الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

ويذهب الزبد جفاء

Share

لله ما أروع الفرحة وما ألذ الانتشاء ، اذا دخلا وطنا بأسره ، أو شملا مدينة واسعة ، شاسعة الاحياء والارجاء .. أو حلا بقرية فيها من الناس ألوف . الفرحة الجماعية عيد ، يحدثك عنها فى قرية ( سيدى أحمد ) شيوخها ، حين كانوا يتعانقون اذ تأتيهم البشرى برؤية الهلال ليلة رمضان وفى عيونهم سمات الخشية والخشوع .. لا تلبث ان تفسح المجال للتهانى والامانى ، ولاطباق المقروض المضمخ بالعسل تخرج من الديار فيصل نصف ما فيها الى الجامع بعد ان يوزع النصف الاول فى الطريق .. وان شاء الله من العائدين الفائزين ، وبالصحة وطول العمر .. أو حين تصبح القرية وكانها مجمع الكترونى تم ايصاله بالكهرباء .. الكل فيها غادون أو رائحون ، يلبسون الجديد ويتطيبون ويخرجون الجياد المطهمة والعربات الموشاة بالجلاجل ، كى يلحقوا بالمدينة المجاورة حيث ينعمون بلقاء ( سي الحبيب ) العائد من رحلته الى الشرق .. ليبشرهم بقرب ساعة الخلاص ويا لله ما اقبح الحزن والفزع اذا ألما بقطر أو مدينة أو بلدة ! وما أمر النكبة لا يعرفها الا من تجرع مرارتها وعاشها ثانية بثانية يحدثك فى ذلك ايضا كبار ( سيدى أحمد ) كيوم داهمتهم الجندرمة بحثا عن المقاومين فقتلت سعيد الجزار وعلي ولد الحاج خليفة واعتقلت عشرين من فتيانهم وروعت النساء والاطفال .. أو حين نزلت على الكتاب صاعقة فذهبت بمؤدبهم الشيخ عبد السلام وبعشرة من الملائكة أطفالهم .

كان هذا فى الاربعينات والخمسينات وهو بخيره وشره معا يرسب فى أعماق شيوخ ( سيدى أحمد ) كما يرسب المرجان فى أعماق البحر . فهم ينامون عليه ويضمونه فى حناياهم كما تضم الارض الطيبة كنوزها . وقد أتى

على أبناء هذه القرية الآمنة حين من الدهر .. كانوا فى تواددهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى . ولم تغيرهم ظروف الدهر كثيرا فى هذا الزمن ، زمن التلفزيون الملون والفيديو كاسيت وارمسترونغ والمركبة شالنجر ، ولذلك فهم فى صيف هذه السنة يلفهم الخزى وترون عليهم المسكنة ، وان كانت فئة من شبابهم تتندر شامتة . الكبار فى القرية أخذوا المسألة مأخذ الجد وهى عندهم علامة غضب الله فهو ينذرهم بأسوأ ما عملوا ، ولله الامر من قبل ومن بعد . اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه .

الامين الساكت ، هكذا يسمونه . ومن لا يعرفه فى ( سيدى أحمد ) وفى ( العروسين ) وبقية القرى المجاورة !؟ سجله أبوه فى دفاتر الحالة المدنية باسم محمد الامين ، فخف الاسم الثانى فقط على الالسن . يقولون الآن من حسن الحظ أن الناس لا يذكرون اسم محمد بعد ان اصبح الامين الساكت معرة فى جبين الجهة . فلا يليق به اسم رسول الله .. ثم .. لا هو بالامين ولا هو بالساكت . وعلى كل حال ، فليته على طول لسانه كان أمينا بحق فعندئذ تصح فيه القولة المأثورة : لكل امرئ من اسمه نصيب . اما وقد سقط منه تسعة اعشار ، فلا حول ولا قوة الا بالله .

