الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

و استجابت الأقدار ...

Share

..ما النجاح ، ما الاصرار ، ما الفائدة من كل هذا ما الفائدة .!؟

لقد صدمت بالنجاح وكأنها ما نجحت من قبل ، وصدمت بالنقص الحاصل فى تكوينها الجسمانى منذ كانت ورما ببطن امها ، وكأنها ولدت الساعة . قد يجهد المرء نفسه لتحقيق مآرب ، فاذا اسعفه التوفيق وابتسم له النجاح ، ظهرت نتوءات وأخاديد ما كان ليحسب لها حسابا ، فتحيل النجاح الى سراب.

كانت سينين طويلة ومريرة ، رافقها فيها العذاب كقدرها ، ينفت فيها الوهن والعجز ، وهو يملك اسلحة فتاكة ، يكفى ان تسقط لحظة واحدة فى حضن اليأس حتى ينقض عليها لاخماد انفاسها ، ولكنها كانت حريصة كل الحرص على تحقيق النصر على عجزها ، كلفها ذلك ما كلفها .

كانت فى اعوام طفولتها الاولى تزحف زحفا وهي لا تعي ما بها من نقص ، الكل يحومون حولها بفروع مستقيمة وكأنما شدوا للانتصاب شدا ، ساعة ما ينثنون ينثنون وساعة ما يسرعون يسرعون ، لا يعيقهم فى ذلك عائق ، فكانت ترى كل ذلك ، وتصدر منها حركات تلقائية فى محاكاة طبيعية ، فلا تحس الا بارتعاشة خفيفة من احدى قوائمها ، مصدرها العقل ، وما درت ان جهازها الرأسي لا قدرة له على تحريك اعضاء شبه ميتة.

وكان ولا بد ، رغم ما بها من عاهة ان تدرس ، وكان ولابد ان تتهيأ على الاقل للانتصاب عموديا ، فلا يعقل ان تزحف الى المدرسة زحفا . وتحت عناية اضافية من طبيب ، استطاعت بعد اشهر من العلاج المتواصل ان تستند فتغير خطوات متقاربة متثاقلة ، فتجر زجليها جرا ، فتحتك بالارض احتكاكا مؤلما، وكان هذا التحسن مشجعا لها ولمن حولها للمزيد من العناية ، حتى تستطيع السير وحدها بدون سند ، متغاضين عن التواء الساقين اللتين تتعبانها ، فتعجزان عن حملها وما تهيأتا لذلك من قبل . وكانت أياما حرجة بحق ، تتشبث

بالايدى وبالحيطان ، تدفع بجسدها دفعا ، برجلين شبه مكبلتين من الركبتين ومنثنيتين الى الداخل ، وسرعان مايجتاحها الارهاق وهى تجهد نفسها على ذلك ، وعندما تتخاذل حاملتاها الهزيلتان تسقط على عجزها مما يزيد في اضطرابها . ان الاعين لابد ترقبها وهي ان تخف شيئا مما يحوم حولها فهي تخاف الاعين ، انها لا تكف على صفعها بجحوظها ، ففيها من حب الاطلاع الكثير بما فى حب الاطلاع من شفقة ورحمة من الكبار ، وهمسا ولمزا وسخرية من الصغار .

وكان اصرارها على تسخير رجليها لحملها قويا ، و استجابت الاقدار ، فكانت ارتعاشات فى أول الامر واضطرابات ، وكان الانفراج ، لقد قهرت الزحف والعجز والسند ، وها هي تشد قامتها شدا وتتقدم فى تثاقل ، وتشعر برجوح كفة على اخرى فترتبك اول الامر ، ولكنها سرعان ما تتجلد ، فتركز كامل قوتها على نقطة ارتكاز وسطى ، حتى اذا ما استوت فى غير تأرجح ولا ارتعاش ، بدأت من الصفر ، وأعادت التجربة وكلها ايمان بأنها منتصرة .

