ذكرت احدى الصحف اليومية تتندر ان سكان احد الاحياء العتيقة افاقوا ذات صباح ليجدوا شرطيا ملقى فوق دكة فى الزقاق .. وهو يغط فى نوم عميق ..
الليل ساكن ، هواؤه مشبع بندى طلى تكاد تحس طعمه فى انفك ولسانك والسيد عبد الباقى _ الشرطى _ يجر رجليه جرا فى هدأة الليل ، وهو بين الحين والاخر يتحامل على نفسه فيدور من حول بركة ماء خلفتها أمطار ذلك الليل ، لكنه فى كثير من الاحيان لا يجد فى ساقيه القوة الكافية ليدور من حول البرك التى امتلأ بها الشارع فيجوس عبرها وهو بلعن المهندس الذى سوى الارض فأساء تسويتها . وما اكثر ما غاصت رجلاه فانساب الماء الى قعر حذائيه . . واحيانا يرتفع الى طرف بنطاله . . فلا يأبه له ، إذ ماذا يستطيع ان يفعل وهو لا يملك ان يقفز من فوق كل هذه البرك . . ولا يملك ان يدور حولها فتطول عليه الطريق . . وكل همه ان تقصر ولو بضعة امتار .
مرت سيارة فتباطأت حين اقتربت منه . . وتناهت الى مسمع عبد الباقى دقات ساعة من جهاز راديو السيارة . . وصوت المذيع من احدى محطات الاذاعة العربية يعلن الثانية بعد منتصف الليل . . وحسبها عبد الباقى . . الثانية عندهم . . اى الواحدة عندنا . . ولم يهتم ان يرفع يده فيضبط ساعته او يتأكد من صحة الوقت . . ولم ذلك ؟ ما الداعى ؟ ايخاف على ليل مضى او نهار انقضى ؟ العمر كله يمضى تافها رخيصا . . ولولا هذا الجوع وهذا التعب لما اهتم أكانت الساعة الواحدة ليلا أم الواحدة ظهرا . . المهم الان ان يصل .. ليلقى بنفسه على الفراش بكل اثقاله من كسوة وحذاء وجوارب واوحال وماء . . وهل يملك ان يلقى أثقاله ؟ واعضاؤه تكاد تنحل الواحد عن الاخر ليلقى كل عضو بنفسه على الرصيف . . لينام ويرتاح . . تاركا صاحبه لشأنه .
وتطول الطريق . . وتكثر برك الماء والطين كلما اوغل فى الحى العتيق الذى يصل منه الى داره . . وتثقل عليه قدماه كلما ارتفعتا مليئتين بالماء والوحل . . ويقرقر الماء كلما حط بهما على الارض . . ويفضل نابعا من قعرهما . . وهو
نبع يرفده عصير الجوربين . . لكن بسيطة . . بسيطة . . المهم ان تنتهى الطريق التى يبدو انها لن تنتهى . . المهم ان أصل البيت . . غدا لن اذهب للعمل . . فلتذهب الدنيا خرابا . . فانا احتاج على الاقل لاسبوع من النوم المتواصل . . بعد تلك الساعات الرهيبة مع الموت والاحزان والروائح النتنة . .
