الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

يوم فى حياة الشرطى عبد الباقى

Share

ذكرت احدى الصحف اليومية تتندر ان سكان احد الاحياء العتيقة افاقوا ذات صباح ليجدوا شرطيا ملقى فوق دكة فى الزقاق .. وهو يغط فى نوم عميق ..

الليل ساكن ، هواؤه مشبع بندى طلى تكاد تحس طعمه فى انفك ولسانك والسيد عبد الباقى _ الشرطى _ يجر رجليه جرا فى هدأة الليل ، وهو بين الحين والاخر يتحامل على نفسه فيدور من حول بركة ماء خلفتها أمطار ذلك الليل ، لكنه فى كثير من الاحيان لا يجد فى ساقيه القوة الكافية ليدور من حول البرك التى امتلأ بها الشارع فيجوس عبرها وهو بلعن المهندس الذى سوى الارض فأساء تسويتها . وما اكثر ما غاصت رجلاه فانساب الماء الى قعر حذائيه . . واحيانا يرتفع الى طرف بنطاله . . فلا يأبه له ، إذ ماذا يستطيع ان يفعل وهو لا يملك ان يقفز من فوق كل هذه البرك . . ولا يملك ان يدور حولها فتطول عليه الطريق . . وكل همه ان تقصر ولو بضعة امتار .

مرت سيارة فتباطأت حين اقتربت منه . . وتناهت الى مسمع عبد الباقى دقات ساعة من جهاز راديو السيارة . . وصوت المذيع من احدى محطات الاذاعة العربية يعلن الثانية بعد منتصف الليل . . وحسبها عبد الباقى . . الثانية عندهم . . اى الواحدة عندنا . . ولم يهتم ان يرفع يده فيضبط ساعته او يتأكد من صحة الوقت . . ولم ذلك ؟ ما الداعى ؟ ايخاف على ليل مضى او نهار انقضى ؟ العمر كله يمضى تافها رخيصا . . ولولا هذا الجوع وهذا التعب لما اهتم أكانت الساعة الواحدة ليلا أم الواحدة ظهرا . . المهم الان ان يصل .. ليلقى بنفسه على الفراش بكل اثقاله من كسوة وحذاء وجوارب واوحال وماء . . وهل يملك ان يلقى أثقاله ؟ واعضاؤه تكاد تنحل الواحد عن الاخر ليلقى كل عضو بنفسه على الرصيف . . لينام ويرتاح . . تاركا صاحبه لشأنه .

وتطول الطريق . . وتكثر برك الماء والطين كلما اوغل فى الحى العتيق الذى يصل منه الى داره . . وتثقل عليه قدماه كلما ارتفعتا مليئتين بالماء والوحل . . ويقرقر الماء كلما حط بهما على الارض . . ويفضل نابعا من قعرهما . . وهو

نبع يرفده عصير الجوربين . . لكن بسيطة . . بسيطة . . المهم ان تنتهى الطريق التى يبدو انها لن تنتهى . . المهم ان أصل البيت . . غدا لن اذهب للعمل . . فلتذهب الدنيا خرابا . . فانا احتاج على الاقل لاسبوع من النوم المتواصل . . بعد تلك الساعات الرهيبة مع الموت والاحزان والروائح النتنة . .

اكثر من خمس عشرة ساعة وهو فى القرية بين جموع القرويين المفجوعين . . يحاولون استخراج جثة قتيل من قعر بئر فى القرية . . خمس عشرة ساعة وعبد الباقى فى صراع مع اهل القرية لحفظ الامن من حول البئر ريثما يخرج رجال الانقاذ من داخل البئر ومعهم جثة القتيل . . خمس عشرة ساعة والناس من حولهم لا تريم . . وفيهم أهل القتيل نسوة ورجالا واطفالا . . والولاويل الحادة العنيفة لا تكاد تخفت فى حناجر قريباته . . وجموع الرجال المتدافعة تريد ان تنزل البئر لاستعادة الفقيد العزيز . . وكان على عبد الباقى ولساعات لا يكاد يكون لها نهاية ان يحفظ الامن ويبعد الناس عن فوهة البئر . . برفق ولين هكذا قال الكوميسار . . برفق ولين . . اذ لا يجوز استعمال العنف مع أناس مكلومين محزونين . . ولكن كيف لهم ان ينصاعوا بالرفق واللين . . لا سيما حين اخرجت الجثة بعد سبع ساعات من المحاولة . . وكان لا بد من اخذها الى المستشفى لتشريحها واكتشاف اسباب الوفاة . . لكن هيهات ان يسمح قارب القتيل بذلك . . اذ لا يمكن بحال ان يقطع ابنهم بسكين الدكتور . . وكادوا ان يتغلبوا على افراد الشرطة وينتزعوا الجثة من بين ايديهم . . وعندها كان من اللازم استخدام العنف . . وتم ذلك . . وأعمل الشرطة الاحزمة والعصى فى الناس . . ورد اولئك عليهم بمزيد من الاندفاع . . وسالت الدماء من الجانبين . . وكان لا بد من مداواة الجرحى وتضميد الجراح . . وبالقوة احيانا . . اذ لم يكن الناس ليهتموا بجراحهم امام فجيعتهم بشاب هو عندهم من اعز شباب القرية . .

