الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

يوم حراء

Share

" فى يوم معين من كل عام تفتح المعاهد العلمية : فى وطن العروبة والإسلام " الام " فهو يوم القراءة والقلم والعلم والمعلم

ولمناسبة هذا اليوم بيوم حراء العظيم الذي عين الله فيه المعلم الاعظم خاتم رسله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لتثقيف الانسان وهدايتها " بالقرآن المجيد ، كانت هذه التسمية وقيلت هذه الكلمة .

و اليوم الذى هبط فيه روح القدس على خاتم رسل الله يحمل اليه وحي الله اقرأ باسم ربك الذى خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ وربك الاكرم ، الذى علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم " .

هو يوم القراءة ، يوم القلم ، يوم العلم والمعلم . هو يوم دارت حوله الارض ، فاذا هي سواها ، واذا ناسها سواهم ، وكيف تظل - عين ما كانت وكانوا - وقد انسكبت السماء على الانسان المصطفى .

اضواء ايمان وأمجاد أقلام وتجدد علوم وسمو أعمال ومكارم أخلاق وتهذيب انسانية ومثل تشريع وقسطاس عدل وصدق استقامة واخلاص نية وصفاء سريرة وعفاف انفس وتنافس مودة

وبذل أيد وشرف بطولة وعروبة لسان وحكمة قول وعبقرية وعى الى الابد ، الى الابد

زهذا حق - يا حراء - فهل يمكن - بعد نزول السماء الى الارض : وحيا ابديا معجزا - أن يقوم اصلاح تقدمى خير ويستمر وعدالة انسانية كرمة وتستقيم ، وامجاد علمية صحيحة وتتفوق . . الا على هدى آيات الله وخطا توجيهاته .

يا حراء . . هل شاهد العلماء أن نورا نزل من السماء صافيا وهاجا ، ولا يزال صافيا وهاجا ، كما نزل ، الا نورك . .

وهل عرفوا اصلاحات حية خالدة ، تملأ الدنيا ، وتوقدها شعلات حضارة صاعدة حرة الا اصلاحاتك .

وهل رأوا انسانا عالميا فذا ، ومصلحا اجتماعيا كبيرا ، وقائدا واعيا بصيرا ، وأسوة حسنة أبدية ، يفخر به الاكبار الانساني العام الدائم ، الا الانسانك العظيم : حمد بن عبد الله الذي ارتفع بالعقول البشرية عن عبادة أى كائن من الكائنات : - طاقة وماءة ووثية واشراكا وما الوثنية الا عبادة الطاقة أو المادة أو هما معا من دون الله بدعوى انه هى . تعالى الله عن ذلك . . وما الاشراك الا اشراك الطاقة او المادة أو هما معا مع عبادة الخالق العظيم جل وعز

فأنت ياحراء : فى عالم الأديان ، المحراب المقدس المتالق بخاتم الوحى الآلهى : القرآن المجيد وانت المصحح لكل أخطاء الفكر والعقيدة والعبادة على تداول الأجيال ومدى استمرارها .

وانت المحارب المنتصر على كل أباطيل الوثنية والاشراك ، وأساطيرهما .

وانت المجلى دائما لأن كتاب الله حجتك الناطقة

وانت ياحراء : فى العالم الانساني ، قلب الانسانية المهذب السامى ، الذي يمد سائر أعضائها بدفق المودة البريئة ، والخير المطلق ، والتسامح الصحيح ، ونور الحق المبين ، ومثله العليا ، والتشريع العالي المستمد منها .

وانت يا حراء : فى العالم الاسلامي ، رمز وحدته ، ومنار عزته ، وحلية تاريخه ، وعصمة اهوائه ، وجمال شمائله ، وشوكة بأسه . . فان المت به ٤٥٠

الملمات ، ودست بين دوله الأحقاد والفتن والشرور لتعصف به ، وتودى ، نهضت به آيات قدسك ، ومثالية شريعتك ووعي ابطالك فيعود الشمل كأشد ما يكون تماسكا ، واقوى ما يكون اعتزازا ، وارفع مايكون انتصارا .

وهكذا - ياحراء تحول معجزات كتابك الأبدية المتجددة ، كل حشرجة موت تنزل بالعالم الاسلامي ، الى استهلالة حياة صارخة وكل ظلمة ليل يدلهم ، الى فجر مبارك جديد .

وانت ياحراء فى دنيا العروبة مثار الاخلاص ، ومنال الأمانى ، ووقد البطولات والتضحيات الماجدة وينبوع المودات الاجتماعية الكريمة ، وباعث التفاهم والتسامح

مهما اشتد الخلف بين ابنائك ، واحتدم الجدل ، فان نسمات ظلالك السماوية الندية المقدسة ترطب القلوب ، وتؤنس ، وتصفي النبات ، وتوحد الاهداف . وما تعاطي ابناؤك ، كؤوس شرابك السماوى المقدس الصافى ، الذى لا غول فيه ولا اثم الا تصافوا وتصافحوا وتوصوا بالحق ، وتواصوا بالصبر . وما جفوه واعرضوا عنه الا ضلوا وأضلوا ، وغرقوا فى لجج الأهواء العاصفة المهلكة .

