نشرت هذا المقال مجلة ) ارامكو وورلد ( التى تصدر بنيويورك فى عددها الصادر فى يوليو - أغسطس ١٩٦٤ تعريفا للغرب بامجاد الاسلام في الجزيرة العربية واننا ننقله ثانية إلى اللغة العربية بالمنهل
لقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم آخر الامر في المدينة الايمان والعون الاكيد اللذين لم يجدهما فى قبيلته قريش مكة : وقد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة السور المدنية من القرآن الذي هو عماد الاسلام . وفي تلك المدينة وضع النبي صلى الله عليه وسلم الخطط لثلاث معارك حاسمة حارب فيها قرب المدينة ضد اعدائه المكيين المشركين . ومن المدينة كذلك قاد الرسول جيش المؤمنين وعددهم عشرة آلاف أخافوا وارهبوا اعداءه أهل مكة فاستسلموا وكان الفتح المبين . وفي المدينة انتقل النبى صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الاعلى ودفن ، ثم كانت المدينة المنورة عاصمة الامبراطورية الاسلامية في عهد الخلفاء الثلاثة الاولين بعد النبي عليه الصلاة والسلام . .
ولقد كان وصول النبي صلى عليه وسلم الى المدينة المنورة سنة ) ١٠ ه - ٦٢٢ م ( حادثا جللا حتى انه اتخذ بداية للتاريخ الاسلامى . . وان تسميتها " بالمدينة " لأكبر دليل على اهميتها . . ومع ذلك فان الدور الحاسم الذي قامت به المدينة المنورة يكاد يكون مجهولا خارج العالم الاسلامي ، فقد نهضت المدينة بدور حاسم في نمو الدين الاسلامي الذي يدين به اليوم ، مما لا يقل
عن ٤٣٥,٠٠٠,٠٠٠ نسمة موزعين في بلاد العالم قاطبة .
ما كانت مكة المكرمة فى الجاهلية مدينة تجارية مادية صاخبة ومركزا للوثنية وعبادة الاصنام فى جزيرة العرب نجد أن المدينة المنورة كانت قبل الاسلام بلدة زراعية يسميها اهلها " يثرب " ، وهي تقع فى منخفض جبلى على الطرف الغربي من الحجاز فى الشمال الغربى من بلاد العرب وتبعد عن البحر الاحمر مسافة ٩٠ ميل تقريبا ، ويرجع سبب ازدهارها المتواضع الى المياه الغزيرة والى الاراضى التى زادت من خصبها الفيضانات البركانية القديمة ، فكان اهلها البالغون بضعة آلاف نسمة يعيشون على ما تنتجه أراضيهم من الحمضيات والاعناب والتين والقمح واللوز والتمور التى كان منها ما لا يقل عن ) ١٣٠ ( صنفا ، غير ان اهلها من الخزرج والاوس كانوا قبيل هجرة النبى صلى الله عليه وسلم اليها منقسمين على انفسهم حزبين متناحرين ، وكانت منازعاتهم تهدد بتحويل السلم المزعزع إلى فوضى تامة . .
وحدث في موسم من مواسم الحج ان قابل محمد بن عبد الله ، النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ، ستة من حجاج يثرب فى مكان قريب من العقبة الواقعة
بالقرب من مكة المكرمة ، وقد اصبحت هذه المقابلة نقطة التحول الهام فى التاريخ الاسلامي ، فلقد استمع اليه هذا النفر من يثرب وهو يعظهم ويدعوهم الى الاسلام ، ويتلو عليهم آيات القرأن الكريم ، فنزل كل ذلك فى قلوبهم منزلة حسنة ، واخذوا عند عودتهم ينشرون الدعوة الاسلامية فى يثرب ، وقد ظهر لهم ان هذا الدين الجديد هو الدواء الناجح الشافى لما كانوا عليه من التناحر والضعف ، وأدى هذا الى الحدث الخطير فى تاريخ الاسلام وهو البيعة الاولى فى المكان القريب من جمرة العقبة بمنى عندما بايع وفد من يثرب مؤلف من اثنى عشر رجلا - النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوه على ترك الوثنية والاقلاع عن السرقة والزنا والكذب والامتناع عن وأد البنات - وكان هذا عادة منتشرة فى بلاد العرب فى تلك الإيام - وان يطيعوا الله ورسوله ، فارسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم عند عودتهم الى بلدهم قارئا يقرئهم القرآن الكريم ويفقهم فى الدين . . ومما يدل على نجاح الدعوة فى يثرب انه اتى فى البيعة الثانية في العقبة اثناء موسم الحج ) ٧٣ ( رجلا وامراتان ، وتعهد الرجال بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الاسلام حتى آخر رمق من حياتهم . .
ولقد جاءت هذه البيعة في وقتها المناسب اذ تحقق النبى صلى الله عليه وسلم ، ان قريشا ضئيلة الاستجابة لما ينزل عليه من الوحى ولما يبشر به من الدين ، ولقد اتهموه بانه مافون او شاعر او ساحر ، ثم ازدادت عداوتهم ضراوة بازدياد اتباعه الذين كانوا قلائل أول الامر ولكنهم كانوا شديدى الايمان بالله وبالرسول وبالدين الجديد ، فخاف اهل مكة ، وحكامها التجار الاغنياء من ان يؤدى الدين الجديد إلى القضاء على مركزهم وسلطانهم ، وحق لهم ذلك ،
ففي اللحظة التى بايع فيها اهل يثرب النبي صلى الله عليه وسلم كانت عداوة اهل مكة المكرمة له ولاتباعه القلائل من مسلمي مكة قد بلغت حدا اصبحوا فيه غير امنين على حياتهم مطلقا . فكانت البيعة نعمة مزدوجة هيات لهم مكانا أمينا يلجاون اليه ومجالا واسعا خصبا لنشر مبادئ الدين الحنيف ، فقرروا الاستفادة من ذلك .
وبدأ المسلمون القليلو العدد ينزحون من مكة المكرمة فرادى ومثنى وجماعات الى يثرب التى تبعد ٢٠٠ ميل تقريبا إلى الشمال عنهم ، حتى لم يبق الا النبي صلى الله عليه وسلم وختنه وابن عمه على بن أبي طالب رضي الله عنه ، وصديقه وصاحبه الاول ابو بكر الصديق رضي الله عنه الذى أصبح فيما بعد خليفته الاول ، وقلة من المسلمين .
وفي ذات ليلة هاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة مع ابى بكر رضي الله عنه .
وقد استقبل اهل يثرب النبي صلى الله عليه وسلم بابلغ مظاهر الحفاوة والترحيب ، وطلب اليه كل واحد منهم ان ينزل عنده ، فلم يشا صلى الله عليه وسلم ان يغضب احدا فاعلن - حسب ما يرويه لنا الحديث الشريف - بأنه سينزل حيث تبرك ناقته ، فبركت اولا فى فضاء براح ثم عادت فسارت ثم بركت عند دار ابي يوب الانصارى رضي الله عنه فأقام النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك البيت المتواضع السبعة الاشهر الاولى واذ ذاك بني بيديه الكريمتين وبمساعدة صحابته المسلمين أول مسجد في العالم بالمكان الذي بركت فيه ناقته أولى مرة .
وفي هذه السنة الاولى من الهجرة وصل