ولم يكن التشويه حاصلا برجليها فقط ولكن كان معصماها منثنيتين الى الداخل ، وقد تداخلت الاصابع ، وهي عاجزة على التحكم فيها لامساك القلم والكتاب ، بعد ان الفت الزحف والخمول فى امساك الاشياء الصغيرة التى تتطلب رشاقة فى الانامل وخفة في الحركة فى غير فوضى ، وكانت على موعد من جديد لقهر العجز ، فدخلت في صراع عنيف مع اللاطبيعى الحائل بينها وبين الدراسة ، وجعلت القلم بين اصابعها ، وارادت التحكم فى مصيره ، فخانتها الاصابع ، وكان لا بد لها ان تروضها لهذا العمل ، وتتحرك الانامل كيفما اتفق إلى حد الالم ، وتلتقط خازن الحروف فيسقط ، فتلتقطه من جديد ، ويتأهب كامل جسدها ويتحفز للقبض عليه بين ثلاثة انامل ، وعندما يتم القبض ويقترب المشدود الى الارض وينغرس فى التراب بدفع خفيف ، يغوص داخل اليد لبرز من اعلاها ، وتعيده الى مكانه ليتكرر المشهد الساعات والايام والاسابيع ، لا ملل ولا ضجر ، لقد منحت قوة غريبة وعجيبة على الصبر وقهر المستحيل ، وكان لها ما ارادت ، لقد استقر القلم اخيرا بين اناملها ، خاششع لسيدته يأتمر بأمرها وليس له اختيار بعد ذلك الا الطاعة العمياء .

واحتضنتها السنة الدراسة الاولى ، وهناك تبددت لها الفوارق الشاسعة ، بن صبيان كالعفاريت وبين انتصارها المزعوم ، وكادت هذه الظاهرة تعيدها إلى سالف عهدها فى انتقال دائب بين اركان - الحوش - ولكن فوزا فى الدراسة حققته وهى لا تعي - على جميع التلاميذ فى الفصل ، دفعها الى مواصلة

الصراع ، وطربت لذلك الفوز ، ورقصت جوارحها فنسيت عاهتها وسخرية الصبيان التلاميذ منها ، وقررت التصدى لهم بالنجاح فى الدراسة وليكن سجالا معهم الى ما لا نهاية . وكان النجاح حليفها طيلة ست سنوات ، وما من عام يمضى الا وتزداد فيه اصرارا على كسب الرهان الذي وضعته لنفسها ، ورغم هذا فلم تكن سنوات مريحة بالمرة ، وهي لا تقدر على نسيان ما بها من عاهة ، وكف تنسى وهى شبه مشلولة والتلاميذ لا يكفون عن ملاحقتها مذكريها بحالها ، فتسقط على عجزها تبكى ، وليس لها من مفر الا الدراسة والخروج من المرحلة الابتدائية ، وكان لها ما ارادت .

انه عالم آخر بحق ، ولقد وجدت من بعض زميلاتها السلوى ، وتحققت انها الآن مع كائنات ناضجة بعض الشئ ، وكان عطاؤها كبيرا بعد ان ساعدتها الظروف ، فعائلتها تحوم حولها تنفذ لها كل طلباتها لتنسيها حالها ، والاساتذة يمنحوونها من وقتهم وجهدهم حتى ينسوها نقصها . كانت تحس ان الكل يتألمون من اجلها ، فيصطنعون المساعدة والابتسام لها ، وكانت تتقبل ذلك وهي تود ان يكونوا طبيعيين اكثر من ذلك ، انها تكره الافتعال كرهها للذنوب ، وهي مقتنعة ان جلهم في الواقع لا يرتاحون لرؤيتها ولا يشعرون بذلك لان عاهتها كتشويه فى انسان يسعى بينهم ، تربطه بهم روابط قوية ، قد تمس مشاعرهم ، فيندفعون لا اراديا ، اما لمساعدتها ماديا او معنويا ، لانهم لا يعرفون ولا يحسنون تصرفا آخر يخرجهم مما هم فيه من حرج . وكم كانت تشفق لحالهم ! وهم ينثنون بجذوعهم ، وبريق عيونهم فزع من عينيها الصغيرتين اللتين اكتسبتا ثقة من شخصيتها القوية المصرة على تحدى الحياة بصعابها ، حتى اذا ما رأت من احدهم تكلفا ، اطرقت وانسحبت عنه حتى لا تكلفه مسخا لا يبتغيه .