غرقوا حيث لا يصاح بطاف أو غريق ، ولا يصاخ لحس انه حراء - يا عرب - وانه نفحة ود مقدسة بينكم ، ونسمة خير لكم ، وشعلة هداية وسداد رأى ، وتوجيه حكمة ونبل فضيلة . فهلم اليه هلم .

ولئن شرقت او غربت بكم المبادئ الغربية الخاسرة ، فهو لكم وانتم له ، وليس لكم سواه من وزر واق ، إذا ازفت الآزفة وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما يظنان كل الظن ان لا تلاقيا

يا شباب حراء : أذكروا الفجر الذي هو عيد الاعياد وزينة الزينات ، ونور الانوار . . الفجر الذى انفجرت فيه اولى دفقات وحي الله الذى ملأ الدنيا اعجازا صارخا متحديا دون قبل او بعد . . الفجر الذي اتى على ظلمات الوثنية والاشراك وعلى طغمة الملحدين

الكفرة الفجرة . . الفجر الذي جلجل فيه صوت الداعية الاول محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه - ينادى بالايمان . . الفجر انطلق فيه الصحابة الهداة المصلحون اشباه الملائكة يبلغون دعوة الله ، الى الانسانية فى انسانيته . وما كان السيف الا لمن قارعها بالسيف .

قالوا غزوت ، ورسل الله ما بعثوا لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم جهل وتضليل احلام وسفسطة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم

لله انت يا حراء : ان الله اختارك لتكون محراب تحنث خاتم رسله الكرام ، ومبطبط وحيه ، فأضواؤك أضواؤه ومناسكك مناسكه ، وستظل مهوى افئدة الشعوب يطيرون اليك من شتى الآفاق ، ابابيل محتشدة وهم يلبون : " لبيك اللهم لبيك " .

ها هو البيت الحرام ينظر اليك ، كلما ازدهرت اركانه ، وهللت باحتشاد الطائفين والطائفات ، وهم متراصون حلقات حلقات تأسورة اللجين . ينظر اليك اكبارا لذكرى ايامك السعيدة يوم ضم روح القدس : صاحبك العظيم مرة وثانية وثالثة ، يرمز لأمكان الإنسانية ان تصعد الى طهر الملائكة اذا هي أوفت كل ضمة حقها ، بفهم غير زائغ ولا متخلف .

الاولى : حقها ان تتلقى الانسانية امانة الوحى ، بالعزائم المتبتلة الطاهرة ، كما

تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثانية : حقها ان تؤمن بوحى الله الايمان الصادق العميق ، المدعم بمنطق الواقع والعلم والدرس ، الذى هو منطق الوحى الثالثة : أن تقرن الإيمان الصادق بالعمل الجاد ، اى تؤثر اصلاحات مثله العليا السماوية ، على الاصلاحات الاجنبية الملوثة بوحول المادة الطاغية الحاقدة . ايثارا عمليا متحمسا لا يخالطه تقصير او تساهل فى حدود الامكان .

وها هي ذى عرفات الممتدة فى انفساح العينين ، تحييك خيامها البيضاء المرتفعة المتزاحمة ، كأنها الامواج الزاخرة ، فى بحر لجى من الماس ، تنظر اليك بجلال الذكرى الضارعة الأواهة ، ومدامعها تسيل سيلها العرم ، أسى ليوم ودع فيها صاحبك العظيم الملا المحتشد حياله ، وداعه الأخير بقوله : " لعلى لا القاكم بعد عامى هذا فى يومى هذا فى موقفى هذا . .

وفي هذا الموقف المزدهى بخير الصحب الكرام ، أفهمهم ان الارض قد استدارت كيوم خلقها الله ، أى طرحت كل اساطيرها واباطيلها ورعوناتها لتكون اهلا لعصر العلم والحق والواقع ، عصر الهداية والنور والخلق الكريم ، عصر محمد بن عبد الله الذي ارسل لأهل الارض بكتاب الخالق العظيم رحمة بهم واسعا لهم " سرمدا " .

وها هى ذي زمزم المباركة تفيض بين يديك بكل ذكرياتها ، ابتهالات ، وبكل بركاتها سلسلا ، وبكل اشواقها ظامئين وظامئات ، يعبونها : " صفاء نور ، ونبل رجاء ، وطمأنينة سلام ، وهناءة عيش ، وعافية أبدان . تفيض " فيضانها امس " .

يا شباب حراء : - تدفق الأزل من اعماق هذا الغار . وعب عبابه الصاخب ، اقداسا أبدية وانوارا

سرمدية . ونهضت القارات الخمس ، تفتح عقولها وقلوبها وعواطفها ، حقولا خصبة . غراسها خير غراس ، وثمارها الهدى والاخلاق ، والعلم والحق ، والتسامح والإيثار .