١١:١٠ جاء الامين الساكت الى هذه الدنيا مع فجر الحرية ، فحفظ القرآن .. أو هو حفظ البعض من ( اجزائه ) فى كتاب القرية كسائر أترابه ثم دخل مدارس الحكومة ومعاهدها وفاز منها بالشهادات والمكارم الى ان مات والده فتركها وفى العين دمعة وفى القلب لوعة .. ليعول أمه وأختيه . وما لبث الجميع ان علموا بهجرته الى فرنسا ليعمل مساعدا فى مصنع مختص بالتجهيزات الكهربائية . ويقال انه كد وجد .. وخبر من عمله الكثير وحاز فى المهجر اسمى المراتب ... ولذلك .. فهو على مدى سبع سنوات غابها ، فخر لأمه وأختيه . فما كان ساعى البريد يهل على ( سيدى أحمد ) يومى الاثنين والجمعة من كل أسبوع الا ويحمل الى الاناث الثلاثة مظروفا فيه من الفتى المهاجر أطيب الكلام وأزكى السلام ، ولا يمضى الاسبوع الاول من كل شهر الا ويبشرهن صاحب البدلة - الكاكى - بحوالة بريدية ريانة دسمة ، تشفى الغليل وتقبض ( حنيفة ) مكنونها ثم ترفع رأسها الى السماء :

- برا وليدى يعليك على من يعاديك .. ولا يوريك نهار تحير فيه - برا وليدي يسترك دنيا وآخرة يعطيك القبول ومحبة الرسول .

اما مضمون الرسائل التى كان يبعثها الامين الساكت فيطول فيه حديث النسوة . حديث له بداية وليس له نهاية . فى مقام ( سيدى أحمد ) مساء كل خميس . يوم يحضر محمد ويغيب ابليس وفى الحمام العمومى والمآتم والاعراس ، وللرجال أيضا فى ذلك نصيب . يوم السوق فيما بين بيع وشراء وفى موسم جمع الزيتون . ففى كل ما يكتب الامين حنين جارف للاهل والعشيرة وحب أكيد لمجتمعه الصغير ووفاء لروح القرية وأهلها وتقاليدها .. تفوح من سطوره الاستقامة والولاء فهو لو صدق .. يقوم للصلاة فى أوقاتها ، ويصوم الشهر الكريم ، ولا ينتظر الا نهاية الهجرة ، ليخطب احدى بنات ( سيدى أحمد ) . فيغار منه الفتيان الخنع التافهون ، الذين يستهدفون لتقريع ذويهم وانتقادهم ، لكونهم تقاعسوا فى طلب العلم وتكاسلوا عن الحفظ .. ثم ألقوا تبعات فشلهم على الآخرين .. وأصبح المقهى لهم منتدى .. فارسلوا كالبنات شعورهم ، وضاقت على أوراكهم سراويلهم - الجينز - المترددة كالمنافق .. بين الازرق والابيض لما سكبوا عليها من ( الجافيل ) .. والمكبوسة عليهم فهى تضيق كما تضيق صدور اليائسين والمتشائمين وكلما تقدمت الايام والشهور ، ازدادت الام والاختان زهوا بسى الامين حتى تفوح من اسمارهن رائحة المسك والعنبر .. وتكبر مع كل ذلك الآمال والاحلام .

ولم يكن أحد يعلم أن قلب العجوز ينقبض رغم هذا بين الفينة والاخرى من خاطر كان يراودها حتى ينغص عيشها .. ويلح عليها الحاح الكابوس الرهيب . فهو يخيفها من مفاجأة محتملة قد تفضحها وتهتك سترها وتجعلها مضغة فى الافواه وتشمت فيها .. ( اللي يسوى واللي ما يسواش ) .

- آه يا حنيفة عينك اليسرى ترف هذه الايام .. آه يا حنيفة لو رجع الامين بلا سيارة ولا مال .. آه يا حنيفة لو عاد ومعه واحدة من بنات الفرنسيس .. آه لو أصبحت الصورة التى بها تتغنى القرية سرابا ...

ولكن العجوز لا تلبث كل مرة يراودها فيها هذا الخاطر ان تلعن الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس وتستعيذ منه بالواحد الاحد فتسكنها الطمأنينة مجددا وتعاود روحها النجوى والامل .

لما عاد الامين بعد غياب سبع سنين .. أثبت للجميع أنه بالثقة جدير قالت الأم لابنتيها :

- سيفرح محبونا ويموت العاذلون ، فلنشكر الله ولنحمده ... عاد أخوكما بالسلامة .. ومعه سيارة فخمة لم تر قريتنا مثلها .. ولم نكن نحلم بركوبها .. عاد وليس معه افرنجية . بل وفى حقيبته بضعة ملايين سينجز بها مشروعا مثيلا للذى كان يعمل فيه هناك .. فى أوربا ولله المنة والفضل ، علينا يا بنات بذبح كبش للفقراء .. نطيبه لهم بأيدينا ليلة الجمعة فى ضريح سيدى أحمد ... الوعد وعد يا بنات .. أما أنا .. فسأصلى النوافل أربعين ليلة بـــــ : ( قل أعوذ برب الفلق ) حتى يذهب الله شر العين .. ويحفظ ولدي ويرعاه .