ولم يكن يتعبها الا التنقل من المسكن الى المعهد ، وكانت تشعر بتخاذل برجليها ولو اسلمت عنانها اليه لتراخت ولدب فيها الوهن ، ولكنها عوض ان تطلب الراحة برهة ، تراها تندفع بكل اصرار ، متحدية الالم والوهن . لا شئ يقف حائلا بينها وبين الدراسة ، ان الاقدار بعثت بها الى الدنيا وهى شبه عاجزة وتجهل الأسباب الداعية الى ذلك ، وبعد أن تغلبت على بعض من هذا العجز واكتشافها لنبوغها الفكرى فى التعلم ، اصبح عزاؤها القلم والكتاب ، تعيش بهما ومن أجلهما ، ان كل شئ بدونهما لا طعم له ، وهي فى سكرتها بهما غير موجودة في العالم الخارجى للحرف والكلمة ، فهناك تنشد السعادة الخيالية والارتياح ، حتى اذا ما غابت برهة عن مصدر سعادتها ، واكتشفت الحقيقة التى تكمن فى كل عضو من اعضائها ، وفي نظرات من حولها من اشباح الانسان ، ارتبكت وجزعت وكأنها اكتشفت فى التو واللحظة ما بها ، وعادت الى

مطالعاتها - بول وفرجيني - الشاعر - القدر - الاجنحة المتكسرة - الارواح المتمردة - وهناك كانت تطول غيبتها عن عالمها الحقيقى المحسوس فلا تعود من الاو هى منتشية الى حد الانسلاخ كليا من وضعها الذي لا تحسد عليه ، وتبرق عيناها وهى فى غرفتها خارج النافذة ، الى سماء صافية ، مزدانة بلآلئ النجوم ومحيا القمر ، وفي هذا المشهد الساحر تلتقى بأبطال قصصها فتناجيهم ويناجونها ، فتقفز وراء هذا على جواده الابيض كالثلج يسابق الريح ، وتركب مع ذلك في قارب يمخر مياه الاودية ، والزهور تبتسم لها وتحييها بالجمال والعبير ، وتتسارع مع الآخر فى المروج الخضر ، فلا عجز ولا وهن ، حتى إذا ما كل خيالها من مجاراتها فى حلم اليقظة ، عاد بها الى الغرفة وصاحبته .

وكان ولابد ان تنهار ، فتلازم الفراش اياما ، لقد استهلكت كامل احتياطى اعصابها الذي هو رأس مالها ، لمجابهة تحديات الحياة ، وكان هذا وليد انغماسها الكلى فى الدراسة والمطالعة ، حتى اصبحت تكره تمضية اوقاتها بعيدا عن الكتاب ، وما فى هذا من معاناة دقيقة بنقصها ، فتمخض عن ذلك حساسية مفرطة ، تضخم لها الاحداث والظواهر فتكتسى صبغة بعيدة عما هى عليه في الواقع ، وهناك يصبح الانسان فى غير مأمن من فقدان السيطرة الكاملة على اتزان عقله ، فيسقط عندما يحترق ما تبقى من احتياطى الاعصاب .