انه وحي الله ، انزله على القلب الانسانى الكبير ، الخفاق بالايمان بالهداية بحماسة التضحية " قلب محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه " انزله الله ليظل معجزة معجزات العلم ، ترعاه عين العناية وتحفظه يد القدرة الى اليوم الذي تكور فيه الشمس وتنكدر النجوم . . وتطوى السموات طى السجل للكتب .

يكفيه اعجازا ابديا حاصدا ان حقائق الوجود تبدو فيه جديدة ، تسبق معارف الأجيال المتتابعة ، وتتلقاها بالتهليل والتكبير لان حقائقه ، نفس الواقع الذي لا يتغير ولا يتبدل .

" وهل يكون الواقع سوى نفسه " وان تراخي في كشفه الزمان . الا ترون ان الذى يطلب معجزات لخاتم رسل الله ، سوى ما فى القرآن المجيد من معجزات لا تتناهى ولن تتناهي ، وسوى ما فى السنة الصحيحة

لا بد ان يكون سطحيا ممرورا ، ان لم يكن موثوقا بأغلال التقاليد والوراثات والتربيات ، أو ماجورا لتأييد الجهل على العلم ، والباطل على الحق ، والشر على الخير . ولن يفعل ذلك انسان يملك ضمير الانسان " .

يا شباب حراء : - احفظوا القرآن المجيد ايمانا وعملا ودرسا واستظهارا ، ولا أقول " حافظوا عليه " فالقرآن المجيد حافظه الذي انزله : " انا نحن انزلنا الذكرى وانا له لحافظون . " ولكن نحفظه لنحفظ نحن به . ولا نطرد

من الوجود ، ويأتي الله بقوم سوانا احياء ، هم أهل ليكون وحيه العظيم ، دستور شرائعهم العملية ، وحكومة خلافاتهم ، وقسطاس احكامهم ومحل ثقتهم ، الصحيحة التى لا مواربة فيها ولا دجل ، " ولا يكونوا أمثالنا . . " احفظوه يا شباب حراء ، ولا تغرنكم مظاهر المادة الكافرة الملحدة في العالم ، فكم كانت " كان واسماؤها " وزالت وظل المكان ! ويوم المكان آت " ولكل اجل كتاب

" انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملا ، وانا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " .

تتخلف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبع -

يا شباب حراء ! هل كانت لكم كل تلك المعارف المختلفة والاسفار الرائعة من مخطوطات وسواها : التى تطفح بها دور الكتب فى العالم المتحضر ويحج اليها العلماء من كل ملة وجنس ، زرافات زرافات خشعا عند خشع للاستفادة والافادة " لولا وحي الله المنزل على صاحب حراء "

وهل كان لشريعتكم ، كل هذا التاثير الحضارى الفعال المجدد لشرائع العالم . . وهل كان لها كل هذه التطورات ، التقدمية الانسانية الصاعدة ، لدى كل امة من الامم قديما وحديثا لولاه . وهل كانت جزيرتكم العربية قبلة صلاة ، ومحراب ضراعة ، ومثابة حج ، وبلوغ وسيلة ، ومنار هداية ، لكل بلاد العالم لولاه ، لولاه .

يا شباب حراء ! اذكروا ان للغتكم العربية التى تفاخرون بها ، لذات فى الارض قد أكل الدهر عليهن وشرب . اما لغتكم فقد اكلت الدهر

وشربته ، وتمثلته حياة خالدة ، وقوة عاصفة وحكمة بالغة . اما تدرون ان جد ذلك كله يعود لوحى الله المعجز ، الذى جلجل به غار حراء مدويا بصوت روح القدس

أجل ! لولا وحي الله الحق ، لما كان للغتكم التى تفتدونها هذا الخلود الازلى الوطيد الذى يحصد اللغات حصدا . ولم ينقذها من الزوال شوكة دولها الكبرى المتفوقة ، وما تقدمه لخلودها من مجامع ومعاهد ورجال وعتاد ومنح طائلة . . حتى اصبح متعارفا لدى الامم كافة . . أن لغة العرب ابدية ، لا تزول وان زالت الارض . وهل يزول كلام الله ، ولولا تأكد خلود لغتكم السرمدى ما قررت هيئة الامم ان تسجل بها وثائقها الرسمية التى تضمن عليها من التغيير والتبديل ثم الزوال

أجل انها شاهدت كيف هوت لذاتها اللغات الحية ، هوى الشهب ، وعادات خيالات طائرة حتى فى صميم عواصمها . وكيف يرتد عن لغتكم الدهر خاسئا مدحورا ، كلما يحاول ان ينال من قدسها أدنى منال : " يا الهى أنت وحدك الحافظ " يا شباب حراء !

لا تخالوا ان سلطانكم ، هو ما قدم للغتكم كل هذا الخلود الحي ، ولا تحسبوا ان نضالكم من دونها ، وبذلكم من أجلها . هو الذي اسهد الليالي ، وقرح الماقي لدراستها ، فى كل تلك الاجنحة ، من كل تلك الجامعات والمجامع ، شرقا وغربا .