وتعظم غيرة شباب القرية من هذا الامين الساكت لهذه الهالة من التنويه حتى ان الآباء ليضربون به المثل ليغيضوا بعض الابناء المانعين .. لاعبى الورق والمتسكعين والمتواكلين فى وقت لا يجد فيه الفلاحون من يجنى محاصيل الزيتون . لما كان الامين فى فرنسا ، كان شباب ( سيدى أحمد ) يشيرون اليه حين يذكرونه بـــــ ( هذاكا .. متاع مواطنينا فى الخارج ) اما الايام والاسابيع الموالية لاوبته فقد البسته لقبا جديدا ... فقالوا : الامين الكندار . والكندار تعنى عندنا الشاكى والباكى ... الذى لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب . وفعلا فهو يشهر بكل ما يراه انحرافا فى السلوك أو نشازا فى الذوق العام أو عوجا لا تستقيم معه الحياة . قال شيوخ القرية : يا سبحان الله من شابه أباه فما ظلم ! أبوه من قبله رحمة الله عليه كان يكره الفوضى وينهى عن المنكر بلسانه .. وذلك اضعف الايمان قالت له عجوزه يوما : ( كف عن هذا يا ولدي .. أم تحسب انك ستصلح الدنيا ؟ لا والله لن يصلحها احد فهى من البداية قد بنيت على عوج .. وانها لتتأرجح على قرن ثور .. عليك اذن بنفسك ) فكانها لم تقل وكانه لم يسمع .

كان ايمان الامين راسخا بانه يؤدى ما عليه . فكيف يسكت عن جار له بخرج الى الشارع فى بيجاما ؟ البيجاما يا ناس لم تجعل الا للنوم . وهل يسكت عن المسؤول فى ادارة محلية لا يحس بالعلم المرفوع فوق مبناه وقد آل احمره الى بياض حتى لم تعد تفرق بين نجمه وهلاله ومزقت الريح اطرافه . هذا عيب .. هذا حرام .. العلم رمز سيادتنا وهو يرفرف خفاقا بتضحيات الرجال وأرواح الشهداء . والامين لم يسكت عن بنات القرية فى رواحهن الى المعمل وغدوهن منه ، يحتل فريقهن من المعبد نصفه بالعرض ، ويمشين فيه خمسا أو ستا فلا يكدن يسلمن من الاذى ، ويثرن غضب سواق الشاحنات والحافلات . يا بنات .. الطوار لكن اسلم .. والطريق لذوات العجلات .  على ان الامين كان يثنى أيضا على المحسنين ويشجع الطيبين ويزكيهم .

الذكى فى مقهى ( سيدى أحمد ) له فى ( الكندار ) رأى حصيف :

- لو انصرف لشأنه واكتفى بما يعنيه لكان ذلك اجدى له وانفع . هذه سنة مضت على رجوعه وعلى ما أشيع من أمر مشروعه . قيل : انه اقتنى ارضا ، ثم قيل انه اعد ملفا وتحصل على الرخص والتصاريح وبات الحس .. لا يا جماعة ، يبدو انه مشروع المدينة الفاضلة ، ولا يعوزه الا افلاطون جديد وربما المهدى المنتظر . ويضحك القوم .

وذات يوم نزلت القطرة التى أفاضت الكأس . الامين الساكت يدخل فى نقاش حاد مع سالم حدة . وسالم هذا واحد من الذين يهمسون ولا يظهرون .. يلقنون ولا يتحركون .. ولكنهم فى سبيلهم ايجابيون بالسلب هو واحد من الذين يرون السواد فى كل شئ ويعمرون بالتشاؤم قلوب الناشئة ويصورون لهم الدنيا هولا .. والحياة غولا .. ويحكمون على كل أمر بالفساد واليباب . جرت المناظرة بينهما فى المقهى أمام جمع غفير ولم يترك الامين صاحبه الا وقد تمكن منه بالعقل والبرهان وختم عليه أطروحته بهذا :

