الرجل الاول : قد تهب الريح الليلة من الشمال على هذه القرية . الرجل الثانى ( باسطا يديه وراءه ) : قد تهب من الشمال فتحمل معها رائحة الصحراء . الرجل 1 ( غارزا عينيه فى الجهة الشرقية ) : ولكنى اعتقد أن الريح ستهب الليلة من الشرق ، هذه الليلة على الاقل . الرجل 2 : قد تهب من الشرق فتحمل معها رائحة المستنقع المنبسط فى مدخل القرية . الرجل 1 : وانى لأكاد أشم رائحة المستنقع المنبسط فى مدخل القرية . الرجل 2 : ( فى تؤدة ) : تصور يا سيدى لو تهب من الجنوب أو من الغرب انها ستحمل معها بلا شك روائح السبخة وعفونتها مخلوطة بلفحات سموم هذا الصيف . الرجل 1 : ولكن الريح ستهب الليلة من الشرق . انظر الى الافق الشرقى . ألا ترى . . . عتمة قد تقاسم لونها السواد والحمرة وامتزجت بعتمة الليل المقبل ، فتخايلت لعيونهما رؤوس النخل كأن لم تكن . الرجل 2 ( بسرعة ) : أرى جيدا . انها عاصفة رملية . الرجل 1 : وماذا ترى أيضا ؟ الرجل 2 : أرى تلك النخلة السحوق يرتعد جذعها ، انها لا تريد أن تصمد ، ويبدو أن العاصفة هذه الليلة أقوى منها . انظر . انى لارى رأسها تخفق جريداته وان جذعها ليرتعد وانها - انظر - لتهوى الى الارض . الرجل 1 : وكيف يكون هذا مصيرها وحدها دون غيرها من النخل ؟
ولكن الصراخ المتصاعد فى الجهات الاربع من القرية جعله لا يسمع الاجابة قام متباطئا ثقيل الظل خفيف الروح متوسط القامة . لو كان فتاة لكان أهيف أعجز . اتجه الى الغرب ، مصدر الصراخ الذى اخذ يقترب أكثر فأكثر . ثم فتح ثقبا أماميا فى سرواله وأخذ يبول ، واقفا ، على الرمل ، محاولا رسم كلمة لم تدعه العاصفة ينهيها ، فقد أثارت من الرمل ما جعله يخفى عينيه بيديه . ووصلهما الصراخ وقد انحصر فى نقطة واحدة . ولم يتميز من الصراخ صراخ الاطفال وبكاء العجائز ولم يسمعا صراخ الصبايا وعياط النساء المتكهلات ولا شتائم الشبان لهن مطالبين بالهدوء .
فتعرضا للجمع . ولما شاهدهما الناس توقفت كل حركة وانقطع كل صوت ولكن سرعان ما انقضت فترة الدهشة وانطلق الهمس وتفشت الهمهمة تتخللها
بعض الضحكات الخجولة - أحيانا - بين الجمع المتوقف . اقترب الرجل الاول خفيف الظل ثقيل الروح وقال فى تؤدة غاضبة : أراكم تسرعون الخطو ثم رأيتكم تضحكون . أليس كذلك ؟ فتقدم طفل يمتص اصبعه الاصغر . الطفل ( لاثغا ) : أمى تريد أن تفر مع رجل آخر . فتقدمت أمرأة خفيفة رقيقة هيفاء غيداء من الولد الاشقر وقرصته من أذنه حتى توجع ، ثم رفعت رأسها متشامخة بعينيها الخضراوين . المرأة : انما هو زوجى قد ضبطته البارحة مع حمارتنا . فبرز من بين الجماعة رجل طويل القامة صغير الرأس كبير القدمين وقال للمرأة : اذن أنت كنت تريدين أن تفرى مع من ؟ فالتفت الطفل الممتص لاصبعه فأخرج اصبعه من فمه وأشار به الى الرجل ، الطفل : هو . هو . هو .