ولكن ازلية معجزات القرآن الوقادة ، التى تشع اضواءا مبصرة نافذة ، تخترق اعين العميان الكبار الحاقدين على العروبة والاسلام ظلما ، هى التى فعلت ذلك .

ايها الشباب : انكم تذكرون الليالي الخاشعة المتبتلة ذوات العدد التى كان صاحب حراء ،

يقضيها فى حراء ، وهو ضائق عقلا وقلبا بالوثثنية والوثنيين والشرك والمشركين ، ضائق بمهزلة صلاتهم التى يقيمونها حول البيت مكاء وتصدية . ضائق بصغارهم المستكبر ، وضآلة امانيهم الصبيانية اللعوب ، ونزواتهم العاتية المستعرة التى تأكل اجسادهم واموالهم ومصالح مستقبلهم كما تأكل النار الحطب . ضائق بقلوبهم التى تعبث الاساطير بها عبث الهواء بالهباء ، وتطير بها الى ترهات مغاور الجان وكهوف المردة . ضائق بعقولهم التى تسف بها تقاليدهم الرعناء ، وتوثقها اغلالها الحديدية التى تأكل اللحم والعظم ، وتحول دون انطلاقهم الى كواكب الخضراء ليقبسوا من أضوائها ما يقبسون ، ويطلوا من أعلى أبراجها الى الحياة بنور البصيرة المتيقظة والتفكير الباحث الناقد ، والحماسة النيرة المناضلة ، من أجل العلم والحق والخير والانسانية .

انكم تذكرونها وتذكرون انه كان صلى الله عليه وسلم ياوى اليه وهو من شدة اساه على قومه تكاد نفسه تذهب عليهم حسرات . وكيف لا يأس عليهم وهو يشاهد احقاد نفوسهم الصغيرة تتفاقم نوائبها وتتحاجز على شعاب الجبال ومخارم الاودية ، وملتويات السبل ، ومتاهات المفاوز ، حتى تكاد تأتى على اخرهم . وكم كان يفكر في اصلاحهم ، وفي هداهم ، وفى نجاتهم من المهالك . . والسبل تضل بهم فى متاهات نعراتهم القبلية المتحاجزة واوضاعهم الصغيرة الحقيرة التى اقضت مضجعه وانقضت ظهره . .

وظل هذا حاله وهو متبتل ضارع الى ربه يطلب منه العون والانقاذ ، لانه يعلم ان الهدى هدى الله ، ومن لم يسعفه هدى الله ويمده بالتأييد والتوفيق ويوجهه اذا تشعبت فى وجهه الطرق فلا يتمكن من

هداية نفسه ، بله سواه من الخلق .

ايها الشباب : ان صاحب حراء - صلوات الله وسلامه عليه - هو معلم الانسانية الاكبر . وهو أول من فتح مدرسة فى جزيرتكم ، وأول من جعل لكل عشرة طلاب معلما ( ١ ) وهو الذي انزل عليه قول الله عز وجل : " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وهو الذي جعل موطنكم قبلة العلم والعلماء وقطب رحي السياسة العالمية . . وهو الذى أفهمكم ان العلم ليس ما يقام في الخارج فحسب : من جمال فى العمران ، وبراعة فى الصناعات ، ورفاهية فى المعايش ، ونعومة فى الالسن ، وطلاقة فى الاوجه وانما العلم فيما تحفل به المجموعة النفسية من سعة فى المعرفة وحرية الفكر وانسانية العاطفة ، وطهر الغريزة ، وفي الذكاء والوعى ، ومعرفة مآتي الايام ومصايرها ، والأصرار على عمل ما يحسن ، وتجنب ما لا يحسن ، والا فأى فائدة فى الجمال الخارجي ، إذا ظل القبح يملأ النفس وكان جمال الخارج لا يدل على ما هو اجمل منه في الداخل اذن فالقبح لا بد أن يطغي على جمال الظاهر ويأتى عليه فى النهاية . . وهكذا يحل الفساد محل الصلاح والشر محل الخير ، والحرب محل السلم والخراب محل العمران .

ما أعظم يوم حراء الذى تفتح فيه معاهدكم وجامعاتكم ، أبوابها لكم ، وقد وضعت كل آمالها فيكم ، عزة وكرامة وادبا وعلما ومجدا صناعيا موفقا ، وها انتم أولاء تدخلونها وهممكم أشد من الدهر صولة ونياتكم أصفى من الماس صفاء وعزائمكم انفذ من الحراب ، واراداتكم امضى من بواتر

الفولاذ

وهل يوم حراء سوى اليوم الذي فتحت السماء ابوابها لنزول ملك الوحى جبريل ، على صاحب حراء المتحنث اذ تطلع فى رواقه ، وناداه :

" اقرأ . . " : هى كلمة الله ، كلمة الأزل ، كلمة العلم ، كلمة الحق والواقع .