ولزمت الفراش مرغمة وقد ابت ذلك اول الامر ، ولكن الوهن والانهيار كانا اقوى من كل العزائم ، حتى ولو كانت من فولاذ . وصارت تهذى بأبطال القصص والاساطير ، من حملوها بعيدا الى المروج الخضر والأودية الجارية ، على صهوات الجياد تسابق الريح ، وفى قوارب تنزلق على مياه لامعة ، يسحر خريرها الاذان ويشدها اليه ... وتزجر الصبية العفاريت وهم يحومون حولها وقد اضطربت بينهم حتى صارت كالقطة التى انتزعت من واد كادت تستقر فى قاعه . . . وتزعق فيهم . . . اغربوا عن وجهى . . . فلا يزدادون الا تفحصا فيها بعيون لا ترحم ، ان لكل كائن نقطة ضعف ، إذا أتى عليها الدهر بغتة ، تهاوى كما يتهاوى البناء الهرم الشامخ ، وتصرخ فى الصبية العفاريت ، فلا يتحرك منها احد ، وتتغير سحناتهم ، فاذا بهم الاشباح المخيفة ، قبح الوجوه بأذيال الافاعى، يتقدمون منها ببطء ليصبحوا الكابوس الذى يذهب بالصواب ، وتهم بالفرار وقد اعتادت الوثب على الجداول والسواقى ومسابقة حبيبها الاسطورة الذى قهر الابطال وساس الجياد الجامحة واصطاد الليوث الضارية ، ولكن هيهات ان تجد للفرار نصيبا ، ان العفاريت الاشباح ، قطعوا عنها خط الرجعة ، كل الطرق المؤدية للفرار محروسة ، ولقد خانتها رجلاها ومادت الارض تحتها والتصق السحاب الداكن بالارض فلم يعد اى شئ جميل ، كل شئ اصطبغ بالسواد

والوحشة والرعب، لم يعد للحياة طعم ولا معنى ، الدنيا تضيق بالنفس بعدما  فقدت رحابتها ... الاختناق ... الاختناق ... الاختناق ... والصرخة  تحجز بالاعماق ... الكبت ... الكبت ... الكبت ... الكبت ... ان  جوهرها يغوص في عدم مجهول وبغيض ، وقد انسلخت من ذلك الجوهر  وقطعت كل الاتصالات بينه وبينها ، كلما تعلم ، انه صار عدما

عندما افاقت ، كانت لا تزال تهذى من الخوف والجزع ، وفتحت عينيها نتفحص المكان ، وكأنها لا تصدق انها لا تزال تتنفس فى العالم الذى لم ينقرض بعد ، بعد ان عصرها الكابوس كأى شئ لا معنى له . وما ان عادت لها عافيتها حتى عادت الى دراستها لتقهر الصبية والاشباح والكابوس والعجز ، لقد عادت وكلها ايمان بانها سوف لن تقع مرة اخرى فريسة للخذلان والانهيار ، ستسها على عافيتها كما تسهر على النجاح ، ولكنها كانت تسهر بين الحين والآخر فتنساب فى قراءة قصة وقد شدت انتباهها ، ان فيها من النسيان والانسلاخ من جسدها . ومن ارضيتها تلك ما يطيل ساعات الاستغراق ، والاستغراق الكامل لاشئ يمنعها من ان تهجر النقص والعجز ، فكما لكل الكائنات الكاملة الحق في ان تتمتع بامتيازات كمالها ، فلها الحق فى ان تهجر عجزها وانعكاساته ولو أد بها ذلك الى الانسلاخ الكامل من الحياة . وعندما يغمض جفناها وتتراخي اناملها تستسلم للنوم ، ان حياتها تكاد تقتصر على الهروب من الواقع ، ولا تص عذابا الا وهي تجر رجليها جرا ، والأعين الثاقبة تخزها ، والوجوه المتأثر نترجم عنها ذلك وتنزلق الالسن . . . مسكينة . . يارب . . هي لا تكره ر القلب ولا ذكر الله ، ولكنها تكره ككل صاحب عاهة ان تصغي الى الفاظ تتصل بها وبعلتها من قريب او من بعيد ، لان ذلك يفسد عليها التلهى بغير عجزها وهى لا تفتا تهرب بخيالها الى عالم كله سعادة ، ولا مكان للالم فيه ولا للانين لا شئ يعكر تلك السماء الصافية او تلك الارض الخصبة ، وذلك النسيم العليل وتلك النفوس المجنحة التى جثت فى محراب السعادة ، فتذبح لها القرابية لتشد وثاق الالم جيدا بسلاسل من حديد ، حتى لا ينطلق من عقاله على حير غفلة وينقض على النفوس يعذبها ويشقيها .

