تقديم
اذا كانت للمسرح أهمية كبيرة فى البلدان المتقدمة لتثقيف الجماهير وتهذيب الذوق الفنى عند السكان ، فله رسالة أهم ، ودور اكبر فى البلدان المستقلة حديثا ، والتى تخوض معركة حاسمة ليس ضد التخلف الاقتصادى فحسب ، بل وربما فى الدرجة الاولى ضد التخلف الثقافى ، وفى سبيل تربية الشعب تربية تتناسب مع الدور التاريخى والحضارى الجديد الذى بدأت هذه البلدان القيام به ، بعد أن تحررت من النير الاستعمارى . واذا كانت رسالة المسرح فى أوروبا الغربية مثلا ، متشعبة ، نظرا لتطور تاريخى وثقافى ، وسياسى يختلف عن تطور بلدان العالم الثالث ، فيجب أن تكون فى هذه البلدان أولا وبالذات رسالة تثقيفية عامة تتجه أول ما تتجه الى الجماهير الشعبية لتعالج مشاكلها حتى تستطيع عن طريق ذلك أن تؤثر أكثر ، وتحقق الهدف المنشود ، فبعض أنواع التمثيل المسرحى فى بلدان أوروبا الغريبة التى نشأت لتخاطب فئة معينة من السكان ، أو لتمتعهم هى بالنسبة لبلداننا نوع من " الترف " ومن حسن حظ مجتمعاتنا أنها لا تضم تلك الفئة الخاصة التى نشأت فى أوروبا ، والولايات المتحدة الامريكية ، واليابان كنتيجة حتمية لتطور الطبقات من تلك المجتمعات .
ونظرا للاهتمام الكبير الذى تحيط به الحكومة التونسية (1) ورجال الفن والتمثيل رسالة المسرح الجديدة فى فترة التطور الحالى الذى تمر به بلادنا ، رأيت أن أنقل لقراء " الفكر " آراء مسرحى شهير مجدد حول المسرح ، فرغم الهوة السحيقة التى تفصلنى عن المسرح كحرفة ، فقد كان ترددى على مسرح " برشت " فى برلين ولمسى للتأثير الجبار الذى تؤديه
طريقته المسرحية الخاصة على الجمهور مناسبة لكتابة هذه السطور التى عساها أن تفيد عشاق المسرح فى تونس (1).
من هو برتولت برشت " Bertolt Brecht "
يعد برشت أهم مسرحى ألمانى فى النصف الاول من القرن العشرين كما بعد فى طليعة المسرحيين العالميين فى قرننا الحالى . تمثل مسرحياته اليوم على خشبة أهم المسارح العالمية وأشهرها .
ولد برشت فى 10/2/1898 فى وحسبورغ " Augsburg " وتوفى يوم 14/8/1956 فى برلين ، كان مسرحيا ، وشاعرا ، ومخرجا فى نفس الوقت ، بدأ فى جامعة مونيخ دراسة الطب ، والعلوم الطبيعية ، والى جانبها تاريخ المسرح ، وقد بدأ ينشر قصائده الشعرية وقصصه حين كان فى المدرسة الثانوية ، وقد امتد نشاطه المسرحى فى الجامعة التى غادرها بعد ما أصبح مؤلفا لخشبة أحد مسارح مونيخ ، ومن مونيخ انتقل للعمل فى " المسرح الالمانى " فى برلين ، وبعد أن استولى هتلر على الحكم هاجر إلى الدانمارك ، ثم الى السويد ، والى فيلاندة ، ثم الى كاليفورنيا ، ومن الهجرة واصل كفاحه ضد الفاشية الالمانية ، وقد كان خطابه ضد الحكم النازى الذى ألقاه سنة 1935 فى المؤتمر العالمى للكتاب من أجل الدفاع عن الثقافة فى باريس قطعة خالدة من الادب السياسى . وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رجع برشت الى برلين ، وأنشأ المسرح الذى يحمل اليوم اسمة ، والذى تمثل فيه مسرحياته فقط ، حسب طريقة الاخراج التى أشرف عليها بنفسه . ومن أهم مسرحيات برشت " الام الشجاعة وأطفالها " و " أوبرا القروش الثلاثة " حسب مسرحية " John Gays " " أبرا السائل " و " حياة غاليلى " و " شفيك فى الحرب العالمية الثانية " و " الخوف والبؤس أيام الرايش الثالث " وغيرها من المسرحيات والمقالات حول النقد المسرحى ، والادب والشعر ، وشهر " برشت " بطريقته المسرحية التى تعرف باسم " المسرح الحاكى " (2) ما هي أهداف " المسرح الحاكى " ؟