وهل تكون للانسانية معاهد للتعليم ، وهل تكون لها معارف نامية متجددة ، وحضارة تقدمية صاعدة اذا هي لم تقرأ . . أى إذا هي لم تنفذ الامر الالهى بكل معانيه الواسعة على الامة بحذافيرها ؟ بنين وبنات واذا هي لم تذعن له بشوق واخلاص . . لما يشتمل عليه من عزة وكرامة فى الدارين

والقراءة إذا لم تكن باسم الله ، خلت من نفحات السماء وبركات الاستقامة ، وطمأنينة السلامة ، وسعادة الهداية ، ولو ان القراءة كانت في العالم كله باسم الله لما ابتلى البشر بمهازل الشهوات ومباذلها وطغيان المادة وكبريائها . وحب النفس واطماعها .

وهل كان الانسان ينسى انه مخلوق من علق ، وأ ن بدايته كنايته ، معانة فى مهانة ( ٢ ) وهل كان يؤذي ويتكبر ، ويطمع ويجمع ولا يشبع . ويختلق التهم ، ويفترى البهتان ، ويمعن فى مكايد الباطل لو انه وعى طليعة وحي الله بعض وعي رسول الله . .

" اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق . . "

وهل يتصور ذو مسكة من عقل ، أن امة تنتظمها اكبر نعم نعمة سماوية ، وهي نعمة الإيمان بالوحى الآمر بالقراءة ، بصورة حاسمة تتقدم عليها

امة فى الارض : " وتكرار الامر مغزاه توكيده " ونعمة فرض القراءة ، تنطوى على نعمة التجدد العلمي ، ومعطياته ، لا تنتهي . وآلة التجدد العلمي القلم . وأمجاد القلم لا تحصى : اذ به تتجدد العلوم ، وبه تعلم الانسانية فى حاضرها ما لم تكن تعلمه في ماضيها وبه تتهذب وتتحضر وتسمو : " الذي علم بالقلم ، علم الانسان ما لم يعلم " .

وفي يوم حراء ، تخمد نزوات الشباب فى الشباب ، وتسترد العقول نشاطها بعد الاستجمام ، وتصافح القلوب بصفو الوداد وعناق الاحباب للاحباب . . وتستيقظ امنيات التفوق الثقافي ، وحب العلم للعلم ، وتنافس الاسفار للاسفار ، والمطامح للمطامح والامتياز للامتياز .

والدولة من ورائهم تحيطهم جميعا بمودتها وسهرها وعنايتها ، وتضمهم الى صدرها حنانا ورضا بما يصنعون . وتنفق فى سبيل تثقيفهم النفقات الطائلة بسخاء وطيب نفس لانها ترجو بهم ان تكون سيدة دول العالم كما كانت بالامس . . وتحقيق هذا يسير على هممهم العالية التى هى اقتباسات من همم صاحب حراء ، التى يقول فى وصفها شاعر طيبة المباركة حسان بن ثابت :

له همم لا منتهى لكبارها            وهمته الصغرى أجل من الدهر

يا شباب حراء : انكم تذكرون صاحب حراء ، حين كان مثلكم فى فراهة الشباب ، ونضرة العمر تقله جزيرتكم هذه كما تقلكم ، وتظله سماؤها كما تظلكم ، فأنتم منه ، وهو منكم ، وقد جعله الله رسولا عالميا ، ختم به رسالات السماء ، وانزل عليه الكتاب المعجز المشتمل على كل الهداية والايمان ،

وعلى كل الاخذ بالعلم والحق ، وعلى كل اصول التشريع . وعصمه من النقائص قبل الرسالة ، وبعدها ، لتكون حياته اسوة حسنة للانسانية جمعاء : شابا وكهلا وشيخا الى يوم البعث المشهود . وجعله من أنفسكم عربيا ، وأنزل عليه قرآنا عربيا : لتكونوا انتم " المثل العالي " لشباب الانسانية والاسلام والعروبة : فى صدق الاقتداء به ، وصدق الاخذ عنه وصدق الامتثال لما جاء به من الوحى على تداول الحقب وتتابع الاجيال ، ولتحملوا انتم الامانة العظمى التى حملها ، وتبذلوا فى سبيلها ما بذل وتبلغوها للناس كما بلغها .

يا شباب حراء : فمل تعجبون بعد هذا ، اذا كان يوم فتح معاهدكم وجامعاتكم . . هو يوم حراء العظيم " حقا وصدقا " .

