الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

يريد امرأة،

Share

حسنا . . لقد وجدت الفكرة ! انها فى غاية الاحكام ستوصلنى الى هدفى بلا شك وستلقنها وتلقنهم درسا فى التفهم لن ينسوه ما حيوا  آه كم عقدوا فى وجهى الامور وسدوا على ثغرات الرجاء والاطمئنان والكفاف . كنت أسمع كثيرا عن الامزجة العصبية ولم أجربها ، قرأت كثيرا عن الانفعال ولم أعرفه . . سمعت كثيرا عن التشاؤم واضاعة الوقت ولم أفقه كنههما حتى كان منى ما كان وكان منهم ما كان فتجرعت ما جهلت قطرة قطرة لكن ايمانى بانى على حق حفز فى روح التحدى فلم استسلم وبحثت حتى وجدت الفكرة انى أتخيلهم واحدا واحدا يغرقوننى فى المجاملة والملاحظة :

- أيها الطبيب المنتظر هلا عجلت بالفرح . - أيها الطبيب المنتظر إننا نشتهى ان نشرب كؤوسا على مائدتك

وأتخيل نفسى اجيبهم فى عدم مبالاة وفى تشامخ يورثهم الانفعال واحدا واحدا :

- الحقيقة أننى فكرت وتدبرت الامور فوجدت كلامكم الاول موزونا بميزان الذهب .

اننى أتخيلها هى الغادة النجلاء الهيفاء المتجبرة وقد انطلت عليها الحيلة وتكسرت كبريتاؤها من هول التنفيذ فتبدل مرحها وجوما وقرمزية وجنتيها شحوبا وبرقيق عينيها خفوتا وتعلمت كيف ترش منديلها بعطر فضى من ماء عينيها وهى تركع على ركبتيها متعلقة برجلى والغصة تلعب فى حلقها .

- مصطفى . . . ارجوك انقذنى عاجلا خذنى عندك ، مكاني ليس بينهم ، حياتى . . شرفى ، مستقبلى ، كلها متوقفة على كلمة تخرج من بين شفتيك . على عمل صغير تنفذه عاجلا . . مصطفى . . مصطفى .

وأقلب جريدتى متمهلا . . وارشف قهوتى متلذذا . . وأدخن سيجارتى مترنما ، وأجيبها بفتور يقطع قلبها .

- لماذا العجلة يا سنسن ؟ . . الارتباط بين اثنين صعب يا حبيبتى ستصبحين منذ اليوم الاول مسؤولة عن شؤون شقة صغيرة . . عن تدبير أمور اثنين ، وانت بعد طالبة تبغى تدريس الفيزياء مستقبلا . . ثم اننى طالب فقير

والآن أرجوكم لا تظنوا بأنى فظ شرير . . استمعوا أولا الى حكايتى : فى قرية صغيرة نشأت . . كنت الحلم الكبير لأبوين كادحين تزوجا فى عام الحرب . لم تدق الطبول لهما . . ولم يفترشا قطنا ولا صوفا . . يلبسان ما يستر ويأكلان ما يحضر . . يقبضان على جمر الكبرياء والقناعة والاحترام وطاعة الله قبضا واعيا . لم تزحزح الاعاصير هناءهما . . لم تفتن الدنيا احدهما عن الآخر . . لم يعرفا من الخطوط الا الخط المستقيم . . ومن الالوان الا اللون الابيض الوضاء . أنشآتى واثقا بنفسى . . اعرف قيمة الجمال البشرى فى الصحة الموفورة والعقل السليم والتصرف الحكيم ، والاخلاق الفاضلة . . كلمات اليأس والغل وسوء الظن ممسوحة من قاموسى . . كل الناس فى هذه الدنيا يحملون من الطيبة عناصر أقوى من عناصر الرذيلة والشر . .

منذ صباى ألعب مع الصبيان بكل جوارحى واقرأ الكتب بكل كيانى واهتزازاتى الطبيعية للمعرفة والاكتشاف . ألتهم أطباقى بكل شهية أتعامل مع أصدقائى وأهلى بكل موضوعية . . وأذكر اننى عرفت فى وقت من الاوقات بلقب (( الفيلسوف الصغير ))

ما زالت ترن فى ذهنى كلمات أبوى وهما يعداننى للسفر الى العاصمة لاستكمال تعلمى العالى :

- حافظ على جسمك . . لا تسممه بخمرة ولا امرأة - اصبر وقاوم كل المغريات - غريل كل ما يقال حولك - لا تسبق الزمن فانه جبار عنيد

