هذه بذار شتيتة الى ثلة من شباب الادب سألتنى مشكورة (كيف أكتب) ؟ ، إذن كلماتى إليهم فقط ، لا إلى الذين يضاجعون الأمس الميت ، وهم فى جنازة بلا مشيعين تحملهم جثثهم ولا يحملونها ، وينظرون الى الفجر بملامح اقسى من القبر ... م . م .
* أن أصور هذا الصدى المتماوج من صدرى ، وهو صدى يغازل شبحا ويضاجعه ، لا يعنى أننى أسمر تجربة انسان بالألفاظ ، وإنما يعنى أن الشبابيك الجميلة التى أنفلت بواسطتها من حدودى لأكتشف ذاتى ، هى الكلمات . . .
* إذا رأيتم فى حروفى أجنحة الخطاف أو لونها ، فاعلموا أن السماء هى الحب الكبير الذى أوشحه بستائر الكلمات . . .
وذلك لأن هذا السرب من الخطاف المهاجر ، الذى ينمق زرقة السماء ، هو فقط ، ما أعتبره أدبا أو شعرا ، أو فنا . . .
* أنا لم أكتب قط . . . أنا لا أصور حياتى عندما ترون ما يرسمه على الورق دم قلبى ، ممزوجا بالشفق ، وبهمس النجوم ، ونثيث المطر ٠٠٠
أنا لا أفسر الحياة وإنما الحياة هى التى تتجرد من أقنعتها بكلماتى ٠٠٠
* لا تسألونى ٠٠٠ لماذا لا أرمى خطاى إلا فوق أحلام النسيم ، ولماذا لا يولد التاريخ إلا من احساسى ولماذا لا أتعرى إلا تحت الشمس ٠٠٠؟؟ فأنا منذ أن ولدتنى الحياة ٠٠٠ لم أقلد إلا الدفقة الكونية فى الوجود ، ومنذ أن ولدتنى الحياة ، كان زمنى أبدى الحركة ، أبدى التجدد ، أبدى الحياة ٠٠٠
* فدائيا أريد أن أكون ٠٠٠ أن أدفع بسفينتى فى جنون العاصفة ، ذلك هو أحد أحلامى ٠٠٠ وذلك لأنسى حملة القلم الذين يبيعون انفعالاتهم المفتعلة من أجل مجد صغير ، والذين يفترسون جيوب الناس وقلوبهم ، ويكذبون فنيا وايديولوجيا ٠٠٠ * فدائيا أريد أن أكون ٠٠٠ لأنسى تجار الكلمة الذين يكونون دائما مظاهر ولادة ولا يولدون ! !
* قلمى ليس سلاحى ، ليس معراجى إلى الشهرة ، ليس احد أوهام المتوهمين ٠٠٠ قلمى هو حبى ولعنتى وأداة انتحارى ٠٠٠
* بعض الناس يقتاتون من الحبر ، وبعضهم يرتزقون به ، أما الذين يكتبون بالدم ، فالحبر يقتات من لحمهم ووجودهم ٠٠٠
* الرؤيا الجديدة التى أحب ٠٠٠
هى تلك التى ٠٠٠ تبحث عن صدى بلا تجاويف كاذبة ، وعن فن بلا تقميش تكنيكى كاذب ، وعن حب بلا افلاطونية كاذبة ، وعن دين بلا ميتافيزيا وطقوس كاذبة ٠٠٠ الرؤيا الجديدة التى أحب ٠٠٠ هى تلك التى ٠٠٠ تكون مطلق العراء . مطلق السفور الباطنى ٠
* ليس فنانا من لم تكن حياته أروع انتاجه الفنى . . . ومن لم تسمع أذنه أصداء الصمت ، ومن لم تر عينه آفاق اللا شئ وأوتار العدم . . . ليس فنانا . . . من سمع فقط بأذنه وكان عبد الصوت ، ومن رأى فقط بعينيه وكان عبد الصورة .
* ليس قفلا ضجيجكم يا أصدقائى . ليس قفلا يغلق أحلامى . فأنا أصغى اليكم من أعماق عزلتى ، وأحس بحرارة اختلاجاتكم ، وبرفيف أجنحة خيالكم . . . وحتى عندما أضيع . . . . فى حضورى معكم ، وأهرول وأنا جالس اليكم ، فى البعيد البعيد ، فى رحلة الأقاصى ، عبر حرائق الحنين ، وحقول الثلج الميت . . . حتى عندما أضيع ، فحديثكم ليس قفلا يغلق أحلامى . . .