أما تتلقاكم معاهدكم وجامعاتكم في هذا اليوم ، بكل اشواقها ، وتحتضنكم ، كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها ، إذا عادوا اليها اثر سفر طويل . أما تسرحون وتمرحون فى ساحاتها ، وتغشيكم حجراتها المجيدة بحنان ورعاية ومودة كما غشى صاحب حراء آلة الاطهار بعباءته . الا انكم انسال العروبة فى مهدها الاول : فحب الفصاحة والبيان فطرتكم وبذل الجهد للتعمق في المعرفة ، وتوسيع الاطلاع قمة أمانيكم . وها أنتم اولاء تنتقلون من معهد الى معهد ، ومن بلد الى بلد ، من اجل ذلك وهذه شمائل الجزيرة العربية الاصيلة الكريمة معتقة فى صميم وراثاتكم . فهي منهل تفكيركم ، وغراس عواطفكم . وآية ذلك هذا الإنسجام العاطفي السامي الذي يهز انفسكم ، وهذه المودة الصافية التى تملأ قلوبكم ، وتشرق فى اوجهكم ، وهذه

العناية المحتفية التي تستولى عليكم كلما ابصرتم مواطنا من مواطنيكم : سواء اكان من أبناء الرياض او مكة ، أو جازان او الظهران . . أو سوى ذلك . . وسواء اكان مقيما ام مغتربا . فأعمالكم هذه هي أعمال تلامذة حراء ، منذ اليوم الذى كان يثقفهم فيه ، صاحب حراء ، فى دار الارقم بن ابي الارقم. .

ها أنتم أولاء ، تخشعون خشوعهم ، وتستغرقون استغراقهم ، كلما تليت عليكم آيات وحي الله التى هى تقوم الإنسانية :

على العزة والشوكة ، وعلى العلم والادب ، وعلى المودة والاخاء ، وعلى الايثار والتسامح وعلى القناعة والعفاف وعلى الكفاية والعدل وعلى الرضا ومكارم الأخلاق

وهي قوام لغتكم قد جعلتها : لسانا خالدا فى فم الدهر ، وأغاريد مسحورة على مسمعه وروحا حافظة تقصم ظمور اعدائها ، وتذيقهم الموت مرتين :

مرة بشرخ شبابها المتجدد ومرة بانتصارها فى كل معركة وهى لغة الوحي المعجز . ينابيعها دفاقة متسلسلة من قلب الابد ، انها هبة السماء لأهل الأرض ، ولغة الارواح للبشر ، انها وقد دماء آبائكم الخالدين ، التى تتطرد ، فى شرايينكم على تداول الازمان ، عبقرية نابية فى عقولكم ، وايمانا مكينا فى قلوبكم وبسالة صلدة في عزائمكم ، وأشرطة وأوسمة فى صدوركم .

يا شباب حراء : ان يوم حراء ، في جزيرتكم ، هو يوم التاريخ والحضارة والحنيفية السمحة

والعلم الصحيح ، انه يوم مثل وتشريع واقدام وعزم واعتزاز وقوة وامجاد تبتدع أمجادا . .

واى شاب يفهم جلال يوم حراء لا يحس بأشواق المعرفة تتقد بين جنبيه وهواتف الخلود نغرد فى أذنيه .

يا شباب حراء : ما استطاع ابو بكر ان يقيم دولة الخلفاء الراشدين ، على دعائم وحي الله ، ويقضي على الردة والمرتدين ، فى بلادكم هذه العزيزة : لأنه تخرج من كلية حربية ، او سياسية . بل لأنه تخرج على يد صاحب حراء المعلم العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .

ولا استطاع عمر بن الخطاب ان يكون الفاتح الكبير ، والحاكم المثالي العدل . . والمفكر الاجتماعى ، الملهم ، لانه تخرج من احدى جامعات رومة او اثينة أو الإسكندرية

بل لانه تخرج من جامعة الارقم بن ابي الارقم على يد صاحب حراء . .

وما استطاع عثمان بن عفان ، أن يهيئ شؤون الدولة من الوجهة الدستورية ، فى البلاد المفتوحة على مرجع اصول التشريع - القرآن المجيد - ويبعث به فى الأمصار ولا استطاع أن يكبت غريزة حب التملك ويبذل جزيل امواله في تجهيز جيش العسرة ومعونة الطبقة الفقيرة ، والنهوض بها إلى سعادة العيش وتأمين المرافق : لأنه كان استاذ جامعة أو فيلسوف مجتمع . بل لانه كان من تلامذة صاحب حراء . .

وما استطاع على بن ابي طالب ان يكون ارفع قمم المعرفة فى فجر الاسلام ، وأغزر

ينابيع البلاغة ، التى لا تغيض ، ولا استطاع أن يكون حلالا للمعضلات " عيلم تشريع غلابا فى المعارك حصن بطولة ، لأنه تمرس بالتشريع والقيادات فى كليات الحقوق والحرب خارج الجزيرة العربية . . بل لأنه نشأ فى منزل سيد الابطال ، وتثقف على يديه فى مواقف التشريع والقتال

ولا تمكن خالد بن الوليد ان يكون القائد المحنك القادر ، والفاتح المظفر الصالح ولا كان ابن العاص داهية سواس العرب الباقعة اللبق الجذاب الساحر . ولا كان زيد انبغ كتبة الوحي ، ولا الفرض البارع الحجة . ولا امتاز سعد وسعيد وطلحة والزبير بن العوام وحمزة بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف ، ببشرى نيل سعادة العالم الثاني ، الا لانهم احسنوا الأسوة بصاحب حراء . .

وكم كان لصاحب حراء تلامذة كثر ، سوى هؤلاء كل له احسانه وتفوقه وميزته . .

