الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

ية

Share

حلقة رقم ( ١ )

جمعتنا جلسة هادئة وكوب من الشاي جمعتنا جلسة هادئة و الساخن ، تحت شجرة وارفة الظلال من ٣ - من لتسن المبارك الذي يغص به ستان شجر التين المبارك الذي يغص به بستان جليسي . كانت الشمس تميل الى المغيب ، اشعتها الوردية الذابيلة تعيد للانسان حيث أشعتها الوردية الذابلة تعيد للانسان ذكريات وذكريات ، اخداث مرت به ، يعود ليعتصر حبل افكاره ، ويعيش لحظات فيها ، وأخذت أسرد بعضها لصاحب ، وهو يصغي - مشغولا بارتشاف الشاى تارة ، وبالنظر الى طير يحط هنا ، وآخر يغرد هنالك تارة أخرى ، واخيرا التفت الى وهو يقول ، وقد بدا الجد يرتسم على قسمات وجهه :

- لماذا لا تدون هذه المذكرات ، التى - مرات ، التى عشت فيها ، ايام كنت مفتشا بنظارة المعارف

فقلت غير مقتنع بما يقول : - وماذا فيها ؟ هى احداث ومجريات عادية ، تقع مرارا ، وتتكرر كثيرا فى كل زمان ومكان ، التفتيش طريقته ومادته لم تتغيرا ، فالحال كما كانت فى السابق ، ولن يستطيع اى قانون من تغيير سلوك الفرد تجاه عمله ومهنته اللذين تعود عليهما ، ورأيت صاحبي يرفع صوته وهو يقول :

- ابدا ان سنة الحياة تأبي ذلك ، وتنفر من الجمود والتوقف عند مرحلة معينة ، الطرق التربوية المحدثة ، ووسائل الحضارة التى تضفى الليونة والحركة على كل شئ ، والأنظمة المبتكرة ، كل هذا يجعل التباين واضحا بين الماضى والحاضر

وتابع يقول :

- ولكن هل كنت تطبق كل ما كان يصلك من التعليمات ، وما تطلع عليه من نظريات وآراء وهنا ارتددت بظهرى الى ساق التينة ، وصببت لنفسى كوبا آخر من الشاى أما هو فقد رفض ذلك ، وقلت :

- طبعا . . ولكنى لم أكن لاقتصر على ما كان يصلنى وأطلع عليه ، بل ان التجارب التى مرت بى جعلت من بعض تصرفاتى ابتكارا فى بابه ، لقد كانت ابتكارات تدل على ألمعية ، فقال وكأنه قد انتصر على :

- وهنا العبرة والفائدة من كتابة هذه المذكرات ، فلا شك ان من سيطلع عليها ، ستثير . فى نفسه اشياء واشياء ، وخاصة اولئك الذين يحملون عبء هذه المهنة الشاقة ، وستكون دروسا قليلة تغنى عن تجارب كثيرة .

لقد بدأت فكرة الاقتناع بكتابة هذه المذكرات تتغلب على تمنعى ، ولكن وقف الصدق والأمانة في سرد هذه المذكرات ، ذلك بانه لا يمكن لهذه السنوات الطويلة التى قضيتها فى هذه المهنة ان تخلو من الطرائف والحكايات النادرة المثيرة ، والتي تجعلني اقف عاريا امام قراء هذه المذكرات ، والتي تعرى بالتالي شخصيات واشخاصا لا يطيب لهم هذا العرى ، لقد كان يصدر مني بعض " التعجرفات " والشطط وملاحقة

هوى النفس التى لا يكاد يخلو منها احد الا هن كان على غير طينة البشر او على شاكلة الانبياء والصالحين .

وغادرت الشمس وجه البسيطة ، مخذولا مكسوفا ، وارتفع صوت المؤذن الحبيب عاليا يؤكد في حزم واصرار بأن لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله ، فمددت يدى لصديقي ، الذي قال :

- قبل ان نتصافح عدنى ان لا تخذل ولا تتوانى عن كتابة هذه المذكرات ، أما قضية نشرها فلك مطلق الحرية فى ذلك ، فاما ان تنشرها بين الناس ، واما ان اطلع عليها لأعي بعض ما انا فى حاجة له فى هذه الايام ، واما ان تمنحني شرف الاحتفاظ بها ، وأردفت معقبا على كلامه قائلا وبسرعة :

بل أودعها قلوب الناس فهي اوعى لها من ركن بيت مظلم او رف دولاب قديم .

