(3)
التضامن الوطنى والوفاق الاجتماعى فى تونس العصرية
ان ابرز ظاهرة تجسمت ابان المسيرة التحررية هى تلك القوة المعنوية الخلاقة التى فجرها الزعيم الحبيب بورڤـيبه فى نفوس كل الفئات وبثها فى سائر الجهات وذلك بتعميقه الشعور الوطنى الاصيل لدى الجميع فاذا هم مهما تفاوتت الاعمار والمستويات او الظروف والنزعات وحدة وطنية صماء تنصهر فيها كل القوى وتتجمع مختلف الطاقات وتنصب فى درب واحد تتبعه كل القلوب قلبا واحدا يعانى واقعا موحدا ويداعب فى مخيلته مستقبلا اوحد وللتاريخ ولباحثيه ان ينقبوا عن اوجه التكامل الوثيق بين كل الاطراف الاجتماعية والهياكل المجسمة لمشمولاتها أو الاختيارات التنظيمية وألوان التيارات المتولدة عنها ويدعموها بالوثائق والحقائق والاحداث الا ان ما يعنينى فى هذا المقال هو ان اعرض الى الجانب النفسانى فى هذا التقييم التحليلى للمنهح السياسى التونسى المعاصر . ارضية التضامن والوفاق : شرعية تاريخية ووشائج روحية ، ان اول ما نستشفه ونحن نسعى الى تحديد معالم ماهية المنهج السياسى التونسى المعاصر هو الالتحام الوثيق المتجسم فى روابط بشرية ووشائح روحية نسجت خيوطها هذه الحقيقة من مسيرة الوطن فولدت ظواهر اصبحت بحكم عمقها وديمومتها قارة فى طابعها اصيلة فى شرعيتها . ولعل من اهمها :
الديمومة الزمنية فى المسيرة النضالية مما يوجد تعايشا بشريا مكثفا اثناء الاجتماعات التوجيهية او الجولات الاعلامية او الاعمال التحريرية فقويت الروابط وتدعمت الاواصر .
- التآلف الفكرى المتولد عن المعاناة وتوزيع الجهود للمهمات المتنوعة فى تكامل تدريجى فتام بعد تأصل المنظار الموحد منهجا ومضمونا .
- الانصهار الجماعى انطلاقا من ان المعاناة فى الوضعية الموجودة شبه عامة وان منهجا واحدا يجمع بين كل الهياكل يمثل افضل اطار للوحدة الكفيلة متى تبلورت بضمان الديناميكية الكافية للحركة التحريرية والتخطيط الانمائى بعد ذلك .
- التبلور التدريجى لمنهج تونسى اصيل فى الكفاح التحريرى والتخطيط المسبق للبناء الحضارى بعد الانعتاق ، جمع حوله الآراء فى تجاوب وتلقائية اسهام واذا هى ولادة البورڤـيبيه فى عالم النظريات السياسية ونجم عنها التفاف روحى غذاه تساقط الزعماء الشهداء فى غمار الجهاد التحريرى فاصبح انصهارا مثل فى اطار مذهبى وهيكل تنظيمى اعتصره الزعيم من خلاصة شبابه وثقافته وشعبه وكان الحزب الحر الدستورى .
ان كل هذه المعطيات خلقت من هيكل الحزب ومنهجيته ومن زعيم البلاد برصيده النضالى وفلسفته السياسية خطا حضاريا التحمت فى صلبه التيارات والتنظيمات والطاقات فكانت بداية انبثاق شعاع التكامل الوطني والانصهار الاجتماعى .
ومن الموضوعية التاريخية الاقرار باصالة هذا الخط الحضارى وشرعيته لا فى التواصل فحسب بل وفى التكييف الجدرى لآفاق المسيرة فى حاضرها ومستقبلها على ان تنضاف الى العوامل الموحدة للقلوب والاعمال سالفا روافد موحدة اخرى تكميلية بحكم التطور الاجتماعى والنفسانى والفكرى الذى افرزته المسيرة الحضارية الشاملة .