فآندحر الناس من حول الرجل وقد انتبهوا الى وجهه الذى لم يخفه بيديه عن الرمل المتطاير من أثر العاصفة . وتعالت شهقات القوم اذ اكتشفوا أنه هو . . وأومأت اليه نخلة قصيرة القامة صغيرة الجذع قريبة منه برأسها ثم سقطت على الارض احتجاجا . وعندئذ تبعتها كل القصيرات من النخل الموجودة بالمكان فسقطت . ووقع الاختلاف فى سبب سقوطها . فقيل انه كان بلا مبرر . وقيل انها الريح غلبت على الامر وقيل انه كان رياء . واستجابة لحيرة القوم دوت تهويمة الريح بين أغصان الشجر فى جوف الواحة . وقفز الرجل فى الهواء قفزة بهلوانية شدت اليه العيون . ثم تدحرج على رأسه ورجلاه الى أعلى ووقع نحت النخلة السحوق أعلى نخلة بالمكان ثم أخذ يتسلق جذعها وهو فى حالة صلب والايدى تشير اليه والافواه مفتوحة دهشة ، حتى اندس فى ثغرة قد التجأت اليها بومة منذ زمان وكانت كل ليلة تهدهد نعاس القرية بصوتها الفردوسى العذب . وعلقت الابصار بالثغرة ، فى أعلى نقطة بالجذع . الطفل قد دخل الجذع . فحملق كهل أول فى الطفل ثم حرك رأسه تحريك هزء وأتبع ذلك بتصفيرة أراد أن يحاكى بها صغير البومة . الكهل I : قد دخل ثغرة فى لجذع يا بنى . فأومأت شابة برأسها الى الطفل غامزة بعينها اليسرى . الشابة : قد تغلغل فى الثقب يا صبي . الطفل : ثقب ماذا ؟ الشابة - أنت طفل صغير . فهل يعنيك هذا ؟ الكهل I : انما يعنينا الآن أمر اخراجه من الثغرة . الطفل : ماذا سنفعل به ؟ الشابة : دعوه يتغلغل الى الاعماق . فأوما بنظرة حارة الى الكهل كهل ثان ضيق العينين رقيق الساقين صلب العود . الكهل 2 : آسكتى يا كافرة . الكهل I : المشكلة اذن هى كيف سنخرجه . الطفل : أشير عليكم باقتلاع الجذع كله ، وتسد الثغرة قبل ذلك ، ثم يبحث عنه . الشابة : أبى لا يوافق على اقتلاع النخلة فمنها لقمة عيشنا . الكهل 2 : إذا لم يخرج
يا ينبتى فسيصبح سوسة فى جذع نخلتكم ، وتكون العاقبة . . . الطفل . عليكم باقتلاع النخلة . الكهل I : لا تتشاجروا ، وأنصتوا الى .
فغمزت الشابة الطفل .
الطفل : انا طفل صغير . الكهل I : اسمع يا عفريت . انظروا وراءكم . لقد التفت منذ برهة فطالعنى نور ينبعث من وجهى ذينك الرجلين ، ان لى فيهما ثقة . وقرصت الشابة الطفل من قبل . فاستوى شابا ، والتفت بها ذراعاه . الكهل 2 : هذا الفتى مسكون . الكهل 1 : لى فيهما ثقة . الكهل 2 : والفتاة ممحونة . الكهل 1 قلت لى فيهما ثقة . الكهل 2 : وأنا لثقة لى فى أحد . الكهل 1حتى لو طالعك النور من وجهيهما ؟ الكهل 2 : ولو كان النور فى ساقيهما . الكهل 1 : أقسم أنك كافر . أنت كافر بالانبياء . الكهل 2 : وأقسم انك كافر . انت تؤمن بالفساق . وانتبه الرجلان اللذان اشرفا على بوادر العاصفة . الرجل 1 هل سمعت ؟ أصبحنا آخر حياتنا فساقا . الفتى ( لصاحبته ): هل سمعت ؟ نحن أنبياء من الصغر . وانتبه الجمع الى الكهلين المتشاكسين وقد اشتبكا بالايدى ، والى الشاب والفتاة المتعانقين والعتمة فى الفضاءت تشتد والرمال ثائرة يزداد هيجانها . وامتد فجأة رأس الرجل الهارب من ثقب البومة فى أعلى الجذع وفى يده اليمنى بومة يقبلها فى وله وفتون . أضاءت البومة المكان بعينيها البربريتين العربيتين الفنيقيتين البيزنطيتين وأطلقت صيحة وادعة لطيفة فى المكان فأنه اليها قلب الفتاة والتفتت اليها عين الرجل الاول ثقيل الظل ، فآنتبه اليه