وأسرعت الى اللحاق بصلاة الجماعة فى المسجد ، وخلال اداء الصلاة كانت تسرح بى الافكار ، فاستعيد ذكريات تلك الأيام الخوالى ، فكان لا يعيدني الا صوت الامام مرتلا : " ولا الضالين " ، فأعود واؤمن مع المصلين الخاشعين " آمين " بصوت مرتفع ، واقرأ الفاتحة وسرعان ما اعود لخيالاتى .

والحق اننى آمنت أن لا بد ستكون لمذكراتى فائدة ، سلبية ام ايجابية ، لا يهمني نوع وكيفية هذه الفائدة ، بل ستكون ذات نفح وكفى ، رجعت الى البيت وايقظت الضوء من رقدته التى استمرت اكثر من اثنتى عشرة ساعة واتخذت مجلسي وراء مكتبي ، وامسكت بقلمي الذي عاش معى كثيرا من هذه الذكريات ، وبدأت منذ البداية :

كان يوما مشهودا ذلك اليوم الذى حمل

لى البريد فيه كتاب ترقيتى الى مفتش قسم فى مكتب المعارف بلواء ........... رغم اننى لم افاجأ بالنبأ ، الا ان بعض الاصدقاء ومعهم زوجي واخي اصروا على اقامة حفل تكريمى لى ، واقيم الحفل ، وحضره جميع أعضاء هيئة التدريس التى كنت اعمل معها ، ووقف الخطباء يشيدون بالجهود التى بذلتها وابذلها فى دفع عجلة الثقافة والعلم فى هذا اللواء الى الامام . لقد كنت مشغولا عن كل هذا الهراء بالمكتب الذي سيخصص لى فى مكتب المعارف وبالطريقة التى سأنهجها فى عملى الجديد ، وعلى اى وجه وكيفية ستكون هذه الطريقة ، فيجب ان يعرف الجميع بانني ذلك الرجل الذى يملأ هذا المنصب بجدارة واستحقاق ، كما يجب ان يعرفوا بأنني ذلك الرجل الذي يغار على العلم فى بلده ، ويسعى الى رفع شأنه عاليا ، كما يقول هؤلاء الخطباء الاغبياء المنافقون الذين يدفعون بعضهم دفعا الى الطاولة التى صارت منصة للخطابة .

وفي صباح اليوم التالي ، ارتديت اجمل وأحدث حلة لى ، وتأبطت حقيبتى السوداء الفاخرة التى اشتريتها مساء امس ، لقد شعرت في طريقي الى مكتب المعارف بأن العيون تتابعني مكبرة مجلة لى ، فأنا اليوم غيرى بالامس ، لقد اصبحت على مستوى المقياس الذى يقيس الناس به الرجال ، وهو القدرة على محاسبة اكثر عدد ممكن من المرؤوسين ، لقد كنت مسؤولا عن قلة قليلة لا تتيح لى فرصة ابداء جميع الطاقات الكامنة فى .

دخلت على مدير المعارف باللواء ، ومددت يدى لمصافحته وانا انحني قليلا انحناءا مجللا باللطف المستعمل ، فصافحنى

وبارك لي عملي الجديد ، وانهى الاطلاع بسرعة على مجموعة الاوراق التى كانت امامه ، والتفت نحوى وهو يقول :

- الحق يا استاذ حمدى اننى معجب بشخصيتك منذ زيارتى الاخيرة للمدرسة ، ومن يومها وانا اشعر بأنك تصلح لهذا المنصب الذى نلته بحمد الله ، ولا ننسى اننى رشحتك له فى التقارير التى رفعتها المقام وكيل النظارة !

لقد كابدت نفسى خوفا من ضحكة تفلت رغما عنى وهو ينطق بكلماته ، فأنا أعرف من الذى رشحني وسعى حثيثا فى سبيل ذلك ، انه أخو زوجى مدير الشؤون الادارية بنظارة المعارف ، والذى ما فتئت زوجى تحضه على ذلك ، واليوم ينطق سيادة مدير المعارف بهذا الهراء الزائف

ثم مد يده وتناول قلمه وسطر عبارتين على ورقة امامه ، ونأولها للفراش واوصاه بايصالها الى نائبه ، وبعد هنيهة رجع الفراش وهو يقول :