• مؤشرات جديدة ورافد تكميلية للارضية صهرت المسيرة التحريرية فى المجتمع التونسى هويته ونمت ذاتيته وصقلت جوهره وجمعت اطرافة فى وحدة شعورية نضالية ، وكان الاستقلال بمثابة الولادة التاريخية الفعلية بعد مخاض الكفاح الوطنى فلا مندوحة بداهة بعد ذلك من توالى علامات النمو الصحية وتتابع معالم التطور الحركى مما يوحى مبدئيا بان المعادلة الحضارية بعد تطور التركيبة الاجتماعية التونسية تجاوزت الحدود الوجدانية الفطرية المميزة للمرحلة التحريرية لتصبح ذات ابعاد اعمق ومعطيات ادق فى المكونات المادية والنفسية لجيل ما بعد الولادة التاريخية .
ويمكن تحديد الوان من هذه الابعاد التى عمقت مضمون التركيبة الاجتماعية التونسية بشرا ومادة بالاشارة السريعة الى بعض ملامحها ...
- فهذه اولا ظاهرة التطور الفكرى الناجمة عن انتشار التعليم وتزايد عدد الاطارات المستنيرة بالعلم والثقافة . ويقود ذلك حتما الى تدعيم الثقة بالنفس عند الفرد والايمان بالمقدرة لديه والاعتزاز بالذات والسعى الى البرهنة عن قيمتها كما يسهم فى صقل الذوق واذكاء العقل وارهاف الحس وتوسيع آفاق الاطلاع والمقارنة . وبتجمع كل هذه الصفات يصبح التركيب النفسيانى فى المجتمع التونسى اكثر دقة مما يوجب الاهتداء الذكى الى افضل سبل التعامل مع جيل هذه المعطيات ز
ثم هذه ثانيا ظاهرة الديناميكية الواضحة فى تطور الدورة الدموية داخل خلايا الاقتصاد التونسى وفى حيوية النبض داخل ميادين المسيرة الانمائية فتولد عن ذلك خط تصاعدى فى تحسين الفرد لمستوى عيشه ثم فى نوع تنظيمه للمتطلبات المادية فى حياته الخاصة . وبرز التوق الى الافضل فى مكونات حياة المواطن المادية وكان التطلع عارما فانتشر السعى حثيثا للاستثمار والتنمية وتنوعت المبادرات العملية خاصة والمجال رحب فى تعادلية رفيقة تشحذ بين حين وآخر لكل ما من شأنه ان يدعم النفس الاقتصادى وفقا لعوارض التنمية ومتطلبات الوضع العالمى مع الحفاظ دوما على التوازى الاجتماعى والاعتدال المذهبى والشرعية القانونية .
وتطورت تبعا لهذه الظاهرة عقلية المواطن التونسى فى اتجاه مزيد من التبلور لذاتيته فى ادق رغباتها ولحياته فى اوجه ممارستها العملية مما يحتم كذلك تحديد طريقة توجيه وتعامل معه تراعى هذا التطور المادى المساير لما سلف ان عرضناه من التطور الفكرى .
- وهذه ثالثا التطورات المنطقية لطبيعة عمل الهياكل المجسمة لاهم فصائل المجتمع التونسى وهى المنظمات القومية فقد كان هم كل الاطراف الاجتماعية اثناء الحركة التحريرية موجها نحو مجابهة المستعمر فى اطار وحدة وطنية تبتغى اثبات ذاتها والحفاظ على هويتها والتملص من فخ اذابة مقومات الشخصية التونسية او طمس معالمها . واصبح السعى بعد الاستقلال تنزيل الممارسة العملية للمنظمات القومية فى جوهر مجالها منزلة التطبيق فى نطاق ذاتية مشمولات ميادينها . واضفى هذا العامل اثراء آخر لارضية التطور الفكرى والمادى بتمثيله مظهر ممارسة ديمقراطية للحوار بين الاطراف الاجتماعية وصيغة تكامل بين منطلقات متنوعة ومقصد امثل مشترك .
وباستيعاب المنظمات القومية لدورها فى كامل مضمونه بما يقتضيه من مبادرة وتنوع وشمول وتطوير مادى او ذهنى ازدادت حيوية التركيبة فى المعادلة الاجتماعية التونسية .
