( 1 ) ان يفاجئك مجهول محترم ، وانت بصدد التأمل الهادئ فى جريدة ، أو بصدد الحديث الخاص جدا مع صهرك الفاضل ، ويقول لك ( دون تحية أو سلام ) :
- (( اسمع لقد قرأت مقالاتك الاخيرة ! ))
تصور أن شيئا من هذا القبيل يحدث فعلا . . ممكن ؟ فمثل هذا لو حدث هو من حق هذا (( المجهول )) المحترم . . كقارئ طبعا . . ومرحبا (( بحقه )) هذا . . , دون رغبة منك فى مطالبته بالحجة والدليل على صحة ما يقول . . وذلك خشية ان يكون فى سؤال من هذا النوع احراج له أو احراج لك ( كما حدث ذات مرة عندما قدمنى أحدهم الى خطيبته الفاضلة مشفوعا بألطف عبارات المدح والاطراء زاعما - عن حسن نية طبعا - اننى الشاعر نور الدين صمود صاحب (( رحلة فى العبير )) . وبالطبع وبالرغم من تقديرى الجم لصديقى (( نور الدين )) فقد أحرجنى جدا هذا الخطأ المطبعى كما صعب على احراج : ذلك الخطيب الشاب أمام خطيبته الحسناء بتصحيح معلوماته واسترجاع هويتي الحقيقية . . ثم تواصل الحديث حول (( رحلة . . فى العبير )) . . مكلفا نفسى نيابة الصديق العزيز (( نور الدين صمود )) فى الدفاع عن طابعه المميز فى نظم الشعر . . )
أما الكاتب والصحفى الكبير الاستاذ (( حسين الجزيرى )) - كما حدثنى بذلك رحمه الله قبل انتقاله الى العالم الآخر - فان الخلط بينه وبين المرحوم الاستاذ عبد العزيز العروى ( بسبب لا التشابه فى بعض حروف اللقب وانما التشابه فى ارتداء الطربوش ) لم يفض الى (( رحلة فى العبير )) وانما الى
احراج جماهيرى للاستاذ (( الجزيرى )) والى مطاردات فى زقاق المدينة . . ظنا من المتضررين بنقد عبد العزيز العروى ان صاحب (( النديم )) ليس سوى (( بابا عزيز )) . .
وازاء هذا الخلط بين الزميلين الكبيرين ، لم يجد المرحوم حسين الجزيرى بدا من الالتجاء الى حيلة طريفة تتمثل . . فى الاستظهار (( ببطاقة تعريفه )) كلما خاطبه مواطن بغير اسمه الحقيقى . . أو فى الاستظهار بصورة (( عبد العزيز العروى )) كلما حدث التباس فى هذا الاتجاه . . .
* * * ( 2 ) وأن يفاجئك نفس الشخص ، وانت دائما بصدد التأمل الهادىء فى جريدة ، أو الحديث الخاص جدا مع صهرك ، ويقول لك ( دون اعتذار أو استئذان ) :
- (( لقد قرأت كل مقالاتك الاخيرة . ولست متفقا معك لا طولا ولا عرضا . . ))
وهذا من حقه طبعا كقارئ ليس مطالبا بالضرورة بأن يكون نسخة من ادبائنا ، ومرحبا (( بحقه )) هذا ، دون رغبة منك فى المجازفة بتأملك الهادىء فى جريدة ، او حديثك الخاص جدا مع صهرك ، من أجل استحضار كل ما كتبته فى شكل (( مقالات )) التى قرأها هذا (( المجهول )) الفاضل . . ولم تعجبه لا طولا ولا عرضا . .
ولعلك - بدافع تلك النرجسية التى تحدث عنها صديقنا الروائى العراقى عبد الرحمن مجيد الربيعى - تتمنى ان يكون هذا المجهول المحترم قد قرأ بالفعل مقالات غيرك من خصومك فى الساحة وتوهم أنها لك ، أو انه فى حديثه اليك هو فى الواقع قد ذهب به الظن الى انك لست أنت . . وانما مثلا صاحب (( رافض والعشق معى )) ، أو صاحب قصة (( الانسان الصفر )) . .
وما دام الخلط بينك وبين أحد زملائك فى اتحاد الكتاب جائزا . . فقد لا يعدو ان يكون كل هذا الاحراج - أمام صهرك العزيز - سوى خطأ فى الشخص أو فى العنوان . .
لكن هل تسأله أم تترك المسألة فى اطار ((عسى)) ((ولعل)) ؟ لا .. لا .. الافضل هو أن تطالبه - ان كان مثقفا بالفعل - أن يناقشك على اعمدة الصحف (بعد شكره طبعا على هذا الاهتمام اللطيف بكل ما يخطه قلمك المتواضع) ..
(3) وأن يفاجئك نفس الشخص أيضا، وأنت دائما بصدد التأمل الهادىء فى جريدة، أو بصدد الحديث الخاص جدا مع صهرك العزيز، ويقول لك:
- ((لقد قرأت كل مقالاتك الاخيرة. واني لست متفقا معك على طول الخط وعرضه، كما اننى لست على استعداد لتأليف كتاب كامل لمناقشتك .. فى حين أنك الآن أمامى وبامكانى أن أقول لك رأيى الخاص .. فى كلمة واحدة))
وهذا أيضا من حقه كقارئ لا يؤمن بالاخذ والعطاء فحسب، وانما باعادة ((بضاعتنا الينا)) .. فوريا وبغير تأجيل، ومرحبا ((بحقه)) هذا، وان كان يصعب على، بعض الشئ، ان اتصور امكانية الرد بشكل موضوعى على سبع مقالات فى مواضع ثقافية مختلفة، بكلمة واحدة .!! اللهم إذا كان هد المجهول المحترم قد ابتكر فى تقنيات النقد الادبى والفنى أسلوبا بلاغيا جديدا .. اسمه (الايجاز) ..