- قم يا رجل .. قم واشغل نفسك وهذا الشباب بما يفيد . قوموا وأنا معكم نسو المسالك التى أفسدتها الامطار والمؤدية إلى الحقول . الا ترون الآليات الضخمة تصلح ما أفسده الفيضان فى مدخل القرية ليعود الجولان سريعا الى سالف عهده ولاعادة الجسر لمكانه .. ليأت كل منا برفش أو عربة يد ، وتعالوا نسهل عبور الشاحنات الى ضيعات فلاحينا . قم يا رجل هلموا جميعا فيد الله مع الجماعة ودعك من الترهات وان أبيت فلا أقل من أن تترك نسمة الامل وشعاع البذل واشراقه الحياة تعمر قلوب الناس .. انت مسلم ومتعلم فاشرح صدرك للخير أو دع الصدور تنشرح ... بيد ان الحادثة لم تمر ، أو هى لا ينبغى ان تمر بسلام . رأى سالم ومن معه ان .. ( هذا .. متاع مواطنينا فى الخارج .. ) الذى أصبح فيما بعد ( الامين الكندار ) يتحول تدريجيا ويكسب الارقام فالشيوخ والكهول وحتى البعض من الشباب قد فتحوا أبصارهم وبدأوا يفتحون بصائرهم على ما يقول .. وهم يجلونه ويثنون عليه . وسالم حدة ليس ممن يرضى بإقامة الحجة عليه .. ولا بد من فعل شئ .. أى شئ . يوقف هذا الدعى المشاكس . ولم يمض وقت طويل حتى وقعت الواقعة لقد أفاقت القرية ذات صباح على نبأ القاء القبض على الامين الساكت متهما بالفحش والرذيلة مع فلانة .. المعروفة سلفا من الجميع .. وهى من المدينة المجاورة وكثيرا ما تحل بسيدى أحمد لبعض اغراضها او لزيارة قريبة لها

تعمل باحدى الادارات المحلية هناك . فتقيم يوما أو بعضه وتتصل بهذا وذاك ثم ترحل مشيعة بصفير الفتيان وتعليقاتهم .. وبلعنات الشيوخ والذين هم يتقون .. اسمع وافزع .. سرى الخبر فى القرية كسريان النار فى الهشيم . حتى اهتزت اركانها وزلزلت :

- .. أين هو اذن ؟ أتكون الارض قد ابتلعته ؟ - .. هو فى العاصمة يتم اجراءات مشروعه !!

- المعمل ؟ لا يا شيخ .. قلها لغافل .. والذين اعدوا المكيدة يعرفون ان الامين تحول حقا الى ( الحاضرة ) وانه عائد ولا بد . ولكنهم فى حبكتهم للرواية اتخذوا هذه الاشاعة مدخلا ولا يضرهم لو اتضح بطلانها .. ففى الفصل الاول تتزعزع الثقة ويروج الكلام وهذا مهم لكن الفصل الثانى هو الاهم . وما هى الا ليلة ويوم حتى عاد صاحبنا فلم يكترث لما سمعه من الناس .. والناس فيهم من آمن ببراءته وفيهم من صدق بأن رجال الحرس قد سرحوه .. ثم بدأ الفصل الثانى اذ شرع الجماعة فى ترويج صورة فوتوغرافية تمثل الامين الساكت وقد اتخذ موقفا صحبة فلانة هذه فى بعض الانحاء من احدى الحدائق اليانعة الوارفة ظلالها وفى وضع غريب مريب.

- يا أبناء ( سيدى أحمد ) يا مؤمنين ... هلموا وانظروا هذا الفتى المصلح .. هذا فخر القرية ورمزها .. هذا هو مثلكم الاعلى وابنكم البار .. هل بعد هذا دليل ؟ انظروا واحكموا .. عجبا .. هذا الامين .. نعم هذا وجهه .. وفتاة المدينة المجاورة هى بعينها والصورة ناطقة وحدها بكل شئ .. هذا ما قيل فى البداية ، ثم كبرت كرة ال الثلج فقيل ان الحرس قد سرح الامين الساكت الى حين .. وانه يهيؤ لاحالته على المحكمة .. وقيل ان لا خير فى الدنيا بعد اليوم الى غير ذلك من ضروب البكاء على اطلال مكة . اغمي على العجوز أكثر من مرة وانتابها صداع مقيم فلا تراها بناتها الا وهى تهذى وتردد : ( ايه يا حنيفة قد حل العهد ونزل الوعد ايه ايه لهذا اذن كانت عينك اليسرى ترف ويهجرك النوم ساعات من الليل ، ليته لم يأت بالسيارة . ولا بالمال .. ليته جاء بفرنساوية بشعة زوجة له .. ما كان اغنانا عن هذه الفضيحة .. لا لا .. ابنى لا يفعل هذا .. انا ادرى الناس به .. كيف سأواجه النساء والرجال بعد اليوم .. لا يا حنيفة .. اعتكفى حتى ترجع الروح الى باريها .. يا شماتة الناس فيك يا حنيفة .. ) .