- ثم هذه اخيرا الايحاءات الحضارية العالمية فى مجالات التمذهب العقائدى الفكرى او فى ميادين الممارسة الانمائية المادية شرقا وغربا والوان حياد وسطى . وما من ريب فى ان تطور وسائل الاعلام وطرق الابلاغ وانتشار الوعى الثقافى العام والاتساع السريع لآفاق التطلع ، ومراودة حب الاقتباس للنفس وجلب بريق الاغراء لها على الاقتداء ، والتجربة المتجددة للنظريات المطروحة فى كل سوق ، من الظواهر التى اذا ما اضفنا اليها تشعب المصالح البشرية وتطاحن القوى العالمية واقتسامها النظرى نفوذها حسب توهمها جعلنا نتبين اهمية تغلغل هذه الايحاءات ومدى ما قد تضيفه الى المقومات الداخلية للارضية التى نحن بصدد رسم معالمها .
ان تحديدنا لهذه المؤشرات والروافد والحوافز الناشئة الجديدة فى اطار المعالم الحضارية المتولدة عن الهوية الثرية لتونس المستقلة ينتهى بنا الى حتمية بلورة منهجية متكاملة تساعد على تحقيق افضل صيغة تضمن تواصل تلك الرابطة الروحية والانسجام المادى داخل التركيب الهيكلى والممارسة العملية والتنظيم المذهبى فى المجتمع التونسى خاصة وان هذه المعالم الناشئة والمعطيات الوليدة كفيلة اذا لم يتم ايجاد صيغة انصهار بينها وتكامل طبيعى بين عناصرها باحداث نواة اختلاف فكرى يقود حتما الى انفصام احتماعى فتتحلل التركيبة النموذجية وتفقد عنصر التجانس فى مكوناتها . واذا ما كانت هذه الصيغة بديهية ان لم نقل شبه فطرية فى مرحلة الكفاح التحريرى وتمثلت فى وحدة روحية نضالية املتها المواجهة المريرة للغاصب الدخيل وفرضها منطق الدفاع عن الوجود وحماية الكيان وتخطيط الآفاق المستقبلية فانها تصبح متحتمة كذلك فى مرحلة البناء الحضارى لتونس المعاصرة المستقلة على ان يتم البحث فى هذه الصيغة عن المقومات الجديدة التى تنضاف حتما الى المقومات الاصيلة الخالدة لضمان تواصل الالتحام النفسى فى وحدة مذهبية شعورية والانسجام الاجتماعى فى اطار واقع عملى مشترك والاسهام الفكرى المتكامل بغية اثراء المسيرة .
ولا يمكن لهذه الصيغة ان تكون صلبة الارضية رحبة الآفاق الا اذا استمدت جذورها من الشرعية التاريخية للحزب وقائده واستلهمت مقوماتها من الاصالة النضالية للحركة التحريرية والاسهام الوطنى الجماعى فيها
وراعت تلك المعطيات المحللة عن بعض الوان التطور الحضاري للتركيبة الاجتماعية فى الواقع التونسى الجديد .
• ماهية التضامن الوطنى ومفهوم الوفاق الاجتماعى :
تمثل صيغة التضامن الوطنى المنهج الامثل لتحقيق هذه المعادلة الفكرية والعملية فى التركيبة الاجتماعية التونسية المعاصرة .
ولو دققنا ماهية هذا المصطلح السياسى الاجتماعى لتبينا جوانب عدة فى مفهومه تتجمع فى مبادئ فكرية ومظاهر عملية .
- المبادئ الفكرية فى مفهوم التضامن ومعنى الوفاق :
انها اولا الشعور الجماعى من كل الاطراف بحتمية الاعتزاز الصادق بالانتماء للوطن والاحساس العميق بالوفاء الروحى لمقوماته الحضارية الاصيلة .
وهى ثانيا الاقرار بالقيم الشرعية التى تولدت عن الحركة التحريرية والعمل على صيانة الخط المذهبى التاريخى المنبثق عنها .