نشأت هذه الطريقة المسرحية بعد الحرب العالمية الاولى ، وهى لا
تهتم ، خلافا للطريقة المسرحية التقليدية ، طريقة أرسطو ، بمصير الانسان كفرد ، وانما تهتم بالظروف الاجتماعية والتيارخية المحيطة بالانسان ( هنا نجد Brecht و O,Casey ) أو الظروف الدينية والكونية ( هنا نجد Claudel و th . Wilden ) فى تشخيصها ، وعرضها للمشاكل الانسانية فوق خشبة المسرح . وقد طور برشت هذه الطريقة ، وأخرج حسب قوانينها أكثر مسرحياته ، وهى الطريقة المستعملة اليوم فى مسرحه فى برلين ، كما طبقت فى مسارح كثيرة فى أوروبا . ان المسرح الحاكى لا يريد ، مثل المسرح الدرامى ، أن يصل بالمتفرح أثناء المشاهدة الى حالة يقارن فيها نفسه بأشخص المسرحية ، بل يريد منه أن يبقى بعيدا عن الحوادث الخارجية فوقى خشبة التمثيل ، ان المتفرج لا ينبغى عليه أن يتأثر تأثرا غير واع ، وينساق مع حوادث المسرحية ، بل يجب عليه أن يبقى واعيا ، ناقدا للمشاكل المعروضة أمامه ، وهذا هو العنصر الهادف ، أو المربى فى المسرح الحاكى ، وذلك يتم عن طريق " عنصر الغرابة أو الاستغراب " حيث تقدم بعض الفصول معزولة عن الحوادث الجارية فوق الخشبة ، مثل القاء نص ، أو تقديم أغنية ، أو ابراز لافتات ، أو تغيير بناء الخشبة ، والستار مرفوع الى غير ذلك من طرق " عنصر الاستغراب " التى توضح الحوادث الجارية فوق خشبة التمثيل ، وحسب طريقة المسرح الحاكى لا يتقمص الممثلون أشخاص المسرحية ، بل يعرضون تطور هؤلاء الاشخاص ويستفيدون منه فى ابراز حقيقة عامة ، ان هذه الطريقة تربى فى المتفرج النظرة الموضوعية للأشياء ، وعقلية التحليل والتمحيص ، اذن فهى تخاطب أولا وبالذات العقل ، ولكنها لا تهمل الشعور فى نفس الوقت ، ولهذا فانها لا تهمل العناصر الدرامية فى الموضوع ، بل هى تستغلها فى رسالتها لتساعد المتفرج على أن يأخذ موقفا ملتزما تجاه المصير الانسانى المعروض امامه .
ان التمثيل فوق الخشبة يقدم للمتفرج فى هذه الحالة " كظاهرة " اجتماعية وتاريخية تزيد فى معرفته ، وتطلب منه اتخاذ مواقف اجتماعية واعية . اذن فللمسرح الحاكي تأثير سياسى واجتماعى هادف ، ولهذا نعتقد أن له أهمية خاصة فى التربية الشعبية ، وفى تعبئة الجماهير لحل المشاكل الوطنية فى البلدان الافريقية . واحتوى المسرح الصينى القديم ، وكذلك المسرح الهندى عناصر " المسرح الحاكى " التى نجدها أيضا فى مسرحيات القرون الوسطى فى أوروبا ، فى المسرح الانكليزى ، وفى المسرح الالمانى الكلاسيكى مثل " فاوست " و " كوتز " ( Gotz ) فجوته ، وبعض مسرحيات شيلر
الترجمة
مسرح للتسلية ام مسرح للتهذيب ؟
عندما كان المرء قبل بضعة سنوات يتحدث عن المسرح الحديث ، كان يذكر مسرح موسكو ، ومسرح نيويورك ، ومسرح برلين ، وربما تحدث المرء ايضا عن تمثيل Jowet فى باريس ، أو Cochman فى لندن ، أو تمثيل " ديبوك " التى تنتسب فى الحقيقة الى المسرح الروسى ، لان مخرجها Wachtangow ، ولكن بصفة عامة كان المرء لا يذكر الا ثلاثة عواصم مسرحية فيما يتعلق بالمسرح الحديث .