* ابتسامى لكم ليس إلا مجاملة أحيانا ٠٠٠ وذلك لأنها كثيرة هى الدقائق التى أحياها والتى هى اعوام من الرحيل الأبكم المعتوه ٠٠٠ وكذلك ٠٠٠
كثيرة هى ، الدقائق التى أسمعكم فيها ضحكاتى وأنا فى بئر العذاب ، وساعداى وأجفانى معلقة بالسراب وجسمى قد صلب على محراب الحقيقة ٠٠٠
* الأدب ، رذيلتك تلك - ألا رفقا بنفسك أيها المعذب من أجل الحرف والكلمة ، المصلوب من أجفانك ٠ - وتأبى أنت أن ترعوى ، وقد ولدتك أمك وعلى جبينك مصيرك المحتوم ، فاذا بالحرف يقتات من لحمك ، وينتشى من دمك ، وينطلق يفض بكارة المجهول بنور عينيك ٠٠٠
انى أراك ، أيها الجالس الى النجوم ، وأنت تغزل صمت الليل حروفا جميلة ٠٠٠
أراك ، بجرحى وعرقى ويبس لسانى ، فأراك فنانا أصيلا ، تنسى ذاتك فى الأشياء الصغيرة وفى منعطفات القمر ومتاهات المستحيل ٠٠٠
فاذا بك ، أنت الذاهل عن كيانك ، الباحث عن زمنك ومكانك ، تجد صوتك فى شكوى البحر ، كما فى همس النسيم ، وعواء القط ، وحفيف الأغصان ، وابتهالات الجائعين ٠٠٠
ثم ٠٠٠ هو ذا القلم يركض على البياض ، ساكبا دمك ودمعك ، مفشيا قلقك وأملك ، مسجلا شكك وايمانك ٠٠٠
وقد ترضى أو تغضب عن هذه الولادة أو عن ذاك الاجهاض ، وقد تقرأها فتمتد منك الأصابع الغضبى تقتلع منك شعرك وقد ٠٠٠ تدمع منك عين لحرف ، لجملة طائشة ، متنكرة خائنة ٠٠٠
- ألا رفقا بنفسك ، بجسمك المجهد ، أيها المتصامم عن صراخ العدم فيك ، وعويل الهاوية ٠٠٠
* عندما تنبجس كلماتى من كل ذرة من ذاتى ، فى احساس موحد على البياض ، فانى أكون فى حاله تضيع
أثناءها المقاييس الفنية والبشرية ، ليحل محلها ، هذا الفيض الباطنى الذى أحتار فى تسميته شعرا أو فنا أو أدبا ٠٠٠ فهذا البث ، الذى ليس هو إلا أنا ، والذى تقوم عليه من شتات ونثار الرؤيا أعمدة عالمى البكر ، هو موقفى الانسانى خلال الحياة ٠٠٠
* أن احدثكم عن هذا الحس الدرامى بالتمزق لا يعنى أننى أشكو الغربة وإنما يعنى أن حس تجريد العالم ( من أجل لحظة صفاء أكثر ) ، قد تكاثف عندى الى مستوى الانفجار ، وأن لذة الفوز قد أصبحت نهاية يتحد شرفها مع حركة تثاؤبى ٠٠٠
* * اعصارا أريد أن أكون ٠٠٠ ولو للحظة فقط ٠٠٠ وذلك لنسف أولئك الذى عبسوا وطالت لحاهم للتظاهر بالصدق أو بالفن ، وهم كذبة . وأولئك الذين باسم أخلاق مصطنعة يتظاهرون بالتخلق الموروث ٠٠٠ العتيق ٠٠٠
* * غير المكترث فى مهزلة الدروب ، هو أنا ٠٠٠ إذن ٠٠٠ فلا تحاسبونى على وجهات النظر المدروسة ، والموروثة ، والملفقة ، والمستعارة ، والمختلسة ٠
لا تقيسوا عمرى بالسنوات ، لأننى ولدت منذ أول انبثاقة حياة بشرية ، ومع هذا صبيانيتى سوف لن تقف عند حد من الحدود ٠٠٠ ومن أخطاء وخطايا هذه الصبيانية أنها تجعلنى أقهقه بدون أدنى (( أخلاق )) من الأفكار المائتة والمحتضرة التى تحملها بعض الوجوه كالأقنعة على ملامحها ٠٠٠
* غير المكترث ، فى مهزلة الدروب ، هو أنا ٠٠٠
