كنت ادون بعض الخواطر وقد تقدم الليل ولم اكن انتظر فى تلك الليلة الممطرة العاصفة زيارة زائر ، واذ طرق الباب نهضت لافتح ولم يخامرنى اى شك فى معرفة الزائر ، وفتحت الباب وبادرت صديقى بسؤال كان ينتظره منى . . - ما وراءك يا مقض المضاجع؟ قال : دعنى ادخل . . وسكت . .
ودخل صاحبى وكانما كان يترنح من خمر ، كانت عيناه غائرتين وكنت الحظ دقات قلبه رغم ضآلة النور كنت اعرف ما أتى به فى تلك الليلة وكنت فى الحقيقة اتشوق الى الانصات اليه . فهو فى ساعة اخصاب لانه مضطرب ولان اضطرابه مخصب ، قال بعد سكوت طويل
- انا لا افهم . . انا لا افهم . . قلت : ولم اصرارك على الفهم ولن تفهم قال : انه لم يمت قلت : نعم . . لقد مات لكن ليس كغيره ولا على نفس الطريقة . قال متسائلا : لكن بهذه السرعة ؟ قلت . نعم . . بهذه السرعة
وتنهد صاحبى طويلا ثم اضطجع على الفراش وظل يرقب السقف وظل قلبه يخفق وتركته وحاله وعدت الى شغلى كتبت بضعة اسطر وتوقفت قليلا ونظرت الى صاحبى وكانما توجست خيفة من امره ، وشعر هو بخاطرى فنهض نتوه وهم بالخروج وابتسامة على ثغره مصطنعة جافة زادت فى حيرتى فهتفت به ادعوه للجلوس من جديد .
قال وهو يأخذ الورق الذى كان بين يدى ويقرأ عنوان ما اردت ان يكون حديثا : " الرواية بين القديم والحديث " . . عنوان مبتذل وحديث مطروق . . دعك من هذا يا اخى واكتب عن الموت قلت : انا لا اخشى الموت قال : اكتب انك لا تخشى الموت
قلت : الناس يكتبون حول مشكلة من المشاكل ، او تريدنى ان اخلق مشكلة ؟ انا لا اعتبر الموت مشكلة . قال : الموت ام المشاكل . . لماذا نولد لنموت ؟ قلت : ولماذا ناكل ونشرب ونشتغل ولماذا نفكر ولماذا نكتب ولماذا ولماذا ؟ قال : انت رجل سطحى . .
قلت : انت رجل بائس . انا لا افكر فى الموت لانى احيا ولان الموت مثال الناس جميعا . استمع الى يا صاحبى ولا تقاطعنى . . سأعطيك رأيى فى الموت . . قال : وهل لك رأى فى الموت وانت لا تعده مشكلة ؟
قلت : لكل رأيه فى الموت يا صاحبى لكن النظرة هى التى تختلف الا تعلم ان الموت نفسه اصناف ، موى هادىء صامت وموت مضطرب ثائر قال : لكنه الموت فى كلتا الحالتين
قلت : لا ودونك حجتى اللغة الالمانية على ما اعتقد هى اللغة الوحيدة التى تشعرنا بهذا الفرق ، انها اوجدت كلمة خاصة لموت خاص وعبرت عن هذا الموت تعبيرا يعسر ان ننقله الى لغة اخرى فى نفس المعنى الفلسفى العميق الذى ارادته له اللغة الاصلية . .