- نعم سيدى . . كما أمرت ! فاستدار المدير نحوى وقال

- أهلا بك يا استاذ حمدى باستطاعتك مزاولة عملك فى مكتبك منذ الآن ،

كان ذلك ايذانا لى بالذهاب الى مكتبي ولكننى لا أعرفه ، واخرجني الفراش من حيرتى ، وهو يقول لى :

- تفضل يا سيدى ، وسرت وراءه . ان لله في خلقه شؤونا ، ما اعجب هذه الطبائع البشرية ، بالامس كان المدير عندما أحضر الى مكتبه لا يكلف نفسه عناء الوقوف للسلام على ، بل ان اصبعين او ثلاثا هى التى تصافح يدى ، اما البقية فهى تغط في نوم عميق فى باطن كفه ، واذا فاتحته

بأمر قال بشموخ :

اذهب الى السيد عبد اللطيف المفتش الادارى ، وفاتحه بما تريد ! .

أما اليوم فأنا السيد حمدى الذى اعجب بشخصيتى ، والذى كان يشعر بأحقيته لهذا المنصب ، لكأن اللطف ودماثه الخلق على وئام معه هذا اليوم .

مرت هذه الخواطر وانا اتبع الفراش حيث مكتبي الجديد ، واخرج رزمة مفاتيحه وأدار كرة الباب ، ثم دفعه وهو يقول :

- هذا هو مكتب سعادتكم ! فدلفت الى داخله وأنا أقول ) وانظارى تصفع جميع موجودات المكتب بنظرة قاسية

- شكرا مع السلامة . لقد ألمني هذا المكتب ، الستائر القديمة ، وغطاء المكتب يشبه الماء الآسن فى لونه ، والمقاعد التى كادت تبلى ، يا لله ! حتى اطار الصورة المعلقة فوق مقعدى الحزين ، حتى اطار هذه الصورة قديم زينه الذباب بأثاره السوداء . ألقيت بحقيبتى على المكتب ، وأخرجت ورقة وشرعت اكتب بطلباتي الى مدير المعارف ، آه لن ألقبه هذه المرة " بسعادة المدير " ، لانني لم اعد ذلك الموظف البسيط ، بل ساكتب له : " السيد الاخ المدير " ، ولكن هل هو أخي مهما يكن فان الموظفين الكبار هم الذين يستعملون هذا الاسلوب ، وفي النهاية قلت له :

" اننى اذ ارجو تزويد مكتبي بما ذكرته اعلاه ، فانني اشعر بأن مثل هذا المكتب بوضعه الحالى لا يصلح ابدا لان يكون مكتبا لمسؤول مثلى " .

وتناولت ملف النشرات والأوامر والتعميمات ، وبدأت اقرأ باهتمام وجدية ، وأسجل بعض الملاحظات على ورقة خارجية ،

لانني أريد الالمام بكل صغيرة وكبيرة ، وسيرى الجميع كيفية السير بموجبها بدقة متناهية ، والويل لمن يجرؤ على مخالفتها .

وبينما كنت غارقا فى ذلك سمعت طرقا خفيفا على الباب ، فاعتدلت واصلحت من ربطة عنقى وعقالى ، وبصوت المعتد الواثق أذنت للطارق بالدخول .

لقد كنت أظن الطارق أحد ناظرى المدارس أو المدرسين ، فما ان رأيت الفراش الذى اقتادنى الى المكتب حتى بهت . وقدم لى ورقة مختومة بتوقيع مدير المعارف باللواء وفيها يقول : " يعقد اجتماع فى مكتب السيد عبد اللطيف يحضره مفتشو الاقسام ، وذلك

لتحديد وتوزيع مناطق اللواء بينكم "

ورأيت في مكتب المفتش الاداري ثلاثة اشخاص يغوص كل منهم فى مقعده ، فما ان رأونى حتى وقف الجميع وحيونى بحرارة . كان كل شئ قد اعد قبل حضورى لما ان اتخذت مجلسى حتى بدأ يحدد لكل منا منطقته ، لقد كانت منطقتى هى اصعب المناطق وعورة ومواصلات ، تتخللها الاودية والسيول الكثيرة ، ولم اعترض ، حتى لا يظنوا بى شيئا .

وقبل ان اغادر المكتب فى نهاية يومي الاول ، سلمت الفراش الكتاب الذي أوضحت فيه متطلبات مكتبي ، وأوصيته بتسليمه الى السيد مدير المعارف .

اشترك في نشرتنا البريدية