إذن ، فلا تحاسبونى على ما أراه أنا ، ولا ترونه أنتم ٠٠٠ أنتم ترون الناس بأثوابهم ، وأنا أراهم بلا أثواب ٠
أنتم ترون الحقيقة بشحمها ولحمها وعظمها ودمها فى القشور ٠٠٠ وأنا أراها فى الجوهر ، فى ما وراء الرؤيا ٠٠٠ - الأغصان عندكم ، هى الأغصان ٠٠٠ وعندى هى أغصان وأزهار وبراعم ، ونثيث مطر ، و ٠٠٠ و ٠٠٠
- العطر عندكم ، هو العطر ٠٠٠ وعندى هو عبير مفعم بأسرار الحقول ، وبذكريات الربيع ، وبرسائل الشمس والنسسيم ٠٠٠ والله ٠
- العجوز عندكم ، هى العجوز ، وعندى هى مؤامرة الزمن والصدفة على عذراء ذبلت أحلام موعدها الأول ٠٠٠
* غير المكترث فى مهزلة الدروب ، هو أنا ٠٠٠ لأننى عدة أشخاص ٠٠٠ فى كيان واحد ٠٠٠ منهم الذى ينظر ومنهم الذى يمتزج بما يبدو أمامى من أشياء ،
ومنهم الذى لا يرى ولكنه يحس ، والذى يستيقظ عندما أمسك بالقلم ٠٠٠ والذى يولد والذى يموت ٠٠٠
* عوالم بلا حدود اكتشفها فى الاشياء الصغيرة . فى تلك النفثة من (( الامستيردام )) التى تساوى أحيانا ارتجاف النجوم ، لدى غيبوبة عناق . فى تلك الكأس من الخمر التى تتلألأ فيها ابتسامة الحبيبة . فى هذه الطريق التى تستغرقنى ، والتى لم تكتشفنى بل حفرتها أقدامى للآخرين . فى العينين الحلوتين اللتين جعلتا ولادتى متجددة . فى هذا النهر من الوجوه المتطلعة من بلاد الى أفق جديد ، وعليها ارادة ( أريد
أن نكون ) . فى تلك الملامح العطشى الى الحب والى الحق والى الصفاء فى كافة أنحاء الدنيا والتى تبكى بأجفانى ، وتجوع بمعدتى ، وتصرخ بحنجرتى ، والتى ما تزال تسقى الأرض العطشى بمطر أحمر من عروقى المكلومة ، والتى أحبت وحقدت وتحب وتحقد بقلبى ، والتى داست وتدوس الزهور والصخور بأقدامى ٠٠٠
* * ألا ما أضيق حروف اللسان ٠٠٠ فلكم هى تبدو محنطة تتعطل خجلى على الشفاه ، وتتدحرج كالقحط أو مثل حلقات الفراغ الأزرق ٠٠٠
ما أقصر الكلمة ، واللون ، والخط ٠٠٠ أمام الجمال ٠٠٠ أيها الجمال ٠٠٠
منذ آلاف السنين كم انتصبت لك ساجدا ، أمام عرشك المرصع بجواهر آمالى ، الموشى بتراتيل مآقى ، المحفوف بأحضان روحى ٠٠٠ أيها الجمال ٠٠٠
كم حدقت بآلاف معانيك وبصرى اليك ، وأنت فى أعماقى كالعطر فى قلب الورد ٠٠٠ ثم أواه ٠٠٠
ثم أنت مثل ألسنة القلق تنهش عظامى وتطرحها مهشمة للكلاب ، وتفقأ عينى وترمى بها للعدم ٠٠٠ أيها الجمال ٠٠٠ ما أعظمك ، وما أكثر ضحاياك ٠٠٠
كم رقصت لك مذبوحا ، وكم نمت فى عبادتك واقفا ، وكم تلاشيت مثل ذوائب البخور بمحرابك ، وألقيت بأوراقى يائسا من فهمك وتذليل معانيك ٠٠٠
أيها الجمال ٠٠٠ أنت قصة كتبت بخواطر السناء ، وطرزت بأحلام النجوم ، وعواطف الشمس ، وذرذر السراب عليها من حلاوة مواعيده فكان الانسان أول ضحايا الجمال ٠٠٠
أيها الجمال ٠٠٠ أنت فيض من الشعاع صبغ دنياى الصامتة بآلاف الأنغام العارية ،
الراعشة الآفاق ، المجنحة الأوتار ٠٠٠
أنت حفنة خضراء من حب ، بسمة تشع من خلال أهداب القمر ، همسة سكرى لدى غيبوبة قبلة ٠٠٠ اغراقة حسية فى موجة معطرة من الذكريات ٠٠٠