الجمع . فقام من مجلسه ووقف تواضعا لينبه اليه الناس اكثر . الكهل 1 : اخوانى الافاضل أخواتى الفضليات . أيها . . الكهل 2 : لا تقاطعوه . سيحدثكم عن الفتى المسكون . الكهل 1 : دعونا من هذا الآن . لا فتى مسكون ولافتاة ممحونة . انما نحن الآن فى حضرة هذين السيدين الفاضلين . . . أشار أحد المتفرجين الى الرجلين باصبع والى الكهل باصبع . المتفرج : قدمهما لنا . الكهل 1 أنظر اليهما . انهما يقدمان نفسيهما بنفسها . فضحكت علينا البومة . فارتخت أعضاء الفتاة تحت الشاب . وخر الجمع ساجدين بأعينهم الى الرجلين . فأحمرت عينا الرجل الاول خجلا ثم ابيضتا طمأنينة ثم همس فى أذن صاحبه : ما قولك ؟ الرجل 2 : ما قولى ؟ الرجل 1 نعم . الرجل 2 فى ماذا ؟ الرجل 1 : فى الذى كنت تسمع وترى . الرجل : 2 لقد اصبحت نبيا . ولست فى مستوى النبوة . الرجل 1 : وأقول لك بكل تواضع انى لا أرضى بالنبوة . لا أرضى ب . . . و كانت امرأة عجوز قريبة منه . وكانت تهمس لنفسها " لاكن حتى عمشاء فى بلد عميان " ثم قاطعت الرجل الاول : كان المصلون قد غادروا مسجد القرية اثر
صلاة المغرب . وبدأت الحركة تخفت والنجوم يشتد لمعانها . حتى قامت صرخة فى جوف القرية . الطفل : . . . العجوز : ( غاضبة ) : لا تقاطعنى . الطفل . لان أمى أرادت أن تفر مع رجل . فأطل وجه الرجل من الثقب فى أعلى الجذع واختفى الضوء المنبعث من عينى البومة . وقرصت الفتاة الطفل من دبره . الفتاة ( للشاب ) : أنت الآن رجل . وضمت شفتيه بشفتيها كى تمنعه الكلام عندما كانت الضجة تملأ المكان من الحناجر المنادية مطالبة بعينى البومة . . . المرأة الجميلة المتهمة : انما هو زوجى قد ضبطته مع . . . فأطل رأس الرجل الهارب من جديد ، وأطل الضوء من عينى البومة . العجوز : إنى احتج ، فقد أخذت الكلمة من فمى ولم أقل شيئا . الكهل 2 ( للعجوز ) : تفضلى يا آنستى . العجوز ( مبتسمة ) : شكرا . ثم خطت ثلاث خطوات نحو الرجلين ثم عرت رأسها ثم أقسمت انى لصادقة فيما أقول . العجوز : ومالت القرية كلها نحو مصدر الصراخ فاذا بعائلة لم تنزل القرية الا اليوم قيل هى عائلة آتية من بعيد . لا يوجد فى الدار غير تلك المرأة مع رجل آخر ، وأبنها . وقالت المرأة . . . المرأة الجميلة : قد ضبطت زوجى مع حمارتنا . ولم يطل وجه الرجل من الثقب ، وبقى الضوء كما كان . العجوز : ان يقاطعنى أحد من الآن فصاعدا ، فسأشنعها . الكهل 1 : تفضلى يا . . .فغاضت الابتسامة على شفتى العجوز . العجوز ( مكشبة ) : اذن قالت المرأة ما قالت . وحملت معها مصباحا . ثم
انطلق كل المستطلعين يبحثون معها عن الزوج الذى قيل انه فر . الطفل . . . ولكن الفتاة ضمت شفتى الشاب بشفتيها فسكت . العجوز : والطفل ابن هذه المرأة شاهد على ما وجدنا داخل خلوة المسجد . كانت أرجلنا رجلا الى الامام ورجلا الى الوراء ، خوفا ، اذ كان فى الخلوة " الصراف " ، والاشاعات فى القرية كثيرة حول الشخير الذي يسمع كل فجر داخل الخلوة ، وعند التفتيش لا يوجد مصدر للشخير . وكنت والطفل المتقدمين . فتصاعد الشخير فجأة من بدمين . تتصاعد السحير فجاه من أعلى " الصراف " فقفزت خارج الخلوة ، وبقى الطفل . الطفل : . . . فضغطت الفتاة على شفتى الشاب بشفتيها ، فسكت . العجوز : ولم يصرخ الطفل فاطمأننت بسكونه الى الظلمة وأطمئنانه فيها ، فدخلت الخلوة من جديد ، ولكن النور الذى كان يملأ الغرفة من الشموع المتدلية من كل مكان بالجدران والسقف انطفأ فجأة انطفاءة واحدة ، فافقدنى ذلك وعيى . حتى وقفت على " الصراف " فاذا بوجه أحمر ينبعث منه شفق أحمر يقع فى رأس يقع فى مؤخرة جسم طويل ممتد على " الصراف " مغطى برداء أحمر . واذا بلون الوجه الشفقى ينقلب فجأة الى الاصفرار الصحراوى ويصبح الرداء مثل ذلك وداخلنى شعور التمنى أن أرى الوجه يخضر يخضر يخضر يخضر يخ( تجهش باكية الى حين )