ثم هى ثالثا السعى الجماعى لصياغة آفاق المستقبل والحفاظ على نسق الجزاء الحضارى المتميز بالجد والاستعمال الذكى للامكانيات المحدودة بغية توجيهها نحو افضل صيغ الاستثمار والانتاج والانماء .
-المظاهر العملية فى معنى التضامن ومدلول الوفاق :
ان هذه المبادئ الفكرية والشعورية العامة تقود الى البحث عن صيغ ممارسة فعلية حتى يتسنى تجسيم ما يحتمل فى العقل والضمير والوجدان من طموحات نحو هذه الصيغة المثلى فى التركيب الاجتماعى . ووجوه التجلى العملى فى مدلول التضامن والوفاق عديدة ومن اهمها :
• تحكيم المصلحة العليا للبلاد وللشعب فى كل وجهة نظر وسانحة تفكير او بادرة عمل ونموذج تطبيق وبذلك يكون الخط السياسى الاجتماعى نابعا من الشعب ثم منصبا فى جموعه وينبثق عن ذلك انصهار جماعى ومسؤولية مشتركة .
• صيانة وحدة الرابطة الروحية من خلال هياكل التأطير مهما كانت مشاربها المذهبية او التنظيمية .
• اقرار منهج تطبيق القانون وصيانة وسائل بلورته سواء فى مستوى التشريع او على صعيد التنفيذ او فى التعهد والرعاية .
• دعم حركة العمل داخل الهياكل المشروعة المجسمة لكافة الاطراف ودعوتها الى ان تسهم بمبادرات واضافات عملية للمسيرة الحضارية بحكم تبلور المضمون الطبيعى الذى تقتضيه متطلبات دور كل هيكل انطلاقا من الاقرار المتميز لمنهجنا السياسى والمتمثل فى ان سائر التنظيمات القانونية سياسية واجتماعية مجالات تخطيط ايجابى وتحسيس ذهنى وتنشيط حركى واسهام فى الانجاز العملى فى نطاق ذاتيتها المميزة لها وصلاحياتها الكاملة المضمونة لها ومشمولاتها القانونية التى تضبطها ماهيتها .
وبداهة ان هذه الصيغة تفند معنى الاحتواء كما تلفظ اغراء التمرد .
• التضامن ! الوفاق ! ..
ان المبادئ العامة التى مثلت منطلقا فكريا لتحديد هذه الصيغة السياسية الاجتماعية والمظاهر العملية التى تبدو مسهمة فى تنزيلها منزله التطبيق تصل بنا الى ان مفهوم التضامن الوطنى صيغة نموذجية فى التنظيم السياسى والتنسيق الاجتماعى ، اهتدى اليها المجاهد الاكبر فى فجر الكفاح السياسى التونسى المعاصر ويثرى ابعادها ويجسم مضمونها بلطف فكر وحنكة ممارسة الاستاذ المفكر محمد مزالى فاذا هى بعيدة عن ان تكون شعارا لفظيا او تزويقا مذهبيا بل هى نظرية واقعية تونسية المنبع اصيلة المنبت نحتها فى النفوس ماض عريق وكفاح جماعى ورمزت اليها اسماء خالدة ويوجبها مصير مشترك ، مما يفترض حتما تكاتف القوى وتجمع الطاقات والتئام شمل الاطراف وتكتيل كل الجهود فى تنوع خصب من المبادرات الايجابية ، وصيانة شرعية لمقومات كافة الاطراف نفسانيا وهيكليا ، وانصهار موحد فى اطار روحى عام تمليه الروابط الوجدانية العريقة ومادى جماعى توجبه متطلبات الانماء الاقتصادى ومقتضيات الانشاء المستقبلى وذلك لاعطاء مدلول التضامن ومفهوم الوفاق طابعا اشمل وابعد مدى فبعد ان كانا ابان الحركة التحريرية ظاهرة بديهية وجدانية فطرية اصبحا فى حاضرنا الراهن رمزا لنمط وعى وطنى جماعى مدروس ووفاق اجتماعى متكامل وتناغم عام فكرى وعملى فى اطار من الوطنية الحق والممارسة السياسية والاجتماعية النموذجية .

