الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

ومن عظمة الثورة . . .

Share

اذا كانت عظمة الثورة الجزائرية - فيما يتبادر الى الذهن - متمثلة فى جملة ما اتصف به رجالاتها من شجاعة نادرة وروح معنوية عالية فان عظمتها عند الامعان والتروى لتبدو فى ديموتها الزمنية المعبرة تعبيرا ليس فيه لبس عن اصالة قوميتها ومثالية اهدافها ومراميها التى نادت وتنادى بها هذه الاجيال الجزائرية المتعاقبة ، وهكذا لا تعتبر ثورة الجزائر اعظم ثورة عربية عرفها التاريخ القديم والحديث نظرا للتضحيات الجسام ومواقف الاستبسال المشرف فقط بل هى كذلك لانها من جهة : نمخضت عن تعاطف الاجيال الصاعدة بتمكينها للاحداث البطولية الدامية  حتى تصبح مدرسة وطنية تنصهر فى جوائها نفوس الشباب الجزائرى فيتهيأ بالتالى للاضطلاغ بالرسالة التى حتمتها عليه آفاقه الفكرية والبيئية والتى سقط من اجلها ابوه أواخوه فى النسب او الموطن . وهى ايضا ثورة عربية لا نظير لها فى عديد من الاعتبارات لكونها مكنت لنفسها فى دنيا الناس الى ان اضحت الشغل الشاغل للفكر البشرى والصراع المبلبل للفكر العربى ؛ فى آفاق احداثها وتطوراتها دنيا عارمة من الانفعالات والاحاسيس السامية تقوم بها تيار ادبى حديث اصطبغ بطابعها الخاص بحيث عد لها كمرآة تنعكس عليها أضاحيها وأمسياتها ، اضواؤها وافياؤها .

وحينئذ هذه الثورة الجزائرية نعدها عظيمة عظمة ذات وجهين الاول منهما : انها تطورت فى ذاتها ولذاتها تطورا قلما توفر لغيرها من ثورات العالم باسره الامر الذى تحولت معه المواقع الحربية والعمليات العسكرية الى معهد دراسى يعد به اليافع والشاب الجزائرى لحمل لواء القومية يوم النداء وابان ينادى داعى الوطن قائلا : الستم من اولئك الذين قال اسلافهم اذا مات منا سيد قام سيد ؟؟ !! وثانيهما ان هذه الثورة المباركة مازها عن غيرها وانفردت باثارها الحالية ووقعها العاجل فى نفوس سكان المعمورة قاطبة كما انفردت وستنفرد ايضا باثارها ووقعها المتبقى فيما بعد كتركة معنوية تنزل على الاجيال المقبلة او كرصيد ادبى هائل من جوهره تستمد إلى الأبد مواضيع الادب والفكر وتستخرج من معدنه خرائد الفن وآيات الخلود .

ففى هذه السنوات التى واكبت الانتفاضة الجزائرية عجت دنيا الصحف والمجلات وعوالم الاذاعة والشاشة وحتى اكوان اللحن والفن بمختلف مملياتها وموحياتها : من قصائد رائعة وقصص اخاذة فكم نغم ترنم ببطولة جميلة بوحيرد وكم قصيد تاه وانتخى فى وصف الاطلس الاشم وكم قصة وكم رواية وكم نفحة من نفحات الخيال والوجدان اوحتها احداث هذه الثورة ومواقعها الخالدة فى صفحات الضمير الانسانى بله الضمير العربى الحى . وان الذى يؤرخ للادب العربى لا اخاله غافلا عن هذا الملحظ فيما سيكتبه عن تيار هذا الادب بالشمال الافريقى وحتى بكامل انحاء دنيا العرب فى هذه الفترة التى تخللتها الثورة الجزائرية بعيد النصف الثانى من القرن العشرين . فما من شك ان ادباء العرب عموما وادباء هذا الشمال الافريقى جرفهم السياق الثورى بربوعهم وحملتهم الاحداث القومية والاتجاه الوطنى الدامى على ان يلونوا ادبهم ونتاجهم بما من شأنه ان يتجاوب و نزعات مجتمعاتهم المحيطة بـهم والتى ومنها وبها يحيون وينتجون . ولهذا فلا غروا ان امتزجت خرائدهم ونفائسهم الفنية بمشاعر القوم وانتحلت بنحلتهم وانفعلت بانفعالاتهم الهوج كما جاء ذلك واضحا فيما حبروه من وصف فنى ، وما دبجوه من شعر خالد ، وما ابدعوه من فن رائع .

ومن هنا لم يكن الغنم السياسى لثورة الجزائر المجاهدة هو الذى يشغل بال انصارها واحبائها دون غيره بل ان غنائم هذه الحركة الثورية عديدة ومتنوعة : منها العاجل ومنها الآجل ، منها الواضح البين ، ومنها الخفى المستتر وكلها مقصودة بادىء ذى بدء من قبل قادتها ومدبرى شؤونها ذلك ان النهوض بالامم لم يتم فى العناية بها من ناحية دون سواها من بقية المناحى الحيوية لسير الشعوب وتقدمها بل فى الاقبال على جميع ما من شأنه ان يرفع رأس المواطن عاليا فى شئ من الاعتزاز والاعتداد . وللادباء العرب ان يعتزوا ما شاء لهم الاعتزاز بهذا الغنم الادبى المتولد عن حركة الجزائر الثائرة باعتباره مصدر اعتزاز وفخر ولكونه منبع وحى والهام لا ينفد ولا يفنى .

اشترك في نشرتنا البريدية