من الخواص التي يمتاز بها الانسان عن غيره من الكائنات اليد ، ومع ان له كذلك خواص اخرى مثل كبر الدماغ والمشى على رجلين واستقامة القامة . فان اليد هى الا الشاملة التى مهدت السيل وتوصلت الى درجة الحضارة التى نحن عليها ، ومن اعمالها اشعال النار والاحتفاظ بها ، وتحويل الغابات الغير مسكونة الى مزارع نضرة ، وبناء الجسور على الانهار ، وتشيد السدود للبحار ، ثم الزرع والحصد وانشاء البيوت وتشيد الاهرامات ، ومنها كذلك الكتابة بالريشة او القلم والعزف على الآلات الموسيقية ، فمن اين المهن والفنون ان لم تقم بها اليد ؟
ان ما ذكرناه لا يعنى ان تكون الاعمال الظاهرة التى لا يمكن تصورها بدون اليد اما الاعمال الباطنة الروحية ، فهى كذلك متعقة بها . وقد اثبت علم النفس بالتجربة أن تطور اليد كآلة شاملة يزيد ايضا من فاعلية الدماغ . و " كنت " ، وهو فيلسوف نظرى يسمى اليد " الدماغ الظاهر للانسان "
اننا نلمس العالم بيدنا . والطفل قبل ان يستطيع التفكير يلمس ويدرك . وحاسة اللمس موجودة خاصة فى رؤوس الانامل نعم ان العين الانسانية تدرك العالم على اشكاله والوانه ولكنها ربما أخطأت ولم تر الاشياء على ما هى عليه . اما اليد فهي شاهد لا يغوى ، تحس وتلمس ولا تغر . لقد وصف الشاعر الكبير جويته الرباط السرى بين العين واليد فى شعر له إذ قال : ( ٠٠ افكر وأقابل ) أرى بالعين اللامسة ، ألمس باليد الرائية ) ما ارشق اليد وما اجمل حركات اليد المعبرة . لقد صدق الفيلسوف كواردينى عندما سأل : أليس رفع اليد بسرعة فى احيان كثيرة ، او هزها بخفة اكثر تعبيرا عن الكلام ؟
ويزيد هذا التعبير قوة ان عملت اليدان
معا ، وان مسح اليدين معناه الاصلى الشفاء ، والمعونة والسلوى . .
يهدف علم التشريح الى فهم شكل الكائنات الحية . والمقصود هنا بالفهم ترك القدرة على ترتيب الاشياء والموضوعات فى نظام منطقى . ويمكن تحقيق ذلك النظام عن طريق اجراء المقارنات بين مختلف تلك الموضوعات
ويلجأ علم التشريح الى شق الابدان والمقارنة بين اجزائها واعضائها ، ثم تكوين صورة عن كيفية تعاون تلك الاعضاء على تأدية وظائفها فى جوف الكائن الحي . على ان الانسان فى مجموعه ، وبآثاره الراسخة فى تاريخ الطبيعة والحضارة ، ليس موضوع هذا العلم . . وبالرغم من ذلك يتعين على عالم التشريح أن يوسل من أفق نظرته حتى يتسنى له فهم تلك الظاهرة التى تدعوها الكائن الحي البشرى .
ما هي دلالة اليد بالنسبة للانسان ؟ ان اللغة لاحاسيس البشر وافكارهم بمثابة المرآة ، وهنا تلعب اليد دورا مميزا . ويد الانسان تستأثر ، فضلا عن ذلك بلغة خاصة بها . فيد الأم تواسي وتخفف
عذاب النفس ، ويد المحب تلاطف وتعانق . وقد تكون اليد متوترة او مرتخية ، رائقة او مترددة او فظة . ففي مقدور اليد أن تشيع الاطمئنان او تلقى الرعب فى النفس ، وهي ترتعش أو تهدد ، نهدئ او تقسم أى تضرع الى ربها . . وكل منا يفهم لغة الايدى ويتقبلها كتعبير عن شخصية الآخر
واليد فوق هذا وذاك ، وثيقة الارتباط " بالأنا " . وليس " الأنا " عبارة عن صورة وجهى فى المرآة ، وهو ليس كذلك بدنى وانما " الأنا " هو كل كيانى الموجود الآن وفى هذا المكان ، وهو الذى يفكر ويرى ويسمع ويتذكر ويفضل ويفعل . وكما يتذكر " الأنا " ويعمل بوساطة العين والاذن والفكر واللغة ، فهو كذلك يؤدى دوره - بنفس الدرجة - عن طريق اليد التى تشعر والتى تقبض وتلهو . .
ولو حاول أحدنا أن يتعرف على الدور الذى يلعبه القدم بالنسبة للغة ، لتبين له
بما لا يحتاج الى دليل أن القدم بالنسبة للغة ، أبعد من اليد عن مركز جسم الانسان ومن ثم فان دلالتها الرمزية اقل بكثير من تلك التى تحظى بها اليد . ذلك أن ايماءات القدم أقل شيوعا من ايماءات اليدين ، كما أنه لا يسهل فهمها كما يسهل فهم الحركات والاشارات الصادرة عن اليد . ويعتبر القدم - بصفة عامة - جزءا من الساق . وبالتالى من البدن - لا أكثر . بل أن قيمة القدم لا تزيد على ذلك ، ان لم يتجاهلها البعض تماما فى هذا الصدد . ولا يخرج عن هذه القاعدة سوى " زيجموند فرويد " - أبي التحليل النفسى - عند ماقال . . ان للقدم دلالة جنسية شعورية أو لا شعورية ، ولو قورنت اليد بالقدم ، لتبين ان الاولى تؤدى دورها وهى تكاد تكون مستقلة ، بحيث يمكن القول بأن اليد منعزلة على نحو ما عن تنمية الجسد الانسان ، وان هناك علامة تربط بينها وبين الذهن