. . ضر أو الرداء ، فلم يقع ذلك . فقال الطفل . . . الطفل ( منتزعا نفسه من ذراعى الفتاة ) : يكفى ، لقد أصبحت أشعر بالخجل من أمى . . . الشابة ( جاذبة له اليها اكثر بيديها وشفتيها ) : ليست هذه الا عاشر مرة . . . العجوز ثم قام صاحب الوجه الاصفر من استلقاءته ثم تربع ثم نظر شزرا الى الطفل فلم أدر هل أبو الطفل كما قال أم أنه ليس بشرا . ولم اشعر بنفسي الا صارخة منفلتة من الخلوة . حتى رأيتنا هنا يا سيدى لائذين برحمتكما . . . الكهل 2 تفضلى اجلسى يا آنستى . العجوز ( تخنقها العبرة ) : شكرا لك يا سيدى واتكأت على حضن الكهل الثانى ، فأخذ يمسح لها بأنامله الخشنة العجفاء دموعها مهدهدا لها خديها الضامرين مربتا على عجيزتها . الرجل 1 : ما قولك ؟ الرجل 2 فى ماذا ؟ الكهل 1 ( هامسا للعجوز ) : انهما يتفاهمان - الكهل 2 ( للكهل الاول ) من فضلك . لا تعكر علينا صفوا . الرجل 1 : فيما كانت العجوز تقص . العجوز ( مغمغمة ) : يقول العجوز ولا يستحى . الكهل 1 : عيب عليه كبير الا يقول الآنسة . الكهل 2 ( للكهل الاول ) : فى المرة المقبلة أشهر عليك سكينا . الرجل 2 : لا ثقة لى فى العجائز . الكهل 2 : شيخنا أصلحه الله لا يميز بين أفعال العجائز وأقوالهن . فتلقى نظرة متوعدة من العجوز . الفتاة : الآن أصبحت أكرهك . الكهل 2 : أقسم بشيبات رأسك يا عزيزتى انى برئ . الشاب : ( للفتاة ) : اذن أنت لا تحبيننى . الكهل 2 : لماذا لا تثقين فى ؟ الفتاة أن أكرهك لا يعنى أنى لا احبك . الكهل 1 ( للعجوز ) : يعوزك رجل يثق فيك ، مثلى أنا . الرجل 1 : لا تتهرب . هى معضلة لابد من حلها . الشاب ( متنهدا ) : أخشى أن ينتهى حبنا الى زنقة حادة ، كأن ينتهى بنا العمر . تلك هى سنة الكون . الكهل 2 : أنت فى ريعان شيخوختك وشيخوختك لى ، لانى أنا اكتشفت كنوزك . العجوز ( مشيرة الى الكهل الاول ) : وهذا الشيخ ؟ الفتاة : ما هذا الذى تقول ؟ الرجل 2 : وهذه العجوز ؟ الكهل 1 (للعجوز ) : ومن يصدقك ؟ الشاب ( للفتاة ) أنا أعبدك . العجوز ( للكهل الاول ) : أنت أول من صدقنى . الفتاة : ماذا تعبد فى ؟ الكهل 2 : أحب فيك صدقك . الشاب : أعبد فيك عينيك و . . . العجوز ( للكهل الثانى ( : أنت فى حوزتى : لا خوف منك . أما هذا الكهل . . الرجل 1 : فى قولها حرارة . وأنا أعلم بعقول هؤلاء الناس وأذهانهم وخاصة العجائز منهم . الفتاة : اذن أنت لا تعبد فى الا عينى . فأنت لا تعبدنى أنا . الكهل 2 ( متحسسا ببصماته العشر ثديي العجوز الناشفتين ) : أى حرارة فيك ! الكهل 1 ( العجوز ) لو كنت نبية لكنت أول من آمن بك . الشاب : فى الجزء يكمن الكل . الرجل 2 : أنا معك وأنا وراءك . فهلم . . . العجوز ( للكهل 1 ) : لك على هذا الغزل والتشبيب
قبلة . ومدت اليه شفتيها وثدييها وصدرها فاحتضنها بحرارة باردة . الفتاة : لقد اقتنعت . فلنعد الى ما كنا فيه . الرجل 1 : فلنتو كل اذن على انفسنا .
