذيب او يغض من جماله اضطهاد ؟ ! . هذه الدعوة الصادقة المجلجلة جمعت تحت لوائها أشتاتا متنافرة ونفوسا متناكرة حتى أحس الجميع انهم أسرة واحدة وجاءتهم الدنيا خاضعة تضع بين ايديهم ملك كسرى بما حوى وصولجان قيصر بما جمع .
أليس نجاح الدعوة الاسلامية وظهورها مدينا لما أوتي الرسول من قوة جبارة وعزيمة حبارة صادقة واخلاص ويقين ؟ ! . . دعا اولا عشيرته الاقربين باللطف والسياسة وكان موفقا فى دعوته ، يصيب موضع الاقناع ويؤثر أقوى تأثير ، فمنهم من استجاب لدعوته ومنهم من أبى وأنكر وكفر وجحد ودعا ثانيا الناس كافة فاستنكروا دعوته وفزعوا لسلطان الآلهة الباطلة ، وحاولوا رده والوقوف فى وجهه . ولكنهم فشوا فى صدهم لأن الحق لا يخضع لقرابة ولا يتأثر لرحم . فللباطل جولة ويزول ، وللحق وقفة ويصوا والله متم نوره ولو كره الكافرون .
تمالئوا على قتله وجلسوا عند بابه واجمعو أمرهم على محاصرته ولكنه سلم مهاجرا الى الله وآمنه الله من كيدهم وعصمه من مكرهم وتمت هجرته الشريفة واحاطت عناية الله ودخل مكة فاتحا ودخل الناس فى دين الله أفوجا فاذا هو يفيض حنانا وحبا للذين آذوه وأخرجوه . . نفس عالية تفيض عفوا واصلاحا لا تحمل حقدا ولا تريد
انتقاما ولا تطلب ثأرا ولكنها تعلي دين الله وتقول : " أذهبوا قانتم الطلقاء " ما أجلها كلمة مدوية ترن فى مسمع الدهر وتسم فوق اعتبارات التفكير .
فنحن معشر المسلمين اليوم فى مقام الذكرى النبوية الخالدة نمجد فى شخصية الرسول عليه السلام البطولة النادرة كما نمتلىء اعجابا واجلالا لتعاليمه المحمدية وارشاداته السامية التى غزت القلوب فخالطت منها اللحم والدم ثم سرت فى الدنيا الى الشباب والشيب والنجود وانوهاد فملأتها نورا وضياءا . . إن هذه لذكرى لمن كان له قلب وبلاغ لمن اعتبر وتدبر ، وهي تدعونا للوئام والالتئام وتحذرنا من مغبة التنازع والفشل وتخوفنا سوء المنقلب ان حدنا عن كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فالخير كله فى الاتباع والشركله فى الابتداع والسركله فى الاخلاص .
يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا برسوله وجاهدوا لاعلاء . دينه والفوز برضوانه واقتدوا باخلاق نبينا فأنها منهاج الرشد وعنوان الفلاح وسبيل الخير .
إلهنا وخالقنا ومولانا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