وكان لا بد من اجراء الابحاث . . سيما وقد تناهت الى مسمع رجال الشرطة ان اسم احد الاشخاص يتردد على السنة اهل الفقيد بالتهديد والوعيد . . ولاحتمال ان يكون لهذا الشخص علاقة بموت الشاب ، كان لا بد من اعتقاله والتحقيق معه . . واعتقال بعض اهل الميت ممن ذكر اسم هذا الشخص على السنتهم . . للامساك بطرف الخيط فى القضية كلها . . وهكذا دخلت الامور بعضها فى بعض . . وجرت الاحداث بعضها وراء بعض . . واستمر العمل خمس عشرة ساعة . . من طلوع فجر امس الى منتصف ليلة اليوم .

وكان عبد الباقى وهو فى غمرة هذا الكابوس من الذكريات يطب فى برك الماء الواحدة بعد الاخرى . . ولم يكن يبدو له ان الطريق ستنتهى . . وخيل له انه تاه فى ازقة حلزونية ليس لها مدخل ولا مخرج . . والجوع . . الجوع بالانذال . . لم يفكر اى من سكان القرية فى ارغفة من خبز لاعوان السلطة . . ولم يفكر الكوميسار نفسه بمدهم بالطعام . . ونط من امامه فأر هاربا من شق باب والدم يغطيه ويفيض عنه تاركا وراءه خيطا احمر طويلا . . وزكمت انفه رائحة نتنة فتقززت نفسه . . وعادت به صورة الفأر الى منظر الميت الخارج من البئر متعفنا نتنا . . فامتلأت خياشيمه بالراحة العفنة مرة اخرى . . ولو كان فى معدته شئ من طعام لكان قذفه بالرغم منه . . واطار منظر الفأر والرائحة النتنة كل رغبة له فى الاكل . . وبقيت كل آماله ان يصل البيت . . وان ينام . . ينام طويلا . .

ومضى يتخبط فى الزقاق . . فى الوحل والماء واكوام القمامة الملقاة امام البيوت . . ويمر ببيوت ينطلق منها نور فيتأوه . . لو ان واحدا منها بيته . . اذن لنام فى لحظات . . وتساءل لم لا يطرق بابا ويطلب من اهله ان يؤووه هذه الليلة . . وبالرغم منه يبتسم ويتناهى الى مسمعه صوت رضيع يصرخ وصوت أمه تهدهده ويهز رأسه تعاطفا مع المسكينة الساهرة المحرومة مثله من النوم . . الا انها على الاقل فى الفراش او لعلها نامت بعض السويعات من ليل او نهار . . وفى زحمة الخواطر فى راسه الثقيل يتناهى الى مسمعه صوت جلبة منبعثة من بعيد . . صياح رجال ونساء . . لكنه لا يتبين كنه الجلبة . . ويزداد الصوت ارتفاعا وحدة كلما تقدم وكأنما هو متجه نحوه بخطى حثيثة .

وينبعث من قاع الزقاق نور يضاء امام عين عبد الباقى فجأة . . ويرتفع صراخ حاد . . وينصفق باب بعنف . . وترتفع اصوات صائحة صارخة . . وتضاء بيوت اخرى قريبة . . وتطل رؤوس من النوافذ . . تنادى بدورها وتصيح :

- يا سى براهيم . . يا سى براهيم . . شبيك يا ولدى . . - يا سى خليفة . . شنوة آش ثم ..؟

وبلا شعور الشرطى يحث الخطى مندفعا نحو الصوت والانوار . . الا ان ساقيه لا تطاوعان ارادته بالاندفاع بالسرعة التى ارادها . . ويشعره ثقل قدميه بحقيقه حاله . . وتخاذل كل عضو منه . . ويخرج رجل مندفعا من احد الابواب . . الا انه يصفقه خلفه ويقف يسده بجسمه ويصبح باحد الجيران :

- يا سى عبد الله . . ايجا . . ايجا . . سد الباب . . ما تخليش يخرج . .

ويظهر رجال ونساء من بعض الابواب فيهرعون نحو الرجل . . وفجأة يلمح هذا الشرطى عبد الباقى فيترك بابه ويجرى نحوه صائحا :

- ها هو . . ها هو . . يا سيى البوليس . . يا سى البوليس . . ايجا يا خويا . . ايجا . . بعثك ربى . . راجل . . راجل فى دارى . . ايجا شده يرحم والديك . .