الزمن ربيع ودفء الطبيعة يدغدغ الدماء والشباب فوار . . الحياة جميلة والحوار ذو شجون . . والبهاء منثور مزروع فى كل مكان ، أمواج الشعور

وروائح العطور . . قدود النخيل عيون الغزلان والصبغة والاغراء . . أثوابهن مزوقة صنعت لتبرز مواطن الفتنة والدمار . . لست أدرى هل بلعت كل واحدة منهن آلة موسيقية ترنم بها صوتها عند النداء . . عند الحوار . . وكر أوتين يا رب من جرأة على تدقيق النظر فى لعبة الكلام وجها لوجه . . سعدى وعنتر . . اسماء وأكرم . . كمال ودليلة . . وأنا وبهتتى والصبر الجميل . أغربل ما أسمع . . أحافظ على جسمى . . ابتعد عن الخمرة . . ابتعد عن المرأة . .

الصيف صيف . . لفح جهنم . . قيلولات القلق والظمأ أعرفها جيدا . . زرت مرة صديقا لى . . يسكن بمفرده شقة صغيرة أثاثها بسيط . . كنت قلقا ضيق النفس . . كيل الخاطر بدون سبب فحاورنى صاحب قائلا :

- هون عليك . . ليس لانبساط أسارير وجهك سوى حل واحد . فساءلت : ما هو ؟

قال : قرص فيتمين من نوع خاص تتناوله مرة أو أكثر فى الاسبوع ثم تقضى بقية أوقاتك مفعما بالانبساط والنشاط والعمل المثمر

قلت : وهل تتناول أنت هذا القرص كثيرا ؟

قال : اننى رجل عملى منظم . . مرتان فقط تكفياننى . انتظر قليلا . . سأخرج إلى الشارع . . امنحنى فقط ربع ساعة اصطد فيها لك سمكة هائلة . .

فتحت فمى . . هممت بأن أقول شيئا لكنه أوصد الباب وراءه وبلع المدرج خياله .

تمشيت فى الشقة . فتحت الراديو . . سمعت نشرة الانباء الموجزة استوب . . اخترت اسطوانة وضعتها فى الحاكى وسمعت منها قليلا . خنقتها . . استوب . . تصفحت كتابى . . أوف استوب . . قشرت تفاحة . شربت جرعة ماء . . استوب استوب . . تعريت . . نويت أن آخذ حماما باردا . . فجأة دار مفتاح في قفل الشقة . . لم ألتفت ورائى . . أحسست بيدين مكتنزتين تغمضان عينى من الخلف ، تأففت :

- من ؟ أجابنى صوت غريب : طلع تربح - كفى بلادة

. . قهقة الصوت بوقاحة : أهكذا تستقبلنى ؟ . . وارتخت اليدان . نظرت ورائى . . من أنت ايتها المرأة الغريبة ؟ . . اسرعت مضطربا نحو نيابى . . سبقتني اليها ورمتها بعيدا وقهقهت

- صحيح أنت ما زلت صغيرا . لم يكذبوا اذ قالوا عامليه باللين . شرعت المرأة تتخلى عن ثيابها . منعتها . امسكتها من كتفيها بصرامة .

- من أنت ؟ - أنا السمكة الهائلة - ماذا تريدين ؟ أسقيك قرصا من الفيتامين

. . كانت مكتنزة . . شعرها مصبوغ بالاصفر . . الا أن لونه الاسود الاصلى يطل بوقاحة من تحت الصباغة . . زوقت عينيها بشكل مستعجل فكأنهما متسختان لا مزينتان . صدرها يتقدمها كمدفع يروم الانفجار كنفت معصميها وأصابعها وعنقها بأشكال مختلفة من الحلى الرخيص

- لماذا تنظر الى هكذا ؟ - وهل أنت على عجلة من أمرك يا سمكة ؟

- طبعا . . اني مرتبطة بمواعيد أخرى . . ولولا معزة صديقك عندى لما حضرت اليك الآن . .