وقد كان الاختلاف واضحا بين المسرح الروسى ، والامريكى ، والالمانى ، ولكن هذه المسارح كانت تتفق فى نقطة ، وهى أنها كانت حديثة وعلى اتصال مستمر بجميع التطورات التكنيكية ، والفنية فى ميدان المسرح ، وتجد أحيانا تشابها بين هذه المسارح فى الاسلوب ، لان التكنيك هو عالمى ( المقصود هنا ليس التكنيك الذى تحتاج اليه خشبة المسرح فحسب ، بل أيضا ذلك الذى يؤثر عليها مثل الفيلم ) ولان الحديث هنا عن عواصم ثلاث لبلدان صناعية متقدمة ، وفي الفترة الاخيرة نجد مسرح برلين فى طليعة مسارح البلدان الرأسمالية الكبيرة ، حيث نضجت فيه ، واكتملت عناصر المسرح الحديث خير اكتمال ، وفترة مسرح برلين الاخيرة كانت فترة " المسرح الحاكى " التى هى تعبير عن التطور الهام الذى حققه هذا المسرح ان كل ما يسمى بالمسرحيات الحديثة ، أو بخشبة " بيسكانور " أو مسرحيات التعليم هو ينتسب الى المسرح الحاكى .
المسرح الحاكى الهادف
ان كلمة " المسرح الحاكى " بدت لكثير من الناس حاملة بين حروفها تناقضا ملحوظا ، لان المرء يرى حسب مثال أرسطو - اختلافا ضروريا فى سياق الحكاية بين الطريقة الحاكية ، والطريقة الممثلة فى الالقاء ، ان الفرق بين الطريقتين لا يمكن أن نفهمه كما يلى : الطريقة الاولى تقدم من طرف الاحياء ،
بينما الطريقة الاخرى تستعمل الكتاب ، ان مؤلفات النشر الحاكى ، مثلما كان يقدمه الفكاهيون ، أو المغنون فى القرون الوسطى كانت تمثيليات مسرحية ، وتمثيليات مثل " فاوست " لجوته ، و " مانفرد " لبيرون حققت نتائج باهرة ككتب . اذن الفرق بين " الطريقة الحاكية " و " الطريقة الممثلة " يجب البحث عنه - حسب رأى أرسطو - فى طريقة التأليف المختلفة ، هذه الطريقة التى يدرس قانونها حسب فرعين مختلفين فى علم الجمال ، ان طريقة التأليف هذه متصلة تمام الاتصال بالطريقة التى ستقدم بها هذه الآثار الى الجمهور . مرة عن طريق الخشبة ، وأخرى عن طريق الكتاب ، ولكن بقطع النظر عن ذلك فقد وجدت " الطريقة التمثيلية " فى آثار حاكية مربية ، و " الطريقة الحاكية " فى آثار " التمثيلية " ان الرواية البورجوازية قد طورت فى القرن الماضى " الطريقة الحاكية " كثيرا ، وفهمت من وراء ذلك تركيز سياق القصة ، وتركيز فترة معينة فى الاجزاء المختلفة والمتسلسلة .. . ان أحد قادة المسرح الحاكى " دوبلين " ( Doblin )تعريفا مطابقا لهذا الفن اذ قال : المسرح الحاكى - خلافا للمسرح التمثيلى - يمكن ان نقطعه بالمقص الى عدة أجزاء ، ولكنه يحافظ ، بالرغم من ذلك ، على مقدرته لمواصلة الحياة . ولا يسمح هنا بمحاولة تعميق الهوة بين الطريقة الحاكية ، والطريقة الممثلة ، بالعكس بل يجب أن نشير هنا الى أن خشبة المسرح - نظرا لتطور التكنولوجيا المسرحى - بامكانها ان تدخل عناصر حاكية فى تقديمها للمسرحيات التمثيلية . ان امكانيات الاضاءة المسرحية ، وامكانية القيام بحركات كبيرة فوق الخشبة ، وكذلك الفيلم ، كل هذه العناصر جعلت المسرح يتطور ويكتمل بسرعة ، وقد تم ذلك فى زمن أصبح لا يكفى فيه تقديم مشاكل الحياة بكل بساطة الى الجمهور ، أى حيث تقدم الاشخاص غير مفهومة ، ومحاطة بهالة ميتافيزيقية ، وفى سبيل توضيح الحوادث ، وجعلها مفهومة أصبح من الضرورى معالجة العالم المحيط بالانسان ، والذى يعيش فيه ، معالجة اكثر وأدق . ان معالجة هذا العالم الخارجى كان يقدم - في الحقيقة - في المسرحيات التمثيلية ، ولكن ليس كعنصر مستقل ، وانما حسب وجهة نظر بطل الرواية ، يبرز ذلك العالم كنتيجة لردود فعل البطل رؤى هذا العالم مثل رؤية شخص للعاصفة ، لانه رأى السفن فوق سطح الماء تفتح أشرعتها ، ورأى هذه الاشرعة تنحنى ، اما فى المسرح الحاكى فيجب أن يبرز هذا العالم مستقلا بذاته .