وانقضت سنوات طويلة ، ولم يبق الا اشهر وتتقدم الى الاختبار النهائى لتتخرج مدرسة لم تكن تصدق وهي فى خلوتها من انها تخلصت من كل هذه السنين الطويلة من الدراسة والعذاب الجسدى والنفسى ، صراع دائب لا هوادة فيه مع العجز والخذلان ، لا هم لها الا النجاح ولا شئ غير النجاح ، فما تطلبه هو غاية كل يوم وكل اختبار وكل سنة ، ولم يكن تفكيرها مركزافى نجاح نهائى ، بل لم تكن ترجو شيئا بهذا النوع من الظفر ، ولكن حب البروز

على الاخرين هو الذى دفعها الى ذلك دفعا لا شعوريا ، ولقد كان هذا وليد ما بها من نقص ، وحتى الايام الاخيرة التى سبقت الاختبار لم تكن تفكر الا فى الظفر باعجاب من يحيطون بها ، اما ما عدا ذلك فهى خالية البال منه الا ككل انسان يحلم بالتحول .

وكان النجاح حليفها كالعادة ، وكانت الاولى فى قائمة التخرج وأحاط بها زملاؤها واقاربها يهنئون وهي تقلب النظر بينهم فى وجوم ، لقد بدرت منها ابتسامة سرعان ما اختفت ، لم تعرف ما الذى طرأ عليها ، كل ما تعرفه ان الحقيقة تعرت امامها بلا زيف ولا نفاق ، ان العفاريت الذين كانوا يشاركونها الزمالة والصداقة فى الفصل ، فكان بعضهم معها وبعضهم عليها ، سيصيرون كلهم عليها ، ستصلي بنظراتهم التى ستعريها وتنهشها وبتعليقاتهم الصبيانية غير المتزنة . انها لم تقدر على تجاهلهم وهي كأى رفيقة فى الفصل ، فكيف لها ان تتجاهلهم وهي الصنم الناقص المتحرك طيلة الدرس امامهم ؟ ولا مفر لهم الا الاستماع لها والتحديق فيها ، وكيف لها ان تظهر الكائن غير المنقوص حتى يتم الدرس ثم وهي خارجة من المعهد . فى تلك الاونة تحققت انها كانت تعيش وهم النحاح وتمتمت . . . هل حقا انهم فرحون بنجاحى ، ام فرحون لانني اصلحت اعتمد على نفسي بعد ان اصبحت مدرسة !؟ وحتى لا يكلفون انفسهم مبالغة فى الشفقة على ، واختيار الالفاظ المناسبة التى يدخرونها لى .ان العفاريت الصبيان لا يخفون عبثهم بي وهم فى سنى اللاعقل ، وحكمها عليهم كحكم القانون على القاصرين والمجانين ، فالراشدون العقلاء تعمى بصائرهم عن جوهر الكائن بنجاحه وباصراره ، بعزمه وقوة ارادته ، بحبه للخير والجمال وبنقاء سريرته ، فلا يبصرون فيه الا الشكل ، بحثا عن القوام الفارغ والعيون الساحرة والشعر الذهبى والجمال الخلاب ، حتى اذا كانت صاحبة هذه الامتيازات عاهرة تهتك في كل نبضة من نبضاتها شرفها الذى هو وديعة لديها ، وتجعل من سطها مزيلة المدينة . وتراءى لها شبحها وهو يترنح فى الطريق ثملا ، و كل الاشاح مولين لها الادبار الا الصغار الاشرار وغمغمت . . . اى نجاح هذا وأى انتصار ..!؟ ان نقصى تضخم لدى الآن ... انه يهدر كالبركان ، ونادت فى صمت . . . ايتها الاقدار ، لقد شبعت وهما بالانتصار هل اعيش بهذا الوهم حتى النهاية ؟ لقد نفع الوهم فى الدراسة فهل ينفع فى الزواج ؟ انى اشك في ذلك انتها الاقدار الا ان تتحقق المعجزة . . . الامنية . . . الحلم .