وقاطعني صاحب لهجته مكر واستخفاف : اكتشاف عظيم فى اللغة . قلت : نعم اكتشاف عظيم فى اللغة لو ادركت مداه لنزعت عنك هذه الحيرة . الالمان يميزون بين موت الحيوان وموت البشر . فيقولون عن البشر انهم يموتون اما الحيوانات فتغادر او هى تتوارى اذا سمح لنا ان نترجم كلمة Einghen بفعل غادر او فعل توارى ، وقد اشعرتك بعسر النقل واعترفت بقصورى عن اداء المعنى الفلسفى الذى تنطوى عليه كلمة Einghen لكن المهم فى نظرى هو التصاق الموت بالغريزة من جهة وبالعقل من جهة اخرى فهو يختلف فى حالتيه باختلاف ما وهبنا من عقل نحن البشر وما قصر عليه الحيوان من غريزة ربما فاقت العقل فيما يشغلنا الآن
قال صاحبي : فى اختلاف الموتتين بالطبع . قلت : تماما كما يقول ، فى اختلاف الموتتين . الحيوان يغادر الحياة بغريزة تجعله يحس بامر محتوم . قال : بقضاء محتوم . .
قلت : نعم . . بقضاء محتوم ، ولم لا ؟ وهذا الاحساس الذى يأتى الى الحيوان عن طريق الغريزة احساس لا يتنبه اليه الذهن البشرى مهما حاول الانسان المتحضر . لكن هذا الانسان بفضل المؤهلات التى تأتيه عن طريق العقل والتفكير قد يستطيع بعد عناء كبير ان يصل الى نوع من الاستسلام والخنوع امام الموت والى نوع من الاتفاق الضمنى بين عقله وبين التسلسل الطبيعى للأشياء وهو نفس التسلسل الذى يخضع لامره وقوانينه وسننه الطبيعية بما فيها . فالانسان اذن يستسلم الى الموت بعد محاولة فاشلة اما الحيوان فيرضى ويغادر الحياة كانما عن طيب خاطر فرضاه لا يشبه التردد او التصلب ، فهو يذهب راضيا بمصيره وبالقضاء المحتوم ولو كان الحيوان يبتسم لشهدت الابتسامة على ثغره عند ما يترك الحياة ، تماما كذلك الكلب الذى عاش بيننا ما يربو عن السبع سنوات ترعرع خلالها فى بيتنا واكل من اكلنا وطابت له رفقتنا ثم اتى يومه المحتوم فتركنا فجأة ولم يبك ولم يتأوه ولم يودع . تركنا ليموت وحده فى زاوية من الحقل بين النوار والخضرة
قال لى صاحبى . رحم الله كلبك يا اخى . . ولكننا بشر قد طمست فينا كما تقول غريزة الحيوان او هذه الحاسة السادسة حاسة الحدس كما اسميها انا قلت : انا لا اشاطرك هذا الرأى ايضا . . فمن البشر من يذهب هكذا ذهاب الحيوان الى الموت ، وهؤلاء هم الذين لا يعتبرون الموت مشكلة ، اما انت فقد طغت عليك الحضارة فاعمت حاستك السادسة هذه . ودونك حجتى هنا ايضا اما سمعت بسكان القطب الشمالى " الاسكيمو Esquimeau وبجماعة من سكان استرالية البدائيين ؟ قال : وما بهم ؟
قلت : الناس يريدون ان تلحق هؤلاء الحضارة ولست ادرى هل سيسعدون قال صاحبى : هذا موضوع آخر ولا اظنك تشك فى ان الحضارة قد اسعدت صحيح الناس .
قلت : انا لم اقل هذا البتة ، ولست انكر على الحضارة هذا الجميل . لكن فيما يشغلنا اعتقد ان الحضارة ستقتل فى هؤلاء البدائيين الحاسة السادسة التى نتحدث عنها ، فهم اذا هرموا امروا ابناءهم بان يقطعوا بهم المسافات الى ان يصلوا الى مكان منعزل عن الهرج والمرج بعيد على المنازل والاسواق وهناك يجلسون على الارض الطيبة ويودعون الابناء فى صمود غريب لا يخالطه بكاء او خوف ، ويرحل الابناء ويموت الشيوخ هكذا وحدهم فى رضى ليس هو نوع من الاستسلام وببساطة لا يقبلها ذهن المتحضر . هم ينسحبون . نعم ينسحبون ولا يموتون