فلطم الكهل الثانى الكهل الاول بصفعة أطارت صوابه . قرص العجوز من خدها المجعد المغضن فصرخت . ووقعت الفتاة الى الشاب بعيدين عن الضوضاء . وأطل رأس الهارب والج الثقب . وفى يمناه البومة التى لم تضن بعينيها والتى ابتسمت فى وجه العجوز فخمدت الثورة فى أعصابها وغمزت الفتاة فاتقدت الشهوة فى شرايينها ، وذابت فى صاحبها . ولما انبسطت أسارير وجه العجوز ابتسمت . ولما ابتسمت هدأ الكهلان ورنيا اليها فى هيام وعشق ، فقام الرجل الثانى واتجه الى الجمع محاولا القضاء على الهمهمة والضحكات المكبوتة بين الجمع . الرجل 2 : اخوانى الافاضل . أخواتى الفضليات . ( مشيرا الى الرجل الاول ) هذا الذى ترونه أمامكم ولى من أعظم وأخشن وأكبر واشهر واقدر أولياء الله . فهو ولى صالح من أولياء الله الصالحين . ولو كان هناك عدل لكان أول من يفوز بجائزة المسمى نوبل .
وانا ، الفقير الى ربه ، الحقير أمامكم ، خادمه واول مريديه ، وتلمذه ؛ اذ كنا قد رضعنا الحليب وذقنا الملح معا ايام الجوع والمحن . وقد نوبنى لا تكلم باسمه للنظر فى أمركم . . . الفتاة : الريح لا تريد أن تسكت . الشاب : ليس أعذب من ممارسة الحب فى الريح العاصفة . الفتاة : فتختلط اللذة برائحة الرمل وروائح الصحراء والسبخة . الشاب : وتنبت على نهديك نخلتان . . الفتاة : ويلزج تحت سرتينا العرق . الشاب : وخاصة عندما تكونين عارية مثل الآن . الفتاة : وخاصة عندما تكون عاريا مثل الآن . الكهل 1 ( وهو لا يتحسس مواضع معينة من العجوز ) : السمع والطاعة يا مولانا . الكهل 2 ( وهو لا بتقبيل شعر العجوز الابيض ) : تحت أمرك وفى طاعتك يا صاحب النعمة . العجوز ( وهى شبه نائمة بين الكهلين ) : لقد فوضنا لك أمرنا يا واهب البر كات الرجل 1 ( للرجل الثانى ) : وما العمل الآن ؟ ثم تنحنح الرجل الثانى ، ثم همهم ثم سكت . نهض الرجل الاول متكاسلا متثاقلا منحنيا الى الشمال ممسكا بيسراه جنبه الايسر ثم بيمناه مؤخرة ظهره . يتقدم من الجمع . الرجل 1 : أبنائى الافاضل ، بناتى الفضليات أيها . . الفتاة . وهل يعدنى أنا ايضا من بناته ؟ الشاب : اما انا فمن مريدية ! الكهل 2 : ما أعذب كلامه ! الكهل 1 : لكانه العسل على لسانى ! العجوز : الحمد لله الذى وفق بينكما . الكهل 2 : نحن صديقان من الصغر . الفتاة : ولا أتعجب أيضا اذا كان أبوك من مريديه . فأطل وجه الاب الهارب من الثغرة . وقد أغمضت البومة التى تدلى لسانها من أنفها ، عينيها .