تقززت . . وأنا أتخيلها وعاء ولغت فيه كلاب كثيرة . . رميتها بعنف على كرسى . . وجلست قبالتها . . أمسكت بالسكين رمت ان اقشر لها تفاحة . . خيل الى انها اضطربت من معاملتى الجافة لها أو خافت من السكين التى بين أصابعى . . سألتها كأنى قاضى تحقيق فلم تتلكأ :

- كم تكسبين فى اليوم ؟ - أحيانا أكسب كثيرا . . وأحيانا لا أنال سوى التعب - هل أنت سعيدة بعملك ؟

- أبدا . . اننى مرغمة عليه - ما الذى يرغمك ؟ الحاجة . . لم أجد عملا آخر

- هل تحملين رخصة تخول لك التجول ؟ - لا - كم مرة دخلت السجن ؟ - ثلاث مرات . - هل عرفت الحب ؟

- مرة واحدة فى حياتى ، كانت منه سقطتى القاضية - أشكرك على صراحتك

تشاغلت عنها . لملمت شعاثها . . تسللت . . طبعا ظنتنى واحدا من رجال الشرطة السريين . وأمثال هذه اللقطات الصغيرة مع حواء المتجولة عندى منها ما تتفاوت درجات حموضته ونكهته وحرارة التأمل فيه . حتى كانت صدفة دقت فيها نواقيس الخطر فى كيانى . . فى عقلى وفى جسمى وفى اطياف مستقبلى . وقررت ان اتزوج بالرغم من أحلام الحرية التى تدغدغنى . . بالرغم من سلاليم المعرفة والمجد التى أزمع تسلقها ، وبالرغم من آمال الطفولة فى العودة بمصباح من سحر الى أهلى أغرقهم بوافر عجائبه فاكسوهم الدمقس واطعمهم الفالوذج وارفع رؤوسهم أمام الناس

لقد كانت هى واحدة من الكثيرات اللاتى مررن فى استعراض ظروفى . جميلة حسب مقاييسى الخاصة . . ذكية حسب ما يلزم المرأة فى عينى ، رغم اني أعرف أن ذكاء المرأة سلاح ذو حدين . . مثقفة والثقافة موضة بدأت تسود تجمع بين الجنسين فى رحلة العمر قصرت أو طالت . المهم كان بيننا المغناطيس التقليدى . . حوار بدأ عفويا تراقصت فيه أطراف الفكر ونزعات البشر . . مواعيد للعمل أو لاستنشاق الهواء . . تخطيطات وهمية للمستقبل وكنت جريئا وغريبا واتخذت الخطوة التالية :

- سنسن اشتهى ان اخطبك من أهلك الليلة - أهلا بك ومرحبا .

أنا أسير فى الطريق لم أحلق شعرى . . لم ألمع حذائى كسوتى فقط حديثة العهد بالخروج من مصبغة (( داافان )) أسير فى شارع القصبة اتفرج على الأشياء التى تباع من أجل النساء لكنني لا استطيع أن اشترى منها شيئا

يا أنت يا فاتنتى انى اريدك كما انت بحسنك الذي لم يجلب بتطرية . انى اريدك رفيقة فى الطريق الصعب الموحل . . لا تسخرى . . لا اطلب منك شيئا ولن أجلب لك سوى حنانى وتفهمى وتجاوبى . . سأحبك بعمقى سأضع يدى فى يدك وأقرب رأسى من رأسك ونسهر الليالى على ضوء الشمعة نرتوى فى ينابيع الكتب . . نطوف العالم فى لحظة . . سنبنى مستقبلا سويا . . نتحدى العادات نتخطى الزمن . . نشرف من كوانا على الرحب والضيق . . نخوض الغمار ، ندوس الشوك . . نحمل المنجل . . نربت على شعور الاطفال نمسح الدموع . . نخطط ننجز . . نسير نسير ونعمل اشياء جميلة من أجل الوطن يا أنت

يا أنتم يا سادتى الكرام استأذنكم في أن آخذ خطيبتى وأنصرف . . الليل اقترب وليل الخريف بارد واعمالنا كثيرة . . سنمر فى طريقنا على شيخ وقور اعرف حانوته فى السوق سيكتب بيننا عقد الالف وسوف لا ننسى أن نزوركم من حين لآخر

وبهت القوم من غرابتى فصاحوا ودقوا على صدورهم . . تألبوا حولى تحسس أحدهم درجة الحرارة فى دماغى . . حدقت واحدة فى عينى . . فزعت عجوز . . بسملت وحولقت ، تناهبونى بالنهش :

- هل يصح أن تخطب وتتزوج فى ليلة واحدة ؟ - أين الذهب والفضة والجواهر ؟ - أين النحاس والبلور والصوف والحرير والحناء ؟ - أين الخشب والعلب ؟ - أين الحلوى والكعك ؟