يا شباب حراء : يا ورثة الامجاد ، يا أعلام الجزيرة العربية فى غدها المشرق الجذاب . . ويا جنودها الأبطال اذا جد الجد ، وناد المنادى " ولات حين مناص " . . ويا بناة الحضارة الاسلامية المجيدة ، ويا حملة مشاعل الحرية والاخاء الانساني العام . .

يا شباب ، يا اذكيا ، يا طامحون : أولئك هم آباؤكم وأولئك هم اسوتكم . فى كل ما تأخذون ، او تدعون . فموازينكم فى تشييد حضارتكم الحديثة موازينهم ، وسبيلكم اليها سبيلهم . ومثلكم العليا مثلهم ، ولا صلاح لأنفسكم الا بما اصلحوا به أنفسهم ، وقد حكموا الدنيا بايمانهم العملي الصادق ، وبتصميم ارادتهم الحاسمة وببسالتهم المضحية المنتصرة ، وبقناعتهم

بالقليل وانفاقهم الكثير ، وبتسامحهم المثالي المشهور ، وما حكموها الا بصدق ائتسائهم بأعمال صاحب حراء محمد بن عبد الله .

يا شباب حراء : انتم عرب والعرب بواسل لا يعرفون القنوط ، وانتم مسلمون ، والمسلمون لا يقنطون . . لأنهم يعلمون ان القنوط ضلال قال تعالى : " ومن يقنط من رحمة ربة الا الضالون " .

يا شباب حراء : انتم تعلمون أن الحياة الإنسانية سحب ماطرة ، يخلف بعضها بعضا ، وقد استعرضت بكم سماء جزيرتكم ، فى يوم عبوس قمطرير ، أنواؤه قاصفة ، ورياحه عاصفة . فكونوا مطر خير لها ، ولا تكونوا مطر شر . . وكلا الامرين فى مقدوركم " وان تأكدى بعزة مستقبلكم فى العالم كله يحضوني ان اعرض عليكم قصة شباب اسوتكم الاعظم ، وعلم هدايتكم ورافع اسمكم ، ومشيد دولتكم صاحب حراء العظيم محمد صلوات الله وسلامه عليه " .

وقصة الشباب هي قصة المستقبل ، فان كان جادا ، مفكرا بانيا لأمجاد العلم سباقا . . كان المستقبل كذلك . وان كان هازلا خاملا متخلفا لا قيمة للوقت ولا للعلم عنده كان المستقبل كذلك .

وقصة شباب حراء كلها عجب وانكم تحدثنا :

١ - فى عمله المتتابع الناصب . ٢ - في ايثارة العزلة والتفكر ٣ - في ثباته وشجاعته وتضحياته ٤ - في نزوعه الى اصلاح الامة وانقاذها ٥ - فى اتقاد فطرة الايمان الصحيح فى مجموعته النفسية . ٦ - فى نفوره من أباطيل الشرك والوثنية .

٧ - فى بعده عن اللغو ، وكل نقائص المجتمع

٨ - فى حسراته المشفقة الوالهة على صغار امته .

٩ - فى حكمته العالية ، ورقة شمائله . ١٠ - فى طموحه الكبير الواسع الذى لا نهاية له . .

أما واقع القصة ، فالعالم اجمع ، ولن تنتهى فصولها واحداثها الكبرى المؤثرة . . وان انتهت الارض من دورتها حول الشمس ، وطلعت طلوعها الاخير من المغرب ، لأن لها صلاتها الكبرى حتى فى عالم الآخرة

- وبنظرة فى تاريخ الاديان والعقائد والفلسفات ، وما يشتملن عليه قبل مجيئه وبعده ، تطالعون الفصل الاول . . من القصة .

- وبتأمل فى جغرافية الدول ، وفي تاريخ وجودها وزوالها ، تجدون الفصل الثانى .

- وبدراسة تقويم البلاد العربية ، وتاريخ دولها ، وأعمالها ، قوة وضعفا وضيقا واتساعا ، وفرقة واجتماعا تمرون بالفصل الثالث .

- وبالتعمق فى دراسة المعارف الانسانية وتطوراتها فى اللغة العربية وسواها من اللغات ينكشف لكم الفصل الرابع

- وبزيارة للمكتبات الكبرى فى العالم العامة والخاصة ، ومطالعة مخطوطاتها ومطبوعاتها ، فى مختلف اللغات ، وما تشتمل عليه ، وقل مثل ذلك بزيارة المتاحف ودور الآثار يتجلى لكم الفصل الخامس . وبامعان النظر فى دساتير العالم وما حذف منها ، وما أضيف اليها ، وآثارها العملية

قبل رسالته وبعدها تستوعبون الفصل السادس

ولا تحسبوا أن قصة حياته الرائعة الخالدة تنتهى ما دام فى الارض علماء ، يحملون أمانة العلم ، ويؤمنون بجلال قيمته السلمية ، ومنافعه الدائمة ، في حياة الامم الانسانية كافة .