فعم الظلام بغتة . الرجل الهارب ( صارخا ) : لقد خنقتها . .. الفتاة : لننعم بالظلام . الشاب : لنتمتع بسلام الليل . فقامت الضجة بالمكان كله . وتعالى الصراخ فى اذ استيقظ من نام وقام من كان قاعدا . وكثر اللغط : المجرم . المجرم المجرم . حتى بزغ القمر فجأة من الشرق البعيد . فضاء المكان ، فسكن القوم من جديد . الرجل 2 ( هامسا للرجل الاول ) : لقد أصلح القمر ما فسد ، ولكن الريح ما زالت تقلقنا بعنادها . الرجل 1 ( فى حدة ) : لقد عرفت ما بكم منذ نظرت الى وجوهكم اول مرة . بل انى عرفت ذلك قبل أن أراكم هنا . ولا مخلص لكم سواى . العجوز ( متنهدة مغمغمة ) : يا مخلص . . الكهل 1 : أما أنت فانا مخلصك . فنظر اليه الكهل الثانى فى حدة . الكهل 2 : ممن ؟ الرجل 1 : أنا مخلصكم من أوهامكم ومن الجو الخرافى الذى تعيشون فيه . الفتاة ( ضاحكة ) : وهذه العاصفة شاهدة على ذلك . الشاب ( فى جد ظاهر ) : كما ان القمر شاهد على تحررنا من الوهم والخرافة . العجوز : لا مخلص لى غيره هو وحده فى استطاعته أن يعيد الى شبابى . الكهل 2 : بان تنامى بين أحضانه ؟ العجوز : بالسحر . الكهل 1 : نخاف أن تسحريه قبل ان ينفذ فيك مفعول سحره . العحوز ( باسمة ) : بماذا أسحره ؟ الفتاة ( ضجرة ) : هذا القمر لا يريد ان يختفى . الشاب : لماذا انت ضجرة ؟ فهذه المرة العشرون أعذب من المرة الاولى معك . . الكهل 1: السحر فى عينيك . الرجل 1 ( يزعق مازحا انى انتظر ان تجيبونى يا أبنائى . العجوز : ما أظرفه وأخف مزاجه ! الكهل 1 ( فى صوت خاشع ذاهل ) : يا مولانا . الامر والنهى لك . الرجل 2 : على مولانا وسيدنا بالمجرم .
فاصطفقت الريح وتأوهت مدوية فسمع لسعف الجريد صوت استجابت له الوحشة فى جوف الواحة فوقعت رعدة فى بعض القلوب . وتثار الرمل فى هيجان عاصف . الكهل 2 : من المجرم فينا ؟ العجوز : فينا مجرمان . الفتاة : الكهول الفساق هى المجرمون ، وخاصة اذا كانوا مع عجوز . أما نحن فنمارس حقنا الطبيعى . الكهل 1: فينا شاب مسكون وفتاة ممحونه . الرجل 1( يزعق جادا ) : على بالمجرم ، فانقبضت القلوب لزعقته فانفتحت الآذان اكثر ، وقل الانتباه . . العجوز : كيف يكون وليا وليست له لحية ؟ الكهل 1: لانه كان يحلم برؤتك هنا . الرجل I : سأقوم الآن بعملية تركيز ، أجمد فيها أذهانكم فى نقطة معينة من مناطق الوهم فيكم ، ثم أستل الافكار السوداء من رؤوسكم وصدوركم فلا تبقى الا الصفحات البيضاء فيكم ، وعندئذ تسهل المهمة ويظهر المجرم . واسترسل فى تمتمة وهمهمة وغمغمة وجمجمة بلا لون ولا رائحة ولا معنى ، برفع عينا ليصلب أخرى ويسوى شفة ليعوج أخرى . وسرت فى
جسمه سخونة فتندى جسمه عرقا يتشخب من يديه ، ثم فقد وعيه فى عملية التر كيز فاضطربت يداه وخالجت جسده رعشة قوية حتى تجمد جسمه فجأة و أصبح كالتمثال ولم تبق الا بلبلته وزعاقه " المجرم . المجرم . المجرم . . مخلوطة فالزبد الابيض من فمه وأنفه . الرجل 2 ( هامسا للرجل الاول ) هذا الزبد بشير خير . ( ثم بعد تأمل ) وهكذا يتعب المصلحون فى سبيل الغير . ولما رأى صاحبه قد تصلبت شفتاه وأرنبة أنفه وشحب موقاه واقتربت عيناه من الجحوظ وقد أمطر فمه رذاذا استبشر وقال قد اقترب الفرج . واسترسل يصفق بيديه ورجليه تصفيقا حادا تشجيعا