تمر بك فى كل يوم ، طول النهار وقسما كبيرا من الليل اسراب من المتسولين على اختلاف اجناسهم واعمارهم ، فلا تعير احدهم اهتماما او توجه اليه تفكيرا . فلقد جرت العادة فى بلادنا ان يطلق الناس على هذه الطبقة البائسة المنكوبة اسماء تشين الكلاب والقابا تنفر منها الخنازير فهم شحاذه وهم ملاعين وكلهم صعاليك لا كلمة لهم بين الناس ولا رأى فى المجتمع . على انه رغم ذلك البؤس وضيق الحال فهذه طبقة من الشعب لا تزال تحمل مع القابها القذرة اسماء بنى الانسان وتشعر بما يشعر به الانسان . فمن هؤلاء من يقنع بمصيره وحاضره ومنهم من ينكر على البشر قسوتهم وسوء معاملتهم ويدعو الى الثورة والانتقام ، انتقام شرعى لذلك الجوع الذى يمزق معدتهم والبرد الذي يلفح جلودهم وينخر عظامهم . . . انتقام البائس المنبوذ لسوء طالعه وفاقته وحرمانه .
كان بابا مفتاح رجلا فى الخمسين يكسو ذقنه البارز لحية كثيفة وخطها الشيب فى كل مكان . ولكنه مع تقدم سنه كان لا يعرف المرض ولا يلين كتفه لعناء . . وكان رب عائلة كبيرة . . فجعل يصارع الزمن والزمن يصارعه حتى كانت الغلبة عليه فباع الدار والعقار وانحدر من جنة الاشراف الى جحيم الصعاليك . فاخذ على قارعة الطريق مكانه ومد يده مع البوءساء يطلب من المارة قوت يومه . . فكنت تراه عند باب الجامع الكبير بسوق العطارين او شرقى الجامع قرب المراحيض بنهج العدول يلهج باذكاره وادعيته من الفلق الى الغسق لا يبرح مكانه لحظة عين . . .
خرج المصلون بعد الجمعة ولم ير " بابا مفتاح " على غير عادته فى مكانه المعهود ومن الملاحظ ان شيخنا لم يكن كغيره من النكرات : فهو فى تسوله كثير الثناء جزيل الدعاء وكثيرا ما كنت تراه عندما يفرغ الجامع من المصلين يجمع اذيالة ويصلح من جلسته فيدير وجهه الى الشارع صارفا همته الى المارة يدعو لهم بتراتيل من القرآن حسنة الوقع عذبة الرنين
ولكن اين " بابا مفتاح " اليوم ؟ ان غيابه قد جلب انتباه رواد الجامع من المصلين وسأل عنه احدهم صاحب الدكان القريب فقال :
سمعت من اخبر فى حضرتى ان سيارة كان يركبها ثلاثة من الشبان المعربدين قد صدمته فى بكرة هذا اليوم . . . فصاح فى وجهه الشبان ولم ينصفوه ولم ينصفة احد من المارة ومن حضر الحادث . فترك على قارعة الطريق " بمواجل البقر " يتلوى من الالم ثم حمله بعض المحسنين الى بيته وهو على تلك الحال بين الصداع والحمى يبكى ويتأوه.
كان بابا مفتاح قد عرف بشجاعته ورباط جأشه مع طيب قوله ولين كلامه " القلب صحيح والدنيا مالكها الله " كما كان يقول هو كلما سئل عن حاله . ولكن انى له ان ينشجع وهو على قاب قوسين من الموت ومن اين له الصبر ورجله كالعصف المأكول
وتقدم المساء ومفتاح لم يأت . فتسرى خبر اصطدامه فى صفوف المصلين وجميع من كان يعرفه فى الشارع من اصحاب الدكاكين
اختفت شمس ذلك النهار واظلم الكون فنزل الرعب فى قلوب الرعاع من الناس من جياع وعراة ومشردين فصاح الصبية وصرخ اليتامى وابناء السبيل وتحلبت الافواه وتلمظت للخبز كل الشفاه وطلب كل بطن ما يشبع نهمة من الاكل وغزير الطعام . . . وهذه " بركة " زوجة مفتاح المسكين تقف امام القدر تنظر الى طعامها القليل فى شىء من الحسرة بدت على ملامحها فابرزت تجاعيدها وزادت فى شحوب وجهها وقد اعلته الشيخوخة وطبعه الجوع وراحت تنظر الى زوجها المريض النائم من خلال الدخان الثقيل وقد تصاعد من الموقد الحجرى على شكل حلقات بيضاء تراكمت فى السقف كالسحاب الخفيف فى السماء الداكنة ، ثم نظرت الى صغارها وقد ناموا على بكاء وعويل هناك فى زاوية من زوايا البيت وما هو فى الحقيقة ببيت .