ان المسرح بدأ يربى . . ليست " الامكنة الخلقية " فوق خشبة التمثيل وحدها التى أصبحت تتخذ مواقف تجاه الحوادث الجارية أثناء التمثيل - أى
حين تعيد الى الذاكرة حوادث أخرى فى أمكنة أخرى بابراز لوحة كبيرة تعبر عن ذلك ، أو ابراز براهين ووثائق تؤيد ، أو تفند أقوال أشخاص تلقى ، أو تكتب ، أو تقديم أرقام ، وأشياء ملموسة لاحاديث خيالية فى متناول قوة الخيال الانسانى ، أو حين تضع تحت تصرف حوادث جارية فوق الخشبة ، ولكنها ليست مفهومة ، أرقاما ، وجملا معينة - بل أيضا الممثلون الذين أصبحوا لا يذيبون شخصيتهم فى أشخاص المسرحية ، بل يقفون منها موقف العارض الناقد . اذن فالمتفرج لا يمكنه أن يقف تجاه أبطال المسرحية موقفا شعوريا غير واع ، وغير ناقد ، ففن التمثيل يعد اذن فى هذه الصورة للمادة المقدمة ، وللحوادث جوا نفسيا خاصا نسميه بــ " قضية التنكر ، أو الغربة " التى تساعد على الفهم بطبيعة الحال ، لانه يقع الاستغناء عادة عن عملية الفهم تجاه كل المسائل " الطبيعية أو المعقولة " ، ان الشىء " الطبيعى " يجب أن يضاف اليه عنصر الطرافة ، أو الجدة ، فقط عن هذا الطريق أمكن أن تبرز قوانين السبب ، والتأثير ، ان سلوك الانسان ان يجب أن يكون كما هو ، ويجب أن يكون شيئا آخر فى نفس الوقت ، ان هذا شكل أشياء جديدة .
مثالان :
ان تقديم الشكلين التاليين سيوضح الفرق بين رسالة " المسرح الحاكى " وبين " المسرح التمثيلى " :
الطريقة التمثيلية :
خشبة المسرح " تتقمص " حادثة تشرك المتفرج فى عملية ما ، وتستنفذ نشاطه تثير فيه عواطف تقدم له " فرجة " تدخل المتفرج فى حوادث المسرحية تعتمد على عناصر شعورية تحافظ على التأثرات ، او الانفعالات الانسان يقدم كشىء معروف الانسان الذى لا يتغير غرائزه
الطريقة الحاكية :
خشبة المسرح تروى الحادثة تجعله ناظرا للأشياء ، وتثير نشاطه تجبره على اتخاذ قرار تقدم له معرفة تجعله يقف تجاهها وجها لوجه تعتمد على الادلة تقودها لتصل بها الى مستوى المعرفة الانسان هو محل الفحص الانسان الذى يتغير ، ويغير أسباب تصرفاته
الحوادث تجرى حسب خط مستقيم الطبيعة لا تتبدل العالم كما هو
تجرى حسب خط منحن ، وغير متساوية الطبيعة تتبدل العالم كما سيكون
ان المتفرج على طريقة المسرح التمثيلى يقول : نعم ، قد شعرت بذلك أيضا أنا هكذا ، هذا هو طبيعى . وهذا سيبقى دائما هكذا ، ان مأساة هذا الشخص أثرت على ، حيث لا مخرج له من هذه الحالة . هذا فن عظيم ، كل ذلك هو طبيعى ، أبكى مع الباكين ، وأضحك مع الضاحكين .