للممثل كى يواصل المشهد . فاستجابت أيدى الحاضرين المشاهدين منهم والنائمين . واتحدت ايقاعات الايدى فى ترنيمة جنائزية اختلطت بتهويمة الريح فكانت لهما حدة فى المكان حتى أطل الرأس من الثغرة فلاحظ الرجل الثانى أنه بلا أذنين . الرجل 2 ( هامسا للرجل الاول ) : يكفى . فقد نجحت مهمتنا : قد استجاب لك القوم وتبين المجرم . فانتفض الرجل الاول انتفاضة قوية وسكن سكنة واحدة . فتجمد العرق على عينيه وأنفه والتصق بموقيه كأنه الدموع المصطنعة . وارتدت عيناه الى محجريهما وقال فمه الذى بقى معوجا . . الكهل 1 : لقد كانت حالة مولانا المخلص تبعث الخشية والخشوع فى القلب . الرجل 2 ( هامسا لسيده ) يبدو أنه مجرم خطير جدا . الرجل 1 ( هامسا أيضا ) : من الذين يسمعون بآذانهم فى النهار والليل ويبصرون بأعينهم فى الليل والنهار ! الرجل 2 : فأى نعت يطلقه مولاى اذن على هذا المجرم ؟ الرجل 1 ( مفكرا ) : أظنها أول مرة تعترف بى فيها مولى لك . الرجل 2 : لقد آمنت بمقدرتك على السحر يا مولاى يا مولاى . . . الرجل 1 ( مفكرا ) : لكن لا تنس أننا شرعنا فى العمل مدفوعين بنخوة انسانية ولم نقدر عاقبة . الرجل 2 : خير ان شاء الله . الرجل 1 : واى خير فى فقر هذا القوم ؟ الرجل 2 : لنقنع بالقليل يا مولاى . يا مولاى . . الرجل : اذن . . فأى نعت تعطيه لهذا المجرم يا عزيزى ؟ الرجل 2 : لندعه المجرم المبصر . الرجل 1 : الله الله عليك . ممتاز جدا . مبصر على وزن مجرم . ممتاز . الرجل 2 ( متسرعا ) : لنجابه القوم اذن يا مولاى . الرجل 1 ( مصفقا بيديه . صارخا ) : لتسقط من عليائك أيها المجرم فانتبه القوم على سقطة المختبئ فى الجذع . سقطة كان يمكن أن تكون حادة . الفتاة ( صارخة ) : لماذا أخرجته ؟ وهوت بفمها على خد الشاب تعضه مغمغمة : خائن . خائن . خائن . وكان الرمل قد فصل بين بطنيهما وغطى معظم ظهريهما العاريين . الكهل 2 ( للعجوز ) : لتعذرينى . فلم يعد فى امكانى أن أومن بك أو أعبدك بعد الذى رأيت من معجزات . الكهل 1 ( للعجوز ) : أمرك لله .
وكانت العجوز مشدوهة بوجه الرجل الاول وبما يقع . فلم تأبه بالكهلين . الشاب ( للفتاة ) : انما هى العاصفة قد فصلت بيننا : لانك لم ترى أبى يسقط بلا أذنين يرى بهما فى الليل ويسمع بهما فى النهار . الفتاة : اذن أنت ابن جاسوس ؟ لقد كنت أحلم فى صغرى بأن يحبنى جاسوس . أن أنام بين ذراعى جاسوس يجيد التجسس على . الشاب : كونى عاقلة ولو برهة فنشاهد ما سيقع فى المشهد المقبل ، ثم نعود الى حبنا . الفتاة : لنتباغض الآن اذن ، ولو لبرهة ، ثم نعود الى حينا . فأنا الآن اذن ابغضك . . . . الشاب ( محتدا ) : وأنا ايضا . فمدت اليه شفتيها فى لين واستكانة . وقبلها عليهما قبلة حارة تفور غضبا حتى انقلب التقبيل عضا . تلك هى قبلة البغض بينهما . حتى انتبها الى الرجل الهارب الى الثغرة والساقط منها فى جذع النخلة السحوق . فاذا هو خفاق يرتعش مقتربا من مجلس الرجلين ثم وقع أمام الرجل الاول فأقعى . ثم وضع رأسه على الركبة اليمنى للرجل الاول المتربع : ثم مد ساقيه الطويلتين الكهل 1 (لنفسه )وتلك الايام نداولها بين الناس . العجوز ( هامسة لنفسها ) وجهه لم يتغير . مازال شديد الاصفرار . الرجل 1 ( للمجرم المبصر ) : ساخرجها منك .