اما القرية فقد طعنت في كبريائها وفى شرفها اى طعنة يلفها الخزى وترون عليها المسكنة ولئن كانت فئة من الشباب تتندر بما حصل .. فالكبار اخذوا

المسألة بالجد وهى عندهم علامة غضب الله .. فالامين هو الصادق والمصلح وقد صح ان له من اسمه نصيبا لانه الامين بحق .. فكيف العمل ولم يبق لسيدى أحمد بارق من أمل .. فى كل هذا الخضم ، انبرى من يحذر ضمير القرية من مغبة الوقوع فى مخالب هذا الوحش الذى هو الشك . وليقول ان سالم حدة يقف وراء هذه الحملة .. ومعه جماعة على شاكلته .. وقد بلغت الحكاية كلها الى امام الجمعة . فرأى فرضيا عليه ان يخصها بخطبة كاملة . فقام فى الناس يقول :

- اتقوا الله عباد الله .. ولتعلموا ان بعض الظن اثم .. ايها الناس الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها .. ولتذكروا قول الله تعالى : يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .. عصمنى الله واياكم من سوء الظن وآثامه .. ولكن هيهات ان تفعل خطبة الامام فعلها فى قرية .. المصلون فيها ممن تجاوزوا الستين فلا يعول عليهم ولاهم يؤثرون .. قرية تغلى كالمرجل .. والشياطين فيها انبغ من أهل المعروف وانشط الا اذا رحم الله .

يواصل الساكت سكوته وهو يلتفت يمنة فيرى أمه وأختيه تذبن كارباع الشوع ويلتفت يسرة فيرى سالم حدة يكسب الانصار من بين البطالين والسذج والتائهين ...

مرت الايام .. والقرية واجمة والناس حائرون .. ولا من جديد . نحن الآن فى الاسبوع الاخير من شهر أوت الحرارة خانقة .. والنسمة لا تجدها بدينار وهذا الامين الساكت مستلق يفكر .. وليس أمام عينيه الا علامة استفهام فى حجم نخلة : أينتصر الشيطان ؟ يرفع بصره الى عوارض اللوح التى مد عليها السقف يعدها بلا وعى .. ثم ينظر الى الساعة المعلقة امامه .. الوقت .. الزمن .. عنصر الوقت .. عنصر الزمن .. يقولون ان الزمن لا يرى على الركح ولكنه أنشط الممثلين .. يلعب الزمن اذن ؟ نعم يلعب لا بد ان يلعب .. ما اجمل هذه الساعة العتيقة .. ورثناها فيما ورثنا عن الوالد رحمه الله .. تبا لهذه الحرارة .. هذا عقرب الثوانى نشيط فى حركته يدور بلا عياء حتى ينتهى الى حيث بدأ ثم يعيد ويعيد فهو يسجل على كثير من الاحياء غفلتم واسترخاءهم وفتورهم ومضى اعمارهم فى الاوهام أو فى الاحلام اما العقربان الكبيران فهما العنصران الثابتان فى تحديد مسؤولياتنا على مدى أقصر .. ماذا فعلنا فى الساعة وفى الاثنى عشر جزءا من الساعة هذا العقرب القزم أكثر بطءا من صاحبه فهو أوثق منه لان وحدة الساعة هى العملة المتداولة والمعتمدة أكثر

ومع ذلك فالعقرب الطويل نشيط دؤوب .. ولكن ترى لماذا سموها عقارب .. هذا العقرب الطويل صاحب الدقائق عرفته . هو سامى ابن المرحوم سعيد الجزار كان أبوه رفيق والدى .. وبين دارينا تزاور وتحابب .. نعم هو بعينه .. هو أيضا نحيف ونشيط .. وهو الذى قام لدحض أباطيل السفهاء وما يزعمون فمن يكون اذن العقرب الاوثق والاثقل ؟ عقرب الساعة نعم من يكون ؟

- قم يا رجل .. وهون عليك ، لو كان الهم والغم ينفعان لنفعا اقواما قبلنا ماتوا .. قم واعتدل .. الا تعلم ان شطر المائة خمسين .

- من .. سامى ؟! اقسم انك ستموت على عكاز .. اللحظة كنت أفكر فيك .. - والآن اسمع .. انت تعرف ان ما بيننا من ود قد بلغ فى وثوقه صلة الرحم ، وان ما كان من اخوة ابوينا امانة فى اعناقنا . وقد حفظنا القرآن معا فى كتاب سيدى عبد السلام ...