والمتفرج على طريقة المسرح الحاكى يقول : ما كنت أعتقد ذلك ، لا يمكن للانسان أن يفعل هذا ، هذا شىء غريب يكاد المرء لا يصدقه ، يجب أن يوضع لهذه الحالة حد ، ان مأساة هذا الشخص أثرت على ، لانه يوجد فى الحقيقة مخرج له من هذه الحالة ، هذا فن عظيم ، لانه لا يوجد فيه شىء طبيعي ، أضحك على الباكين ، وأبكى على الضاحكين .
المسرح التثقيفى
ان المسرح أصبح يؤدى دوره كمثقف . النفط ، الافلاس ، الحرب ، النضال الاجتماعى ، الاسرة ، الدين ، التجارة باللحوم ، كل ذلك أصبح موضوعات يتناولها التمثيل المسرحى . فرق موسيقية أصبحت توضح للمتفرج أشياء غير معروفة لديه ، أفلام تعرض حوادث جارية فى جميع أنحاء العالم . . . فى الوقت الذى أصبح فيه " للامكنة الخلقية " فوق الخشبة المكان الاول من التمثيل أصبح السلوك البشرى موضع نقد ، وتمحيص ، وهكذا وقع الكشف عن سلوك صحيح . وسلوك خاطئ ، والكشف عن أشخاص عرفوا الاعمال التى قاموا بها ، وآخرون لم يدركوا ذلك . ان المسرح أصبح يقدم فرصة للفلاسفة ، ولكن ليس للفلاسفة الذين يشرحون العالم ، وانما لاولئك الذين يرغبون فى تغييره ، وهكذا بدأ التفلسف ، والتثقيف فى عالم التمثيل ، ولكن أين بقيت المتعة ( أو الفرجة ) ؟ هل وقع الرجوع بالانسان الى مقاعد المدرسة ، وأصبح يعامل كأمى ؟ هل يجب على الانسان أن ينجح فى الامتحان من جديد ؟ عند اكثر الناس توجد الفكرة القائلة بوجود فرق بين أن يتعلم الانسان ، أو يتفرج . الحالة الاولى يمكن أن تكون مفيدة ، ولكن الحالة الثانية هى المفضلة ، معنى ذلك يجب أن ندافع عن المسرح الحاكى ضد فكرة تقول انه غير ممتع ، ومتعب جدا . فى الحقيقة يمكن أن نقول ان وجود فرق
بين حقة التعلم ، وحالة التفرج ليس ضروريا ولا يجب أن يكون . ليس هنالك من شك فى أن التعلم الذى نعرفه أيام المدرسة ، أو أثناء اتقان مهنة ما هو شئ شاق ، و لكن لا يجب أن ننسى هنا الظروف المحيطة بهذا التعلم ، وهدفه ، ان ذلك هو فى الحقيقة عملية شراء ، ان المعرفة هى سلعة لا غير ، وقع كسبها لتباع بعد ذلك . ان قضية المعرفة بالنسبة لاؤئك الذين تجاوزوا سن المدرسة يجب أن تتم دون ملاحظتهم ، لان الشخص الذى يعترف بأنه يجب عليه أن يتعلم أشياء جديدة كثيرة ، يعترف فى نفس الوقت بأن معرفته محدودة جدا ، وليس المقصود هنا جر المرء الى هذا الاعتراف ، هذا بالاضافة الى أن فائدة التعلم هى محدودة ، نظرا لوجود أسباب هى خارج ارادة التعلم هنالك مثلا البطالة التى لا يمكن للمعرفة الوقاية منها ، وهنالك مسألة الاختصاص فى العمل التى تجعل المعرفة ككل غير ضرورية ، وغير ممكنة .. ليس هنالك كثير من أنواع المعرفة التى تخلق النفوذ ، ولكن هنالك كثير من المعرفة التى تحقق عن طريق النفوذ .
