الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

ومضة

Share

المهم عندى اننى اكتشفت فيك عالما جديدا فيه استطيع أن أتوارى بعيدا . . . بعيدا . . . وأحلم . . .

الحافلة عجوز هرمة . . والطريق ملتوية وعرة . . مما أضفى على رحلتهم الطويلة تعبا وارهاقا . . . .

جلست حذو النافذة . . . حزن أخرس يتدفق فى أعماقها هادئا . . . حيرة تمتلكها . . . أخذت تدفع أنفاسها . . . تجذب نفسا طويلا فيرتفع صدرها الى أعلى حتى يكاد يلامس الزجاج . . . تبلل الزجاج بانفاسها . . بقعة هشة تنتشر أمام وجهها فوق سطح الزجاج . . . أخذت ترسم دوائر صغيرة متشابكة فوق الجزء المبلل من الزجاج . . . كأنها تتلهى بلعبة طريقة . . . ذابت الدوائر الصغيرة المتشابكة . . . بدا ضوء الشمس أحمر نحاسيا . . . يمتد كالغطاء فوق سطح الارض عبر الضباب الابيض . . . استدارت نحوه . وكان يبتسم . . ابتسامة مشرقة لذيذة صوبها لكتلة لحم رابضة بجانبه . . امرأة ممتلئة . . . شعرها القصير مفرود على جانبى الرأس يقصه نصفين . . صدرها الثقيل قريب منه . . . ضحكت . . . ضحكة باهتة لا لون فيها . . . فبدت التجاعيد أكثر حول عينيها المنتفختين . . . فتحت فمها وتحدثت اليه . . .

هى لم تهتم لسماع كلامها . . . كانت سابحة . . تتساب أمام عينيها سهول رملية صفراء تحت سماء تشربت بألوان الارض . . .

قابعة فى كرسيها وحيدة كشواهد مقبرة الغرباء . . . جسدها تحرثه سياط الجوع . . . وتغرق فى مدى الابعاد . . . أبعاد الخيال . . .

وتتدحرج صورة كتلة اللحم من بياض عينيها . . . وترتطم بعجلات الحافلة . . فيصيب محركها الخلل . . . وتتعطل عن السير . . . ويهبط المسافرون . . . وتبقى هى وهو والابتسامة . . . ابتسامة ناعمة تطل من

بين شفتيه الرقيقتين كرأس طفل يحلم . . . تحفر فى اعماقها جداول حب . . . وترتعش رموشها . . . ويورق الظلام ببعض نور . . . وتهفو رغبة شديدة فى أعماقها بأن تقذف جسدها بجانبه . . . تضع رأسها على صدره تشكو الغربة والشوق . . .

أحست بكفه فوق كتفها دافئة عبر القميص . . ترقد أطراف أصابعه فوق اللحم باتجاه العنق . . . . كان يضغط على كتفها بكفه النهمة . . . . . تخيلت كل هذا . . . . . وأكثر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هو : انت جائعة . . ؟

هى : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  كانت تلتذ بانفاسه الدافئة . . . المتدفقة بانتظام تلامس جانب وجهها . . . فى عزلة مطبقة . . .

أمسك بذراعها . . . أحس بدفء لحم الذراع . . . استمر . . . ارتعشت ضغط أكثر . . . . هى : ان لى شهية وحشية . . . هو : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بعنف انتزعها من تأملاتها وغفوتها ، صوت سعال رجل جالس أمامها . . . بعد أن ضاق تنفسه واحتبس في حنجرته النفس الطويل الذي سحبه من سيقارته . . . جاء سعاله كعاصفة هوجاء  . . . مجنونة . . . اقتحمت عليها خلوتها . . . اجتاحت كل شئ . . . تبخر الحلم . . . تحطمت زنابق العشق الوليد . . . وعادت الى ذاتها . . . داخل اطارها . . . وحيدة . . شئ ما مثل انهيارات جليدية يتهاوى فى صدرها . . . يتمزق . . . ينز قياحا وألف سؤال ينخر . . . ؟ . . . ؟ . . ؟

وألف انتظار يزرع وحشتها . . . انتظار بلا ميعاد .

للحظة قصيرة توارت عن عينيها أضغاث أحلامها . . . واندس بصرها يتوغل فى أعماق الضوء المنسكب بصفاء على البناءات القديمة والساحات الفسيحة . . . والنآس الذين تلمحهم بطرف عينيها ثم سرعان ما يختفون . . . نزعات شتى . . . رغبات متناقضة . . . عيون غائرة وافواه مفغورة وأخرى مغلقة . . .

اقتربت الطرق ثم تجاذبت . . . ألقت نظرة سريعة وشاملة على وجوه الركاب . . . الرجل الجالس أمامها لم يتخلص بعد من سيقارته . . . لم تستطع لسبب ما أن ترفع الى وجهه النظر . . . غطت صدرها بيديها بعد أن أدركت بحاسة لا تخطئ أنه كان يلعق صدرها بعينين ملتهبتين . . .

اسندت رأسها الى زجاج النافذة فتناهى الى سمعها همس خافت أو تأوه عميق كأنفاس لاهثة . . . كفحيح . . . كآهة عميقة . . . لا تدري . . . غازلت ذهنها فكرة ماجنة . . . طعنتها فى الحال . . . أدارت رأسها الى الخلف دونما استقرار . . . أجفلت . . . شعرت باختناق أشبه بالموت . . . انتفض جسدها كطير جريح . . . الاشياء استحالت حولها الى خطوط تمتد فى فراغ لا معنى له ولا لون . . . . ثم اجهشت ببكاء داخلى كأنما تستقبل سياطا ظالمة . . . همت أن تصرخ . . . غير ان احساسا لا تعرف سره امتد اليها من الاعماق ليخرسها . . . ويجهض صراخها . . . أغمضت عينيها . . . شئ ما كالاحساس بالخوف ربما الخوف نفسه يحاصرها . . . ألصقت نفسها بحديد الحافلة . . . الحديد بارد . . . شعرت بشئ من الدوار والاعياء . . . تيار قوى لهواجس انسكبت فى رأسها ، واتجهت لتنشر دبيبا كالخدر فى أحشائها وفي أطرافها جميعا . . . وحيدة قابعة فى زاوية من الكرسى . . .

امتدت يده اليمنى تعبث بخاصرة المرأة البدينة . . . بيد أن أصابع يده اليسرى تجوس فى اللحم من خلال القميص الفضفآض . . . . . . . . . .

ادركت السر . . . . لمحت الركاب الاخرين فلم تجد فى عيونهم اية اشارة للانتباه . ولماذا الانتباه . . ؟ مؤكد انهم يخوضون كالغرقى فى بحور شتى . . . تسللت يدها الى المحفظة . . . جذبت بقايا مرآة . تابعت بعينيها قطرات عرق انسابت من جبينها حتى استقرت عند الذقن . هالها منظر الشعيرات فتهشمت تماما . . .

غابت المرئيات فى عينيها . . تبخرت . . مكثت لحظات تحدق فى ما حولها بعينين ميتتين . . الضجر يتوغل فى جسدها . . . الاشياء بلا لون تتجمع كسحابة كبيرة داخل رأسها . . تنحدر . تغرق فى أعماق بحر متلاطم الامواج . . . أمواج الشوق والرغبة والحظ العائر . . .

اشترك في نشرتنا البريدية