فاغرورقت بالدموع عيناها الواسعتان وقلبها ينفطر اسى لحال هؤلاء الافراخ الايرياء الذين ما عرفوا سعادة ولا ناموا قط على خير . . . كانت تفكر فى كل هذا وقد طأطأت رأسها واستندت الى الحائط قرب الموقد تنظر الى قدرها وكأنما تعد ما كان به من حبيبات الفول التى ما قدرت على شراء غيرهم ومر بكوخها الحقير المنفرد خلف سور المدينة قوافل المتسولين فكانت تنهرهم في شئ من الوهن والاسى بنفس اللهجة ونفس الكلمة " ينوب الله علينا وعليك " . وهل ثمة لديها ما يسد رمقها ورمق اطفالها حتى تتنازل عن بعض ما عندها ؟ . . .
وجعلت تفكر فى كل هذا بوجه منقبض وجبين متغضن عابس تفكر فى حياتها وتعذل النفس على شدة تمسكها باهدافها وعلى قناعتها بهذه الحال مكسورة الجناح جائعة ضعيفة . . . فهي تحس بالجوع يحز من امعائها وهى من الهزال لاتحتمل الوقوف ساعة من الزمن على قدميها . وهى فوق ذلك كل عارية ترتعش من البرد على رغم قربها من النار نار خالية من النور فقيرة من الحطب لاتلتهم غير الاعشاب اخضرها ويابسها
وطال وقوف " بركة " عند الموقد وكانما نسيت بوقفتها تلك نفسها ومن معها فى الغرفة فظلت صامتة جامدة لاتكاد تتنفس لفرط ما نالها من تعب يومها وفراغ بطنها . .
كان النوم يراود اجفانها الغليظة المحمرة فتنام لحظة ثم لا تلبت ان تنتبه كأنما تحتمى باليقظة كلما داهمتها الاحلام . . وهبت " بركة " الى الموقد فاذا بالنار قد نامت هى ايضا على بصيص ضئيل فانحنت المسكينة بالملقط تحرك الرماد وتنفخ على ما تبقى من الجمر بفمها والرماد يتطاير فى جو الغرفة فيكسو كل شىء حتى شعر بركة وينفذ الى فمها ويملا منخريها . . . ونظرت الى فويلاتها النادرة ، تلك الفويلات التى تنازعتها الصبية قبل قليل فلم يصيبوا منها غير النزر اليسير واثروا ان يدعوها لوالدهم المريض . . فهو احوج اليها منهم نظرت الى فويلاتها فاذا بها قد التطمت بقاع القدر ونضب ماؤها . .
ورفعت بركة الى الله راسها تسترحمه ومضت فى صلاتها الطويلة . . الصامتة تتضرع الى خالق الكون وتبتهل حائرة لاهئة . . ما تراها تقدم الى زوجها اذا استيقظ وطلب الاكل ؟ ذلك الزوج الذى شقى من اجلها واجل صغارها ومد يده للمارة متعرضا لاهانتهم ونهرهم . . هو ذا الآن على فراشه ساجيا ساكنا يتنازعه الموت والحمى . . ونهضت بركة لتوها وخرجت الى الشارع مهرولة مشحبة ثم اتجهت الى السوق بدون تردد . . كان يملأ سمعها ويصم اذنيها دوى هائل : اصوات مختلفة غامضة وآهات متعالية صاخبة .
كانت لا تفكر فى شىء غير الخبز . فهي جائعة وزوجها جائع واطفالها جياع ، وفى السوق هناك قرب باب المدينة الجبلى خبز كثير . فلم لا تذهب الى السوق وتأخذ رغيفا او اثنين فتكفى مؤنتها وتسد رمق اطفالها ؟ . . انها سرقة . . السرقة بعينها لدى . القضاء وذوى الاحكام القاسية . اما بركة فانها تعرف ذلك جيدا ولكن ما حيلتها وهى جائعة . كانت تظن انه ليس من السرقة فى شىء ان يسترجع الانسان من المجتمع المغتصب الغاشم حقا من حقوقه الشرعية : وهو حقة فى ان يأكل ليعيش . أتموت جوعا هى وعائلتها والخبز على قارعة الطريق ينتظر الاكلين ؟
وانتهت العجوز الى السوق ووقفت امام دكان الخباز قليلا . . . نفس ذلك الخباز الذى نهرها منذ يومين اذ كان ينقصها مليمان من ثمن رغيف من خبز الشعير . لدى القضاء وذوى الاحكام القاسية . اما بركة فانها تعرف ذلك جيدا ولكن كانت الساعة الخامسة صباحا تقريبا ولم يكن بالسوق غير حارس مغربى شيخ . فلم لاتمد بركة يدها الى الخبز من بين فجاج باب الدكان وقد تراءت لها الارغفة صفراء ناضجة فهي والله تغريها وتسيل لعابها ولكن بركة امينة طيبة فلم تجسر ان تمد يدها لتلتقط رغيفا وآثرت ان تموت جوعا وان يموت زوجها وصغارها على ان تسترق فتلوث عرضها وتحير ضميرها . . فرجعت لتوها تجر اذيالها من التعب والمرض مسلطمة امرها قانعة بثقتها فى الله راضية بحرمانها .
