كانت الشمس حمراء تتوقد حياة ، وتنحدر شيئا فشيئا بين جبلين أقتمين زادتهما الحمرة نزوعا إلى الظلمة . وكان إبراهيم واقفا ينظر إلى هذا الأفق المحمر وكأنه مرآة تبرز فيها لحيته البيضاء ، وقد جللها انعكاس لون الشفق بظلال وردية باهته
كان يقين ابراهيم أن الشمس لن تشرق غدا ، إنها ستختفي بين الأفق فيضمها إليه ، ويعتصرها لتخرج إلى الناس في الضحى بيضاء ، ناصعة ، زهراء ، وقادة ، شمسا أخرى لم تعرفها البشرية
قال إبراهيم هذه لإسماعيل : ياو لدى انظر إلى هذه الشمس القديمة قدم آدم : لقد عشيت عينها حمرة ، واخلولق بريقها طول رنو . وشدة تحديق إلى البشر يضحى به إلى الرب طلبا للنجاه ، في زورق يشق بحر الدماء إلى شاطئ الحياة ، إلى ديمومة البشر على أديم الأرض إن يقيني أنك ستكون آخر أضحية تطوى شمس بها لتبرز الى الناس شمس : البشر قبالتها يتحول إنسانا والإنسان يحيا ليؤمن بالرب بدون فداء اخيه الإنسان
قال إسماعيل : إن اقتضت حكمة الرب أن أمد رقبتي ليحيا اخي الإنسان ، ويعمر فى الأرض ، فإني لحكمة رب العالمين لممتثل ، ولارادته لصاغر . ولكن كيف يا آبت أكون آخر أضحية ورؤياك تقر هذا الذي امنت به البشرية منذ الأزل ، وحفظته عربونا لبقائها على وجه الا رض : لا رضاء للرب إلا بالفداء ، يذبح الواحد منا على عتبة الايمان ، وينزف دمه صاعدا إلى عنان السماء شفاء وبلسما للبشرية جمعاء ؟
يا أبت ، البشرية لم تولد منذ الأزل ، ولن تولد إلى الا بد ، من رحم الأم إلا بعد الوجاة الدموية تعقبها الحياة الحبلي بالمجهول المتقلب المتحول
قال إبراهيم : انظر يا ولدي إلى الشمس كالجمرة تغيب وراء الا فق ، تنطفي ، رويدا رويدا ، فيستحيل النور في سواد ، ويهجم الليل بجحافله الدكناء ، فيتغض من ابصارنا ويغرقنا فى بحار النوم طريقا إلى الموت سبيلا إلى الرب عبر الرؤيا
٥ - قال ابراهيم : الرؤيا يا بني ، هي جسر يربطنا بالحياه بديمومة الحياة هي خيط من نور دموي، في مدلهم النوم يوقظ موتنا الليلي ، هي ذرة الإيمان الوقادة تتراقص في اجواء رب الكائنات ، فى رحم الدنيا لتحبلها املا ورخاء ، وايمانا
وغابت بقايا الشمس ، وغرق الكون والقوم في سكون دموي ، نزل مع النوم ليجعل الدنيا كونا جديدا ، شمسه خيوطها أرق من نسيج الإيمان تنزه عن الفداء بدم البشر
وأشرق الصبح ، ولفت الشمس بأنوارها إبراهيم الواقف قبالتها ، وقد برزت لحيته بيضاء ناصعه ، ولمع بصره شفافا ، لم تغيره طعنات النور المتواليه ، طوال العقود المتتاليه ، وصاح في إسماعيل
- آن أبشر ، لقد صدقت الرؤيا ، ولقد صدقتها ، أم رب العالمين أن يكون فداء لك ذبح عظيم ، لن تكون يا اسماعيل خاتم الاضاحي بل أول الناجين أكرمك ربك فأنت من الصالحين ، تؤذن بعهد للبشريه فيه الإنسان قد نجا من الذبح قربانا لرب العالمين ، وقد أشرقت عليه شمس الإنسانية ساطعة بعد أن لف الا فق آخر شمس للبشرية المفتداة
وسعى ابراهيم يومه وبين يديه اسماعيل واسحاق حتى وقف قبالة شمس نحاس ، بدأ يلفها بين فكى الجبلين ظاميء اضاءه من بعيد ، قمر باهت يدفع الظلمة بعناء
قال إبراهيم في نفسه وقد جلل لحيته البيضاء نور مزيج مين شعاع الشمس وضوء القمر
- أيا رب العالمين ، هذا اسماعيل ، وهذا اسحاق من المحسنين ، ادرا عنهما شيطان قابيل وهابيل ، بعد نجاة البشر من الذبح قربانا لك فأحلت بحكمتك البشرية الآدمية إلى إنسانية مشرقة الأنوار
ثم صاح في الأخوين ونبرة الاشفاق نعلو صوته
ومن لي بكبش الفداء فيما بينكما ؟ وكيف