ما النجاح ما الاصرار ... ما الفائدة من كل هذا ما الفائدة ..!؟ مر شريط صراعها مع النجاح من جديد ، صراع لا هوادة فيه ضد العجز والخذلان ، وبدت منشرحة نوعا ما ، انها ها هناك تزحف زحفا كشاة نهشها

ذئب فتركها شبه ميتة تزحف ولا تدرى الى اين ، ولماذا هي تتحرك ؟ ولقد نجت وانتصبت على رجلين شبه مكبلتين ، وها هى تخط بالقلم على الارض فترسم اسمها ، وتحتضنها فصول المدارس فتفلح في كسب الرهان ، قد لا يصدق المرء انه كسب حلما ، فيبقى هنيهة يتحسس طريق اليقظة مع انه ما كان نائما ولا ثملا ، وانما اسكرته المفاجأة فجمدت جل حواسه ، الا بصيصا من ذلك الكسب يخز مشاعره التى ابت ان تتجاوب معه وان تتقبله لاول وهلة ، لقد تعودت على الكسب الجزئى ولكن ان تمتلك الحلم ، ان تمتلك ما ليس باليد ، وقد صدم الكثيرون بخيبة امل حطمت حياتهم فالنجاح لديها حق وهو فى متناول الجميع ولكنه صعب المنال حتى ولو كانت اهلا له ، لقد عاينت نجباء طيلة السنة الدراسية ولكنهم فى الختام يسقطون السقوط الذريع فيهاوون كما يتهاوى البناء الهرم اثر هزة زلزال .

شعرت بان تخميناتها بالنجاح واسبابه وانعكاساته قد غيرت من حالها ، فذهب عنها شحوبها واتت على كامل جسدها قشعريرة الذي يجابه امرا جليلا. ودبت فيها روح جديدة غير التى تسكن جسدها ، حبلى بشحنة من الطمانينة والسكينة والشعور بالفخر ، وهى تتوج باكليل من الغار ، لم تعد ترى ابطالا خارقين للعادة ، لا على صهوات الجياد ولا على القوارب النهرية ، لم تعد ترى الا ذاتها ، لقد كان ابطالها أساطير ، اما هي فحقيقة تبصر بالعين المجردة وتلمس بالانامل التى يسرى فيها الدم . لم يعد القمر جميلا ولا المروج الخضر تسحر لبها ، ولا خرير الاودية الجارية يشد انتباهها ، ان كل هذه الكائنات ما كانت جميلة وخلابة وساحرة الا بها ، فيها تعطى الكائنات النعوت التى تستحقها وبدونها فلا شئ هى الا كما هى .

ستنزل الى الشارع ، وستتكسر نظرات الناس وتعليقاتهم على صخور  شاطئها ، لقد استغربت كيف تخاذلت أول مرة ، وكادت تسقط في حضن اليأس بعد ان صارعته السنين الطوال وصرعته ، ستمخر البحر الثائر ، ولتتكسر أمواجه على جوانب سفينتها وهى لا تبالى ، ستتقدم فى شموخ الواثق من نفسه نحو جزيرة السعادة الحقيقية ، ثمرة صراعها الطويل الذي لن يتوقف ما دام فيها عرق نابض .

وعندما انفردت بغرفتها وفتحت النافذة على مصراعيها احست ان ابطالها انكمشوا لرؤيتها وكذلك القمر والأودية والمروج الخضر .

اشترك في نشرتنا البريدية