- أين الصخب والضوضاء . . الموسيقى والرقص . . النور والزهور ؟ . . يا عارنا . . يا سخرية الدهر والناس منا . . يا خيبة آمالنا ! . . كانوا يصرخون ويدقون على صدورهم ويدورون حولى يرجوننى رجا . . يهدون كتفى بضربات التعجب ، ويصمون اذنى بالصرخات والقهقهات

احترق فكرى . . زاغت عيناى . . تضاعف دفق الدم فى قلبى وأنا أحصى صناديق الاموال التى على ان احضرها لاشترى واصرف كما يريدون . . كم من السنين يلزمنى . . عشرة . . عشرون . . العمر كله ؟ . . حرمان . . عذاب . . سهر . . أرق . . وحدة . . قلق . . فساد بالاضطرار . . قد تصيبنى العدوى . . أنا طبيب فى المستقبل سأتخصص فى الامراض الجنسية . . أخاف الزهرى . . أخاف العفن . . أخاف التشوه . . أخاف ، أخاف . . أنا بشر أنا حيوان أخاف الله . . أخاف الناس . . لى قلب . . لى عقل . . لى مستقبل . . وأريد امرأة الآن وبسرعة . . امرأة نظيفة متفهمة ترضى بى كما أنا بتواضعى وتواضع امكانياتى والمستقبل لنا . . سأغنيها بالحب . . سأطلعها على عوالم أخرى

وقفت مذهولا أرتعش وسألتها : - وانت ماذا تقولين ؟

وتكلمت بكل ثقة واقتناع : - الرأى ما يقوله أهلى . . احترام العادات والتقاليد أمر محتم وكلها فى صالحنا ثم انى لست مستعدة الآن لتحمل أعباء الزوجية ولا أريد أن اشتغل بغسل الماعون والثياب واعداد الطعام

وصرخت فيها : - قول انك ترفضيننى ودمعت عيناها : - مستحيل . . أنت حبى الاول والاخير وسأعيش وانشط من أجل سعادتنا .

وتدخل الشيطان فى حكايتى . . رأيته بقرنيه الحادين وعينيه الناريتين لحيته الطويلة وعكازه الاسود من خلال الدخان المتكاثف فى سحاب سيجارتى المحروقة وقلت لاعماقى . . (( سآخذها . . حسنائى المتجبرة عاشقة التقاليد والعادات . . سأجعلها تتعلق بذراعى فى لحظة انس وإلف ورغبة . . سآخذها

الى شقتى المتواضعة جدا ولن احاول اقناعها بالكلام . . ساحسم المشكلة سأسحر ذاتها من فتاة بريئة متعجرفة الى امرأة ترتكب الخطيئة . وبعد ذلك لتفعل الظروف ما تريد ؛ أنا أريد هذه المرأة وسوف أتحصل عليها ، لن تقوى أمامى أية قوة )) .

لقد أجبرت على السير فى الطرق الملتوية ولن أحس أبدا بالاثم . . انى اتخيلها تركع تحت أقدامى تطلب مني أن ارتق الفتق . . ان أصلح الخطأ أن نسرع بالزواج . . انى أتخيل أهلها وقد صدموا وتكسرت أنوفهم على صخور ارادتى وعزمى وهم متحلقون بى فى لطف قائلين :

- أيها الطبيب المنتظر اننا نشتهى أن نشرب كؤوس الفرح على مائدتك .

وأجيبها بفتور : - لماذا العجلة يا حبيبتى ؟ . . مسؤولية البيت صعبة عليك ثم إنى طالب فقير

وأجيبهم فى تشامخ يورثهم الانفعال : - الحقيقة اننى فكرت وتدبرت الامور فوجدت كلامكم الاول موزونا بميزان الذهب .

لكننى سأجيب القاضى ان كتب لى الوقوف بين يديه :

- سيدى القاضى أنا مثلك حيوان . . عفوا انسان لا استطيع أن أعيش الا بالهواء والماء والطعام والنساء . . سيدى القاضى الجوع فى أية واحدة من هذه الضرورات يدفع الى اللصوصية . . سيدى القاضى غلاء المعيشة كغلاء المهور . . أنا معترف ومستعد لان آخذ زوجتى معى الآن بدون قيد ولا شرط نكتب كتابنا ونسكن فى شقتنا المتواضعة . . سيدى القاضى انظر . . هذى ذراعى تعلقى بها يا حبيبتى وهيا ننصرف ؛ سنمر على مطعم بسيط نتناول فيه طعامنا ونؤوب الى عشنا المتواضع فلنا من الاعمال والمشاغل الشىء الكثير .

وداعا سيدى القاضى وداعا سيداتى سادتى

اشترك في نشرتنا البريدية