- نعم وانى شاكر لك سعيك . فقد علمت انك شهرت عليهم سلاح الحق .. وحاولت ان تبين لمن يريد ان يعرف ان الصورة مزيفة وان الصنعة قد لعبت فى اخراجها .. علمت بكل ذلك .. ولكن يا سامى هل يفهم الشيوخ من رفقاء أبوينا وكذلك نساء القرية التركيب والاخراج ؟ هم لا يعرفون - النيجاتيف - والديا فراقم - والشعاع الضيق .. والمقص .. والمين دى ريتوش .. والخبيث سالم حدة ومن معه أعدوا لمسرحية ذات فصل واحد لما انتهوا الى تركيب الصورة لكنهم اخفوها لان غيابى ثلاثة أيام فى العاصمة أوحى لهم بفصل آخر قبله فكانت اشاعة القاء القبض على والافك الذى تعرفه .. نحن يا سامى نعيش الآن الفصل الثانى ...

- كل ما قلته صحيح .. لكنك لا تعرف الجديد . - الجديد ؟ خير ان شاء الله ! - استعد يا سيدى للفصل الثالث .. صهر سالم حدة المصور فى المدينة الكبيرة هو الذى ابدع فى تركيب المشهد .. انطلاقا من صورة الفتاة ( لا سامحها الله ) مع فتى من الجماعة ( لا سامحه الله ) .. والمصور لم يكن يعلم ان هذه التركيبة قد اعدت لما استعملت له ضدك اذ أوهموه بنية الفذلكة البريئة والدعابة الطاهرة .

- وماذا بعد !؟ - المصور علم الآن بكل شئ وقد تعذب كثيرا وارقه الحدث .. قال لنا انه ضحية مثلك ولكنه يخشى الله فى صحته وفى أولاده .. وقد ربطنا معه صلة الحوار ..

واقنعناه بالمجىء عصر اليوم الى المقهى ليحدث أهل القرية والى مركز الحرس ونادى الشعبة . - وسيفعل ؟ - يفعل ان شاء الله ...   نهض الامين الساكت فاغرا فاه وقد تصلبت شرايينه وجحظت عيناه .. وسار نحو النافذة فى ذهول .

- هاى .. أين أنت !  ولكنه لم يسمع .. ظل يحدق فى الفضاء وكانه ينظر الى سور بلاد الصين حتى خضه سامى ورجه ليعيده اليه . حدق فيه الامين هنيهة ثم خرجت من فمه كلمات وعلى شفتيه بسمة عجيبة :   - نحيف ونشيط .. أنت مثله تماما .. ولكنك عقرب ألمعى ..   - نعم ؟ عقرب ؟ أنا ؟   - أما العقرب القزم والثابت والبطئ فهو أنا .. وأنا سأثبت دقة الساعة .. الضربة القاضية يا سامى ..

- لا حول ولا قوة الا بالله . الامين قد جن .. وانتهى أمره . ترك الامين صاحبه يجتر دهشته واسرع الى سيارته . قريتنا لا تعرف ان المقاول سيبدأ غدا فى وضع أسس المعمل .. ولا تعلم أن الآليات وصلت الى ميناء حلق الوادى .. وان زيارة الامين الاخيرة الى العاصمة كانت لاتمام اجراءات الديوانة وتدبير محل لحفظ تجهيزاته ريثما يتم المعمل .. وكل شئ جاهز لاتمامه . ثلاثة شهور ان شاء الله وننتج أول المعدات الكهربائية وسيحضر مدير الشركة التى كان يعمل عندها الامين فى فرنسا والذى باركه ودعمه وسيحضر ممثل الوزارة والوالى والمعتمد . وسيشغل المعمل اربعين من هؤلاء .. من عساكر سالم حدة .. ثم يتسع لغيرهم ان شاء الله .

هذه هى الضربة القاضية .. لكنها بمطرقة من شهد العسل . لا يهم يا الامين .. لا يهم .. ألم تفتح قلبك دوما للخير.. ألم يشرح الله صدرك دائما بالتسامح .. انت ابن أبيك وابن حنيفة .. انت ولد بار .. ولا يصح الا الصحيح .. امش الى غايتك الهوينا .. وبشر حنيفة والصبايا اليتيمات بقرب الخلاص .. وسترفع القرية رأسها من جديد بشيبها وشبابها .. الله معك يا الامين .. معك الله .

اشترك في نشرتنا البريدية