تلعب المعرفة دورا مختلفا بالنسبة لجميع الفئات الشعبية ، هنالك الفئات التى لا تتخيل تحسين الاحوال ، تلك الاحوال التى تبدو حسنة بالنسبة اليهم . . . هم يشعرون أنهم تقدموا فى السن ، وسوف لا تأتى بعد الان أعوام كثيرة ، اذن لماذا كل هذه المشقة من أجل التعلم ؟ فقد قالوا سلفا كلمتهم الاخيرة . ولكن هنالك فئات أخرى غير راضية بالاحوال القائمة ، ولها اهتمام كبير بالتعلم ، وهى تريد أن تتجه فى الحياة اتجاها واعيا ، وهي مدركة أنها ستضيع بدون معرفة ، ان هؤلاء الناس هم أحسن المتعلمين ، وهذه الفروق موجودة حتى بالنسبة للبلدان والشعوب ، ان الرغبة فى التعلم هى مرتبطة بأشياء كثيرة اذن ، ونشير هنا أنه يوجد تعلم تمليه رغبة واعية ، كما أن هنالك معرفة مرحة ومناضلة فى نفس الوقت . لو لم يوجد هذا النوع من المعرفة المرحة ، لاضاع المسرح رسالته التثقيفية كمسرح . ان المسرح يبقى مسرحا ، ولو كان مسرحا تهذيبيا ، وكلما وجد مسرح راق ، كلما كان مرحا .
المسرح والعلم
" ولكن ما هى صلة العلم بالفن ؟ نحن نعرف جيدا أن العلم يمكن أن يكون مرحا ، ولكن ليس كل شئ مرح يمكن أن يقدم على خشبة المسرح "
سمعت مرارا ، حين أشرت الى الخدمات الجليلة التى يمكن أن يقدمها
العلم الحديث للفن ، حين يطبق تطبيقا صحيحا ، أناسا يقولون : ان الفن والعلم هما شيئان هامان ، ولكنهما يمسان ميادين متباينة من ميادين نشاط الانسان . هذا موضوع شائك ، ويفضل المرء حسنا ، حين يسرع فيقول نعم هذا صحيح ، الفن والعلم يؤثران فى اتجاه مختلف ، اننا موافقون ، ولكن يجب أن اعترف هنا ، مهما بدا ذلك غريبا ، أننى لا احقق نجاحا كفنان ، بدون مساعدة بعض العلوم ، وقد يثير هذا عند الكثير الشكوك حول ملكاتى الفنية ، انهم تعودوا أن ينظروا الى الشاعر ككائن " خاص " ، غير طبيعى ، يتوصل الى فهم كنه الاشياء بفضل عطاء ، أو نبوغ الاهى ، أما غيره فيحتاج للوصول الى ذلك الى اجتهاد خاص ، والتغلب على صعوبات دونها خرط القتاد ، من الطبيعى أنه ليس سهلا على المرء أن يعترف بأنه ليس من هذه " الفئة الموهوبة " ، ولكن على الانسان الاعتراف بذلك ، ولكن يجب عليه أن يرفض فى نفس الوقت أن يكون اهتمامه بالعلم هو اهتمام " كماصلى " يقوم بذلك بعد الفراغ من العمل اليومى ، انه من المعروف أن غوته اشتغل بالعلوم الطبيعية ، وأن شيلر اهتم بعلم التاريخ ، وأن شغلهما هذا ينظر اليه بكل جد ، اننى لا أريد أن أدينهما بأنهما استغلا العلم فى شعرهما ، كما لا أريد أن أتعلل لنفسى بهما ، ولكن يجب أن أقول : اننى أحتاج إلى العلوم . ويجب أن اعترف هنا بأننى أنظر بنظرة خاصة الى أولئك الاشخاص الذين ليست لهم