ويطيب لى ان انهى كلمتى هذه بتقديم حادثة واحدة من قصة شبابه لشبابنا المشمرين عن سواعدهم فى معاهدهم العلمية استعدادا لبناء الامجاد ، الفاهمين أن الامجاد لا تبنى بالامنيات ، ولا تشيد بالمباذل ، واضاعة الوقت بين مهازل الاسمار ، ولغو الخلان .

ومن أجل ذلك آثرت ذكر هذه الحادثة بالذات ، وآثرت أن يقصها عليكم صاحب حراء نفسه صلوات الله وسلامه عليه اذ يقول : ( ١) .

" لما نشأت بغضت الى ، الاوثان وبغض الى ، الشعر ( ٢ ) ولم أهم بشئ ، مما كانت الجاهلية تفعل الا مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك . .

" ثم ما هممت بسوء بعدهما حتى أكرمنى الله برسالته . . قلت لغلام كان يرعى معى لو أبصرت لى غنمى حتى أدخل مكة ، فأسمر كما يسمر الشباب ، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة ، اسمع عزفا بالدفوف

والمزامير ، لعرس بعضهم ، فجلست لذلك ، فضرب الله على أذني فنمت فما ايقظني الا مس الشمس ، ولم اقض شيئا ثم عرانى مرة أخرى مثل ذلك " . اه

هذه هي الحادثة وانها لعظيمة جدا ، وانها تدل على المستقبل الباهر الكبير وانها تشتمل على جملة أمور :

١ - ان شباب الجاهلية كانت تحدثهم أنفسهم بارتياد الاسمار . وكان ارتيادها يصرفهم عن الصعود الى الاعمال الاجتماعية المجيدة . . وكان من مواطن الاسمار الاعراس والبلد الحرام لا مواطن فيه للسمر الفاحش ما  عدا ايام الجاهلية . .

٢ - ان الله سبحانه وتعالى حفظ شباب رسوله الكريم حتى عن سمر الاعراس البرئ ، ليعلم فتيان الامم كافة ، أن غشيان الاسمار ، لا يصلح لصانعي الامجاد الاجتماعية الكبرى . . اذ صنعها لن يتأتى الا لمن يحمل الوعى لقيمة الوقت ، والشح والكزازة فى انفاقه لغير النافع الصالح . ولمن يحمل مثل الشمائل الماجدة ، التى اقام الله عليها صاحب حراء . .

٣ - ونجد فى هذه الحادثة أن الله عاصم انبيائه من كل النقائض قبل النبوة وبعدها وان كانت طفيفة فى نظر الناس لتظل حياة الانبياء الكرام شريفة طاهرة محفوفة بالأكبار والاجلال في كل أدوارها .

٤ - ونجد فيها ان الحياة المهيأة لصنع الامجاد الكبرى ، لا ينبغي ان تهدر فى سواها من الاعمال بله الاسمار ، ليحجز عنها التفريط فالاخفاق .

٥ - ويجد ادباءنا البارزون في هذه الحادثة ، وأمثالها مجالات عبقرية عالية

للفن والادب قلما يظفر سواهم بنظائرها فى أوطانهم . . " وهل فى كل وطن حراء مجالات ان وفقوا لنقلها الى العالم الظامئ الى موارد الروح الصافية التى لا زيف فيها ولا دخل . فانهم يكونون قد قدموا لهم اقدس شراب سماوي مريئ يعبونه عبا ان كانوا مدركين ان هلاكهم في فقده . . وان لم يكونوا مدركين استتمتعوا به استمتاع الروح ولو فنا . .

٦ - وفي هذه الحادثة حاول الشيطان أن يرصد شباب صاحب حراء مرتين ، فأخفق . . لان الله جعل وعيه المعصوم متيقظا الى مساربه فى اعماق النفس ، ليتفطن لها ابدا ولا تخفى عليه . وكيلا يكون هواه حتى في سريرته فى غير الأعمال المبرورة والذكر المرفوع ، وصنع المعجزات قد يقول شارد الفكر " هي دفوف ومزامير يستريح اليها المكدود عادة ، ويلهو العميد ويسلو بها الولهان . . وينسى أن لهو ساعة عدواها كعدوى الطاعون . . ان لم يقتل الحياة ، قتل الاحساس بها ، وهذا شر القتلين .

ومهما يكن فرسول الله يقصد من ذكر هذه الحادثة ، أن يفهم الشباب أن كل لحظة من الحياة ، وان كل حركة أو سكنة يجب أن تكون لها غاية جليلة تعود الى مصالح الامة بالنفع ، وكذب المنافقون الذين يعلنون أنهم يقصدون الاسمار لتسمو أنفس وتتهذب احاسيسهم كذبوا الف مرة . . فمن لم تسم به آيات الله المنزلة ، ومثلها العليا فلن تسمو به الاسمار ولا تهذب أحاسيسه دفوفها ومزاميرها واغانيها الفاحشة . .

ولله الامر من قبل ومن بعد .

اشترك في نشرتنا البريدية