ومما يمكن ذكره فى هذا السياق، هو أن الصحفى المعروف ((محمد حمدون)) عندما تعلقت همته فى سنة 1975 ببدء نطقه الادبى .. أبى الا أن يكون منقوده المفضل صديقنا الناقد ((بوزيان السعدى)) .. الذى رفض التصديق بوجود ناقد له يمكن ان يكون اسمه الحقيقى ((محمد حمدون)) فأبى .. بدوره الا ان يتعامل مع ((محمد حمدون)) بوصفه فقط اسما مستعارا .. لمحمد مصمولى .. (رئيس تحرير الجريدة التى شجعت محمد حمدون) .. ولكن الشاعر الميدانى بن صالح والدكتور هشام بوقمرة رفضا بلطف هذا الخلط بين شخصين مختلفين وتفضلا بوضع الناقد والمنقود وجها لوجه (مع استظهار محمد حمدون ببطاقة تعريفه .. طبعا) ..
وبيت القصيد هنا: ان محمد حمدون لم يرد على بوزيان السنعدى ((بكلمة واحدة)) وانما كاد أن يؤلف كتابا كاملا .. فى حين ان مجهولنا
المحترم .. يزعم انه قادر على التعليق على سبع مقالات من كتابتك الاخيرة بكلمة .. ليس الا ...
(4) ورغم أنفك، وقبل أن يرد عليك هذا المجهول المشاكس ((بكلمة واحدة))، قد تجد نفسك مكرها على تذكر بعض ما ذهبت اليه فى مقالاتك الاخيرة التى لم تعجبه .. لا طولا .. ولا عرضا ..
فأنت، على ما يبدو، ترى فى مجال تفاؤلك بالسنة الثقافية الجديدة:
- أن المثقف بالضرورة رقما بروقراطيا او قردا فى سيرك السياسة ..
- ان الموسم الثقافى التونسى الجديد يمكن ان يشجع على التفاؤل بسبب تركيز المسرح الوطنى، وتركيز المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق وبسبب احتفال تونس بألفية ابن الجزار، وبسبب تركيز المعهد العالى للموسيقى، وبسبب تركيز ((ايام قرطاج للمسرح)).
- ان هذا الجانب المضئ من السياسة الثقافية لا يعنى اطلاقا، ولا يمكن ان يعني بالمرة، ان كل المشاكل المتعلقة بالابداع، وبالشعراء وبالمسرحيين، وبالفنانين، قد وقع حسمها (بعصا سحرية)، أو أن بعض القضايا المطروحة فى الساحة قد وقع فضها نهائيا ...
- أن أحد أسباب بعض جراحات الواقع الثقافى يتمثل فى دس بعض الاطراف غير الثقافية لانوفها فى الجدل الثقافى .. الامر الذى حول هذا الجدل الى ((لعبة غميضة)) صبيانية جدا (ولكنها فاقدة لبراء الاطفال) بين الحوار الثقافى المشروع والنزاعات المصلحية، او السياسية .. البائسة ..
- ان بعض الحل يتمثل فى تظافر الجهود بين السلطة الثقافية وكل المثقفين الجادين من أجل اختراع صيغ مختلفة من ((اللغة المشتركة)) لايجاد الحلول الناجعة .. بواسطة حوار هادىء وصريح ..
- ان لاساتذة الجامعة دورا اساسيا فى اثراء الساحة الثقافية اذا تخلوا عن ((اكادميتهم)) وربطوا الصلة مع دور الثقافة ومراكز الاعلام .. ونسجوا على منوال المرحومين محمد فريد غازى وصالح القرمادى الخ .. الخ ..
فأنت قد قلت هذا، وأكثر من هذا، فى مقالاتك الاخيرة التى لم تعجب قارئ المشاكس .. الذى قرر الرد عليك ((بكلمة واحدة)) ..
هل هذا ممكن ... ؟ وكيف ؟
(5) أن يفاجئك نفس الشخص، وانت بصدد التأمل الهادىء فى جريدة، أو بصدد الحديث الخاص مع صهرك العزيز، ويقول لك (دون تحفظ او احتراز) :
- والآن سأقول لك رأيى فى كلمة واحدة: فأنت أيها الكاتب متفائل جدا.
- نعم؟
- متفائل .. متفائل .. جدا .. (ثم ينصرف دون سلام أو تحية). تصور ان شيئا من هذا القبيل يحدث فعلا ... ممكن؟
فما لا شك فيه هو ان من حق الكاتب ان يتفاءل ولو .. باحتراز .. دون ان يكون بالضرورة رقما بيروقراطييا أو قردا فى سيرك السياسه .. أما أن يذهب البعض الى ان التفاؤل شبهة ((يمينية))، أو الى ان التوجه المستقبلى يقتضى حتما .. احتراف المشاكسة باستمرار .. من أجل خلق البديل .. فأنا لست على اتفاق .. اطلاقا ..
وفجأة ..
تلتفت أمامك، والى يمنك والى يسارك، فتكتشف أنك على انفراد مع هواجسك .. أى فى جلسة عمل مع نفسك ... ليس الا ...