فأجابه المجرم المبصر بالصمت . الفتاة ( هامسة لنفسها ) : ماذا ستخرج أكثر مما أخرجت ؟ وأمر الرجل الاول بمن يأتيه بسطل ماء وجئ به من البستان القريب مملوءا فوضعه أمام الرجل اليمنى للرجل المستلقى المجرم المبصر . الرجل 2 ( للجمع ) : سيخرج الآن مولانا وسيدنا ومخلصنا الاعظم من هذا المريض الجنية التى تسكنه . واللعبة تتم كما يلى : تخرج الجنية من الاصبع الاصغر فى رجل المريض اليسرى . وعندما تخرج سترون سطل الماء هذا ينكفئ بما فيه . واسترسل الرجل الاول فى همهمته السابقة وغمغمته وجمجمته مجهرا حينا ومسرا آخر بما يقول من كلام غير مفهوم فيه الشئ الكثير من اسماء الجن واسماء الاماكن المجهولة كواق الواق وجزيرة الاحلام شيطانية الاحداق والجزيرة الخضراء التى تملكها السراق وارم ذات العماد باهتة الاشراق . . . حتى أغمض الرجل المستلقى المريض المتهم المجرم المبصر المقطوعة أذناه عينيه وأخرج لسانه وأخذ يلهث ثم انقلب اللهاث هديرا . وقد تمكنت منه رعدة قوية فتحركت كل اعضائه . وأشتد عصف الريح فزلزل المكان زلزاله وأخرج أو حاله فاختلط الرمل المتطاير بالقش فى الجو المشرف عليه قمر ضعيف نوره من شدة التراب المتطاير . وسمعت أصوات جذوع النخل المتساقطة من بعيد . وقامت قيامة المكان . الرجل 2 ( لنفسه ) هذه عاصفة هوجاء حقا .
ثم صمت صمتا . الرحل 2 ( لنفسه ) : كان منتصف النهار ينبئ بليلة هادئة .
الرجل 2 ( لنفسه ) : قد سقطت النخلة ذات الثغر الذى كان يؤوى البومة و المجرم المبصر المقطوعة أذناه .
ثم صمت صمتا . ولكن الريح لم تصمت . بل هى تزداد عنفا على عنف فى عنف . ومن تطاير الرمل والقش مارعت الايدى فى كل جهة الى الاعين تحميها ولم تفطن الا بعض القلوب الى جسم الرجل المستلقى اذ خمدت فيه حركته المتصلة ودون أن تمتد ساقه سقط السطل فى جوف الليل فى صوت خافت على الارض منكفئا ، ولم يسب منه ماء . فشهق الرجل الثانى وقد فطن للعملية وتساءل اين الماء ؟ وقع ما لم يكن يتوقع ، ورفع السطل فتحسس الحشد المغمض عيونه فوق أيديه دفئا وبين أصابعه أشعة نور متسللة الى العيون فانزاحت الايدى عن العيون فاذا الصمت يعم المكان فلا ريح واذا المكان يغمره نور . نور ينبعث من جسد أمرأة واقفة أمامهم عارية سافرة عن وجهها ! وجه لم يروا مثله جمالا فى حياتهم وكثرت الحر كة بين الحشد واتصلت الهمهمة فأخرج جسمه من كان الرمل يدفنه حتى رأسه . وتطلعت جميع الرؤوس الى المرأة وهى تشير الى الشاب . فجاءها طفلا كما أقبل أول مرة . وفتحت المرأة فاها ( الشهى ) لتتكلم لاول مرة المرأة : . . . وربتت على كتف الطفل الايمن وتمسحت يدها كالقطة ( الوديعة ) على شعره اللين وخديه . الكهل 2 ( فى لهجة الحكيم : ) قد تولد الزهرة فى المزبلة حقا .
ثم صمت . ثم صمت صمتا . اذ انتبه الى اختفاء القمر فجأة . والى غطيط الرجل المجرم المبصر فى نوم هادىء ، والى الرجلين الصالحين وهما يحترقان ويلتهبان فى نار ذات السنة طويلة ذات السنة . . .