معرفة علمية فائقة ، بل هم ينعقون مع كل ناعق ليس معنى ذلك أننى أرفض قطعة شعرية جميلة حول طعم سمك ما ، أو حول جولة زورقية ، لان صاحبها لم يدرس فن الطبخ أو فن الملاحة . ولكننى أعنى أن الانسان لا يستطيع فهم حوادث العالم المعقدة فهما دقيقا بدون الاستعانة بالعلم ، لنفرض مثلا أن الهدف هو تقديم مواقف مؤثرة كبيرة ، أو حوادث أثرت على مصير الشعوب ، فلابد من المعرفة الدقيقة للنجاح فى ذلك ... لنفرض أن الشاعر يريد أن يترك شخصا ما يركض وراء الحكم ( فى مسرحيته ) كيف يجب عليه أن يعكس فى آثاره الجهاز المعقد الذى يتبع اليوم للوصول الى الحكم ؟ اذا كان بطله سياسيا ، يجب أن يعرف كثيرا عن السياسة ، واذا كان بطله تاجرا فيجب أن يعرف كيف تتم الامور التجارية فى الحياة اليومية
ان التجول فى الشوارع لا يمكن الشاعر ( يعنى هنا الكاتب ، أو الكاتب المسرحى ) من فهم هذه الاشياء المعقدة ، الطريق الوحيد لفهم ذلك هو المعرفة . . . وهنالك فرع من فروع العلم هو هام بالنسبة للمسرحى ، وأعنى بذلك علم النفس كثير من الناس يعتقدون ان الكاتب المسرحى بامكانه
أن يعرض الاسباب التى تدفع الانسان للقيام بعملية قتل ، دون أن يحتاج الى حهد ، بل هو فى امكانه أن يرى فى " نفسه " الحالة النفسية التى يمر بها القاتل ، هذا بالاضافة الى قوة خياله . جميل جدا لو أصبح الامر الى هذه الدرجة من السهولة ، ولكننى مجبور أن أرفض هذه الافكار كلها ، لاننى لا استطيع أن أجد " فى نفسى " جميع الاسباب التى يمكن أن يقرأها المرء فى الصحف ، أو فى تقرير علمى مثلا ، اننى لا استطيع بكل بساطة أن أكون فكرة عن الحالة النفسية التى يعيشها القاتل ، مثل الحاكم الذى لا يستطيع أن يصدر حكمه بدون الاستناد على أشياء معينة ، ان علم النفس الحديث من التحليل النفسى الى " البيهافيورية " ( Behaviorisme ) تساعدنى جدا فى الحكم على حادثة ما حكما دقيقا ، ولا سيما اذا استعنت أيضا بعلم الاجتماع ، ولم أهمل الاقتصاد ، والتاريخ ، يمكن أن يقول شخص ما ان هذا أصبح معقدا جدا . جوابى ، نعم ان هذا معقد . ولعل هؤلاء يتأكدون بأنفسهم ، وبوافقوننى أن هنالك كمية كبيرة من الادب المنشور هى فى منتهى السخافة وليست لها امكانية الحياة ، وقد يسألنى بعد ذلك : لا تصبح فى رأيك سهرة مسرحية من هذا النوع الذى تريد متعبة ؟ الجواب على ذلك لا . مهما تضمن الشعر ، او الادب من المعرفة يجب أن ينصهر ذلك فى القالب الفنى . ان استعمال العلم فى الفن يتمم المتعة الشعرية ، ولو أنه لا يرضى المتعة العلمية البحتة ، ولكن ذلك يعرب عن رغبة فى الغوص على دواخل الاشياء ، وعلى السيطرة على حوادث العالم . . .