اكثر من خمس عشرة ساعة وهو فى القرية بين جموع القرويين المفجوعين . . يحاولون استخراج جثة قتيل من قعر بئر فى القرية . . خمس عشرة ساعة وعبد الباقى فى صراع مع اهل القرية لحفظ الامن من حول البئر ريثما يخرج رجال الانقاذ من داخل البئر ومعهم جثة القتيل . . خمس عشرة ساعة والناس من حولهم لا تريم . . وفيهم أهل القتيل نسوة ورجالا واطفالا . . والولاويل الحادة العنيفة لا تكاد تخفت فى حناجر قريباته . . وجموع الرجال المتدافعة تريد ان تنزل البئر لاستعادة الفقيد العزيز . . وكان على عبد الباقى ولساعات لا يكاد يكون لها نهاية ان يحفظ الامن ويبعد الناس عن فوهة البئر . . برفق ولين هكذا قال الكوميسار . . برفق ولين . . اذ لا يجوز استعمال العنف مع أناس مكلومين محزونين . . ولكن كيف لهم ان ينصاعوا بالرفق واللين . . لا سيما حين اخرجت الجثة بعد سبع ساعات من المحاولة . . وكان لا بد من اخذها الى المستشفى لتشريحها واكتشاف اسباب الوفاة . . لكن هيهات ان يسمح قارب القتيل بذلك . . اذ لا يمكن بحال ان يقطع ابنهم بسكين الدكتور . . وكادوا ان يتغلبوا على افراد الشرطة وينتزعوا الجثة من بين ايديهم . . وعندها كان من اللازم استخدام العنف . . وتم ذلك . . وأعمل الشرطة الاحزمة والعصى فى الناس . . ورد اولئك عليهم بمزيد من الاندفاع . . وسالت الدماء من الجانبين . . وكان لا بد من مداواة الجرحى وتضميد الجراح . . وبالقوة احيانا . . اذ لم يكن الناس ليهتموا بجراحهم امام فجيعتهم بشاب هو عندهم من اعز شباب القرية . .
وكان لا بد من اجراء الابحاث . . سيما وقد تناهت الى مسمع رجال الشرطة ان اسم احد الاشخاص يتردد على السنة اهل الفقيد بالتهديد والوعيد . . ولاحتمال ان يكون لهذا الشخص علاقة بموت الشاب ، كان لا بد من اعتقاله والتحقيق معه . . واعتقال بعض اهل الميت ممن ذكر اسم هذا الشخص على السنتهم . . للامساك بطرف الخيط فى القضية كلها . . وهكذا دخلت الامور بعضها فى بعض . . وجرت الاحداث بعضها وراء بعض . . واستمر العمل خمس عشرة ساعة . . من طلوع فجر امس الى منتصف ليلة اليوم .
وكان عبد الباقى وهو فى غمرة هذا الكابوس من الذكريات يطب فى برك الماء الواحدة بعد الاخرى . . ولم يكن يبدو له ان الطريق ستنتهى . . وخيل له انه تاه فى ازقة حلزونية ليس لها مدخل ولا مخرج . . والجوع . . الجوع بالانذال . . لم يفكر اى من سكان القرية فى ارغفة من خبز لاعوان السلطة . . ولم يفكر الكوميسار نفسه بمدهم بالطعام . . ونط من امامه فأر هاربا من شق باب والدم يغطيه ويفيض عنه تاركا وراءه خيطا احمر طويلا . . وزكمت انفه رائحة نتنة فتقززت نفسه . . وعادت به صورة الفأر الى منظر الميت الخارج من البئر متعفنا نتنا . . فامتلأت خياشيمه بالراحة العفنة مرة اخرى . . ولو كان فى معدته شئ من طعام لكان قذفه بالرغم منه . . واطار منظر الفأر والرائحة النتنة كل رغبة له فى الاكل . . وبقيت كل آماله ان يصل البيت . . وان ينام . . ينام طويلا . .
ومضى يتخبط فى الزقاق . . فى الوحل والماء واكوام القمامة الملقاة امام البيوت . . ويمر ببيوت ينطلق منها نور فيتأوه . . لو ان واحدا منها بيته . . اذن لنام فى لحظات . . وتساءل لم لا يطرق بابا ويطلب من اهله ان يؤووه هذه الليلة . . وبالرغم منه يبتسم ويتناهى الى مسمعه صوت رضيع يصرخ وصوت أمه تهدهده ويهز رأسه تعاطفا مع المسكينة الساهرة المحرومة مثله من النوم . . الا انها على الاقل فى الفراش او لعلها نامت بعض السويعات من ليل او نهار . . وفى زحمة الخواطر فى راسه الثقيل يتناهى الى مسمعه صوت جلبة منبعثة من بعيد . . صياح رجال ونساء . . لكنه لا يتبين كنه الجلبة . . ويزداد الصوت ارتفاعا وحدة كلما تقدم وكأنما هو متجه نحوه بخطى حثيثة .