ويهم عبد الباقى ان يسرع لنجدة الرجل المستغيث به . . ويندفع خطوات قليلة من غير شعور منه . . وبفعل العادة . . الا ان قشرة بطيخ لم يتفطن اليها تكفلت به . . فانزلقت رجله وتطوح باربعته على الارض بكل مائها ووحلها وقمامتها . . وندت عنه صيحات كفر وسباب وجهها للخالق والمخلوقات عن السواء . . وتحامل على نفسه فقام . . يتقاطر الطين والماء من شعره ووجهه وثيابه . . ويصل اليه الرجل يساعده على الوقوف

- يا خويا لا باس عليك . . فيجيب بحنق والم :

- لاباس . . لاباس . . فك عنى انت برك . . يلعن . . والديك . . - يا خويا سامحنى يرحم والديك . . - انكب لغادى . . هيا دور وجهك . . - يا خويا ايجا شده . . راجل لقيته فى دارى . . ها هى الدار . .

ودار الرجل نحد داره مسرعا ليسد الباب خشية ان يخرج غريمه هاربا ، وهو واثق ان الشرطى سيتبعه . . الا ان عبد الباقى يستشعر فى قمة محنته المصيبة التى ستحل به لو انه تبع الرجل وامسك بغريمه . . ويتصور الموقف فى ومضة ذهن . . سيمسك بالرجل . . ويجره لمركز الشرطة وسط الصياح والشد والجذب والتدافع . . وستبدأ المسيرة الحافلة نحو المركز . . والمركز على بعد كبير . . وعلى فرض انه استطاع بالحال الذى هو عليه ان يصل المركز . . سيكون تحقيق وتسجيل محضر . . واسم هذا واسم ذاك . . واين كان وكانت . . ولم وكيف . . وعد من هذا ما تشاء . . الى مطلع الصبح بل الى ما بعد ذلك . . واين لعبد الباقى كل كذلك . . هذا ان كانت له القوة الكافية حتى للامساك بالمتهم والوصول به الى المركز . . وبحركة لا شعورية يستدير عبد الباقى الى الخلف ويستحث خطاه عائدا من حيث اتى . . الا ان الرجل يصيح مناديا :

- يا سى البوليس . . يا سى البوليس . . يا خويا . .

لكن عبد الباقى لا يرد . . واذا بالرجل يلحق به . .

- يا خويا يرحم والديك . . الراجل فى دارى . . هاواه شديناه . - قلت لك فك عنى . . ما ليش دعوة . . لا فيك ولا في الراحل متاعك . . - يا خويا . . كيفيش . . ؟ انت بوليس . . - ما نيش بوليس . . - كيفيش ماكش بوليس ؟ . - هكة . . ما نيش بوليس . . تسالنى ؟ وبحركة لا شعورية يوارى قبعته وراء ظهره

- الراجل . . الراجل . . فى دارى . . اعتدى على شرفى . . وانت تقولى ماكش بوليس ؟

- قلت لك امش انكب لغادى . . والا كسرت خليقتك . . - يا خويا يرحم والديك . . انت بوليس . . انت الحكومة . . - قلت لك ما نيش بوليس . . وما نيش حكومة . . - كيفيش ؟ - يا خويا اخطانى . . يرحم والديك . . - سبحان الله . . يلزمك تجى . . انت بوليس . . - يا سيدى ما نيش بوليس . . بالله العظيم ما انا بوليس . . - بالحرام بوليس .. - بالحرام بالثلاثة ما انا بوليس .

- بالحرام بوليس . . وبالحرام الا ما نشكى بيك . . يلزمك تجى بالسيف عليك . .

ويحاول الامساك بعبد الباقى ا لا ان هذا يدفع بالرجل بعيدا . . ويسترد فى لحظة شيئا من قوة . . امام المصيبة الواقعة على راسه ويندفع هاربا من الرجل . .

يجرى بكل قوته المتخاذلة . . ويتخبط فى هروبه ببرك الماء والطين . . الا انه الان لا يبالى لا بماء ولا بطين فكل همه الافلات من قبضة الرجل المندفع وراءه صائحا :

- شد . . شد . . يا بوليس . . يا بوليس . . الراجل فى دارى . .

ويمضى عبد الباقى مندفعا بكل البقية الباقية من قوته . . وكل همه ان بفلت من وقع الاقدام التى تجرى وراءه . . ويستثقل حذاءه وهو يغوص مرة فى برك الماء ومرة فى مغائص الطين . . ويستجمع شيئا من شجاعة . . فيقف لحظة . . ويسند جسمه المنهوك الى جدار . . ويخلع فردتى حذائه . . وينطلق من جديد . . وهو يحاذر ان لا يكون لوقع قدميه الحافيتين الا من الجورب ، اى صوت يشى به . . ويظل يجرى . . الى ان يموت صوت الاقدام التى تلاحقه . . وعندها يسترخى قليلا . . وينظر حواليه . . ليكتشف انه دخل ازقة لم يكن دخلها من قبل . . لكنه يكمل السير . . مترنحا لاهثا . . دون ان يعرف اهو يمضى فى اتجاه داره ام قد تاه حيث لا يدرى . .

اشترك في نشرتنا البريدية