كانت الشمس قد بزغت وقامت الديكة فى النيام توقظهم بصياحها وتبشرهم ياول شمس العام الجديد . . ورأت بركة فى طريقها ذلك البشر الذى كان يعلو وجوه المارة فى كل شارع فغبطتهم عليه وقالت لنفسها تعذلهم " يسرون بالعيد ما اقساهم فهل للفقراء من عيد حتى يتمتع الاغنيا باعيادهم ويتبجحون بمسراتهم
كان لهذا الخاطر على رغم سذاجته وقع ايما وقع فى رأس " بركة " وتأثير ايما تأثير على نفسها المكدودة . . فاربد وجه العجوز فجأة وامتقع وكشرت على انباب الغيظ تنذر بامر عظيم . . فاين تلك الزوجة الوديعة الساذجة الامينة التى قنعت بكل شئ حتى باحتمال الجوع وشظف العيش ان لفى عينيها نار الغيظ تتقد . . انها جائعة والجائع ثائر . . وهل يفكر الجياع فى غير الخبر وسد الرمق ؟ وتمتمت بركة في حقد (ما يحس الجمرة الا المحروق ) وظلت الافكار تتزاحم في راسها وتثقله وتلهب الدم فيه : من الناس من يأكل باكورة الثمار ويحمل الارض وفصول السنة على ان تأتى بما يرضى نهمه ورقيق شهواته . ومن الناس من يجرأ على ابتلاع قوت عائلة فى لقمة واحدة . . اما هى فتقنع بالخبز . . الخبز لاغيره ولو كان يابسا مرت عليه ايام . . " وضعفت عزيمة العجوز وقويت سيطرة الجوع عليها فنسبت لفترتها تلك تشريع المشرعين واحكام الحكام والقاضين . واصبحت عبد الجوع تنتظر ما سيملية عليها . واوامر الجوع مقدسة . . وعادت ادراجها الى الباب الجبل خاضعة صاغرة . . . كان يصل الى سمعها صوت زوجها يستفزها ويسترحمها لا تكونى كالدجاجة تحت القطر . . . انى اموت . . رحمتك يابركة اعطينى خبزا . . . وتحوم فى راس العجوز الخواطر فتذكر ايام تعاستها فيزيد ذلك في رباطة جأشها ويثبت على الارض الغبراء اقدامها . وكانها بزوجها يصيح بها كالمحتضر فى لهجة متقطعة
- ايه " بركة " . . ان فى الاجمة من ضوارى الحيوان من لا يرق قلبه لنحيب الغزالة البريئة التى آلى على نفسه اكلها واشباع نهمه من لحمها . . فهو اذا جاع ضرب فى الارض هنا وهناك يرتاد له قنصا حتى اذا ما اصابه وظفر به وتمتع بلحمه استلقى على جنبه تحت اشعة الشمس يلمظ شفاهه ويزيل ما علق بانيابه ومخالبه من لحم فريسته . ومجتمعاتنا ياحبيبتى مجتمعاتنا البشرية يا بركة كالاجمة تماما ، للقوى على الضعيف فيها سلطان . .
وامعنت بركة فى السير غير آبهة بالناس لا تستمع الى غير قلبها . . وغدا . . اذا وقفت اما الحاكم كالمجرمة تصيح فى الناس باعلى صوتها
- كنت جائعة . . فسرقت لآكل
فتسكت الحاكم وتقنع كل قاض . . . . ولن تعدل بركة فى هذه المرة عن عزمها ما دام هذا تفكيرها وما دام الجوع حاكمها وقاضيها والجوع يصيح فى بطنها : ليس من السرقة يا بركة ان يلتمس الجائع خبزا . .
