ثورة على بن غذاهم التى وقعت بتونس سنة 1280 ه شغلت الكثير من صحف التاريخ التونسى لانها أول ثورة ( جماعية ) تجاوبت فيها أطراف البلاد من أقصاها الى أدناها على غاية من النظام والاتقان والإحكام وصمم الثوار فيها على مقاومة حكومة الصادق باى ووزيره مصطفى خزندار مهما كان الثمن . اندلعت الثورة فى اصرار وثبات وتغلبت على حكومة الصادق باي ولم تبق له أمرا نافذا الا فى العاصمة وما حولها في اثنى عشر ميلا وبلغ السكين العظم وضاقت السبل أمام الباي ولم يسعه الا التفكير فى وسائل تفرقة الشعب وبث الفوضى بين صفوف الثائرين بالوعود الكاذبة والعهود الخلابة والتراجع الخداع بواسطة أعوانه وبذلك اقتدر على خرق الصفوف وتمكن من تخضيد الشوكة فى مملكته وبقى الساحل مصرا على المقاومة لم تخدعه التمويهات فعجم عيدان رجاله فوجد أحمد زروق وزير الحرب في دولته أصلبها عودا فرمى به أهل الساحل .
كان هذا الوزير آية فى القساوة ومثلا مضروبا فى الشدة والإسراف فى تنفيذ الاوامر الشريرة وجمع له الباي جماعة من ( زواوة ) وأرسلهم تحت قيادته للانتقام من الساحل وتغريمه والفتك برجال الثورة فيه وأوصاه بأن لا يتجاوز عن المسىء ولا يقبل من المحسن ويعامل الجميع بسائر ضروب النكال .
وصمم وزير الحرب زروق فى اصرار على أن يمثل بثوار القلعة الصغرى وأن يذيقهم ألوان العذاب لانهم يقومون مقام الرعيل الاول من الثورة تؤيدهم مساكن والمنستير وبعض قرى الساحل الذين كانوا يدينون ببغض البايات وينتهزون الفرص للثورة عليهم .
وحل زروق وكتيبته صبيحة يوم الجمعة ثامن جمادى الاولى من سنة 1281 بموقع ( استراتيجى ) من القلعة يمكنه من تدميرها اذا والى عليها اطلاق النيران من المدافع . والتفت الثوار الى حلفائهم الذين كانوا يملؤون
الفضاء فلم يجدوا مناصرا ولا مؤيدا وفر الانصار غير لاوين على شىء لان وزير الحرب أشاع بينهم أنه بعث كتيبة من جيشه لمنازلة مساكن والقضاء عليها فهبوا للدفاع عن بلادهم تحت قيادة الدهمانى البوجى .
وأخذت المدافع تصلى القلعة بنيرانها والثوار يتسللون لواذا وضاقت عليهم الارض بما رحبت ورج سكان القلعة حفاة عراة نساء ورجالا كهولا وشبانا كأنما يساقون للمحشر للقصاص وعثر على الشاعر الاديب أحمد الونى مختفيا فأتى به يرسف في الاغلال مع بقية الثائرين . واهتبل بعض الخونة الفرصة فهاجم الشاعر الوني مظهرا الشماتة به كما يفعل الانذال فى مثل هذه المواقف فانهال عليه الونى شتما وهجوا وتعييرا واتسعت دائرة المشاجرة واحتدمت نيران المعركة وسرى الخبر الى الوزير أحمد زروق فاتى له بالثائر مصفدا في الاغلال فبادهه لقوله : اتمردا وأنت في السلاسل والاغلال فقال الوني عفوا باحضرة الوزير ان هذا اللئيم احرجني واستثار غضبى ومن اغضب ولم يغضب فهو حمار والبادى ينزل نفسه منا منزلة الاب ونحن عقناه والانسان يعق أباه ثم يتوب أما هذا اللئيم فاي فائدة يرجوها من وراء سعايته ونبزه فاستشاط زروق غضبا وازداد عتوا وأخذ يوبخ الونى الذى أيقن بالهلاك والتفت الشاعر الشعبي فلم ير حوله شفيعا ولا نصيرا ولم يشاهد على مقربة منه الا أكوام الثياب التي نهبت واغتصبت من أربابها وحلى النساء المسلوب يتأبطه جنود زواوة فتنفس تنفس القيظ وكاد يتميز من الغيظ والقى بنظرة على القلعة فلم ير الا أطلالا ورسوما نال منها البلى فقال بديهة :
قلت لهم زروق يفدى النقمه يخلى نساكم رابط بحبال
يخلى البيوت والمصابح ظلمه يخلى الاطفال والنسا همال
وتنمر زروق وشمخ بأنفه فى آن واحد وصاح صيحته الجبارة المعروفة عنه قائلا للشاعر أتحرض علينا أيها الاعور .. ؟ وعلم الشاعر الونى أنه وقف على شفير الهلاك فتدارك الموقف في سرعة خارقة قائلا مهلا يا سيدى الوزير واسمع ما أقول :
الدنيا بلا حكام سوده ظلمه ما ريت قمره مشابهه لهلال
واسترسل في قصيد رائع بليغ وصل به الى أعماق نفس ذلك الجبار الذي أمر في الحال يفك قيوده واطلاق سبيله ... بعد أن غرمه واخرجه مما ملكت يداه :
وعاش هذا الشاعر الذى ملأ الدنيا بنظم القوافى الى يوم الاحتلال الفرنسى ووصف الكارثة بما لا مزيد عليه ولو جمعت أشعاره ودونت لكانت وحدها كافية لتصوير فظاعة ذلك الاحتلال وسوء أثره فى هذه البلاد وهو القائل من قصيد طويل جدا يبكى فيه تونس ويتألم ويدون الاحداث :
اش كون يظن تونس بعزها وعملها وقدرها بين الدول يطيح
الفرنسي يملك ابراجها وقشلها لا بارود شعشع لاسند صحيح
وهكذا كان أحمد الونى الشاعر الشعبى يتحلى بحلى الشعراء المجيدين من فيض الخاطر وتدفق البديهة وقوة العارضة وذكاء الفؤاد ولسان حاله يقول :
وضاقت خطة فخلصت منها خلوص الخمر من نسج الفدام
يتخلص وينتقم من الظلمة بروائعه الخالدات انتقام يزيد بن المفرغ من عبيد الله بن زياد ، كان هذا الشاعر الشعبى الذى تلاشى معظم ما نظمه من خرائد يعالج سائر ضروب الشعر باجادة وتفوق يتغزل فيرق رقة ابن الجهم برصافة بغداد ويرسل المثل فيجارى حكيم الشعراء أبا الطيب المتنبى وهو القائل من قصيد طويل :
مايجى من البلوط تمر كسبه وما يجى من صوف الكلاب لبود
ولايجي من أولاد الضبوعة ذيبه ولايجى من أولاد القطط صيود
ولايجى من أولاد الباف عقبة ولا يجى من أولاد البوم شهود
الزفزوف ما همتو عار ولاسبه يولى صيد فى خنقتو نمرود
وينصح حسب وعيه ونظريته فى الحياة وعقيدته فى فهم الوجود والمجتمع فيقول من قصيد :
لا تعجبك نفسك ولا تفضلها
أخط التعجب راه موش مليح ...