هل المسرح الحاكى هو " ملجأ اخلاقى "
حسب رأى فريدريك شيلر يجب أن يكون المسرح ملجأ أخلاقيا . حين طالب شيلر بذلك لم يلاحظ أبدا أن تحول خشبة المسرح الى منصة ارشاد أخلاقى قد ينفر الجمهور من المسرح ، ولكن - من حسن الحظ - أن الجمهور فى عهده لم يكن ضد الوعظ الاخلاقى ، ولكن بعد مدة هجم عليه فريدريك نيتشه ، ونعته بحامل بوق الاخلاق . نيتشه كان يرى فى الاهتمام بقضية الاخلاق فقرا روحيا ، بينما رأى فيه شيلر متعة . شيلر لم ير شيئا أكثر متعة ، وارضاء لضميره من الدعاية للمثل العليا . اهتمت البورحوازية فى ذلك الوقت بتأسيس فكرة الامة . كان المرء فى ذلك الوقت يرى فى بناء بيته ، فى شكر " قبعته " ، فى تقديم والتظاهر بحساباته متعة كبيرة ، وكان يرى فى الحديث حول بيته ، وفى اضطراره لبيع " قبعته " وفى دفعه لحساباته قضية محرجة ، ومقلقة ، هكذا كان ينظر فريدريك نيتشه
بعد مائة سنة للقضية ، انه كان ضد الحديث حول الاخلاق وايضا حول شيلر وضد المسرح الحاكى الهادف وقف كثير من الناس ، زاعمين أنه يشكل دعاية أخلاقية ، فى الوقت الذى تحتل العناصر الاخلاقية المحل الثانى فى طريقة المسرح الحاكى ، ان هدفه الفحص والدراسة ، وليس الوعظ الاخلاقى ، ولكنه بدأ بالدراسة ، وبعد ذلك جاءت النتيجة وحدها ، وهى : الاخلاق من التاريخ اننا لا نزعم ، بطبيعة الحال ، أننا اتجهنا للدراسة لارضاء رغبة لا تعدو أن تكون لهوا ، واننا فوجئنا بالنتائج التى وصلنا اليها . وكانت هنالك ، ولا شك ، ظروف مؤلمة فى مجتمعنا ، وحالات من الصعب احتمالها ، حالات لا يمكن احتمالها ليس لاسباب أخلاقية فحسب ان صعوبة احتمال الجوع ، والبرد ، والهموم ليست صادرة عن أسباب أخلاقية فقط ( نلاحظ هنا أن " برشت " لمح هنا أكثر من مرة ، وبطريقة غير مباشرة الى الحالة التى كانت عليها ألمانيا أثناء حكم هتلر ) .
ولهذا لم يكن هدف دراستنا اثارة الشعور الاخلاقى ضد احوال خاصة فحسب بل كان ايجاد وسيلة تقضى على تلك الاحوال التى لا يمكن احتمالها . اننا لم نتكلم باسم الاخلاق ، بل باسم اولئك المعذبين ، انهما - كما نرى - شيآن مختلفان ، يقال فى كثير من الاحيان ، وعن الطرق الاخلاقية ، الى اولئك المصابين بأنه يجب عليهم قبول الامر المقضى كما هو ، الناس هم موجودون لامثال هؤلاء الاخلاقيين ، وللاخلاق ، وليست الاخلاق موجودة للناس . ومن هذه اللمحة يمكن ان يفهم الى أى مدى يشكل المسرح الحاكى ملجأ أخلاقيا .
هل يستطيع المرء أن يطبق طريقة المسرح الحاكى دائما ؟
من ناحية الاسلوب يمكن ان نقول ان المسرح الحاكى ليس جديدا ، وهو يشبه فى طريقته للعرض ، وفى تأكيده على الجانب الفنى المسرح الآسيوى القديم . اننا نجد عناصر التعليم فى التمثيل الروحى الذى كان يقدم ايام الاحتفالات الدينية فى القرون الوسطى ، وأيضا فى المسرح الاسبانى الكلاسيكى وفى مسرح الجزويت .
ان هذه الطرق المسرحية قد نشأت مؤدية لرسالة اقتضتها تلك العهود ، وقد تلاشت بمرورها . وكذلك المسرح الحاكى الحديث فهو مرتبط باتجاه معين ، ولهذا فلا يمكن تطبيقه فى كل مكان ، ان أكثر الامم الكبيرة لا تميل الى معالجة مشاكلها فوق خشبة المسرح ، لندن ، باريس ، طوكيو ، ورومة سخرت
مسارحها لاغراض أخرى ، ولحد الآن لم يجد المسرح الحاكى تربة خصبة الا فى أماكن قليلة ، لمدة قصيرة . وقد وقفت الفاشية فى برلين فى وجه تطور هذا النوع من المسرح ، ان طريقة المسرح الحاكى - تتطلب - زيادة عن بعض المسائل الفنية الخاصة - حركة فى الحياة الاجتماعية تهتم بمعالجة مشاكل الحياة ، قصد حلها ، معالجة حرة ، وهى معدة للدفاع عن هذه الطريقة تجاه الاتجاهات الاخرى ، ان المسرح الحاكى يشكل اعمق وأخصب تجربة فى سبيل تحقيق مسرح حديث جبار ، ولكنه يجب أن يتغلب على صعوبات معقدة ، وهى نفس الصعوبات التى يجب على جميع القوى الناشطة فى ميدان السياسة والفلسفة ، والعلم ، والفن تذليلها .