وينبعث من قاع الزقاق نور يضاء امام عين عبد الباقى فجأة . . ويرتفع صراخ حاد . . وينصفق باب بعنف . . وترتفع اصوات صائحة صارخة . . وتضاء بيوت اخرى قريبة . . وتطل رؤوس من النوافذ . . تنادى بدورها وتصيح :
- يا سى براهيم . . يا سى براهيم . . شبيك يا ولدى . . - يا سى خليفة . . شنوة آش ثم ..؟
وبلا شعور الشرطى يحث الخطى مندفعا نحو الصوت والانوار . . الا ان ساقيه لا تطاوعان ارادته بالاندفاع بالسرعة التى ارادها . . ويشعره ثقل قدميه بحقيقه حاله . . وتخاذل كل عضو منه . . ويخرج رجل مندفعا من احد الابواب . . الا انه يصفقه خلفه ويقف يسده بجسمه ويصبح باحد الجيران :
- يا سى عبد الله . . ايجا . . ايجا . . سد الباب . . ما تخليش يخرج . .
ويظهر رجال ونساء من بعض الابواب فيهرعون نحو الرجل . . وفجأة يلمح هذا الشرطى عبد الباقى فيترك بابه ويجرى نحوه صائحا :
- ها هو . . ها هو . . يا سيى البوليس . . يا سى البوليس . . ايجا يا خويا . . ايجا . . بعثك ربى . . راجل . . راجل فى دارى . . ايجا شده يرحم والديك . .
ويهم عبد الباقى ان يسرع لنجدة الرجل المستغيث به . . ويندفع خطوات قليلة من غير شعور منه . . وبفعل العادة . . الا ان قشرة بطيخ لم يتفطن اليها تكفلت به . . فانزلقت رجله وتطوح باربعته على الارض بكل مائها ووحلها وقمامتها . . وندت عنه صيحات كفر وسباب وجهها للخالق والمخلوقات عن السواء . . وتحامل على نفسه فقام . . يتقاطر الطين والماء من شعره ووجهه وثيابه . . ويصل اليه الرجل يساعده على الوقوف
- يا خويا لا باس عليك . . فيجيب بحنق والم :
- لاباس . . لاباس . . فك عنى انت برك . . يلعن . . والديك . . - يا خويا سامحنى يرحم والديك . . - انكب لغادى . . هيا دور وجهك . . - يا خويا ايجا شده . . راجل لقيته فى دارى . . ها هى الدار . .
ودار الرجل نحد داره مسرعا ليسد الباب خشية ان يخرج غريمه هاربا ، وهو واثق ان الشرطى سيتبعه . . الا ان عبد الباقى يستشعر فى قمة محنته المصيبة التى ستحل به لو انه تبع الرجل وامسك بغريمه . . ويتصور الموقف فى ومضة ذهن . . سيمسك بالرجل . . ويجره لمركز الشرطة وسط الصياح والشد والجذب والتدافع . . وستبدأ المسيرة الحافلة نحو المركز . . والمركز على بعد كبير . . وعلى فرض انه استطاع بالحال الذى هو عليه ان يصل المركز . . سيكون تحقيق وتسجيل محضر . . واسم هذا واسم ذاك . . واين كان وكانت . . ولم وكيف . . وعد من هذا ما تشاء . . الى مطلع الصبح بل الى ما بعد ذلك . . واين لعبد الباقى كل كذلك . . هذا ان كانت له القوة الكافية حتى للامساك بالمتهم والوصول به الى المركز . . وبحركة لا شعورية يستدير عبد الباقى الى الخلف ويستحث خطاه عائدا من حيث اتى . . الا ان الرجل يصيح مناديا :
- يا سى البوليس . . يا سى البوليس . . يا خويا . .
لكن عبد الباقى لا يرد . . واذا بالرجل يلحق به . .
- يا خويا يرحم والديك . . الراجل فى دارى . . هاواه شديناه . - قلت لك فك عنى . . ما ليش دعوة . . لا فيك ولا في الراحل متاعك . . - يا خويا . . كيفيش . . ؟ انت بوليس . . - ما نيش بوليس . . - كيفيش ماكش بوليس ؟ . - هكة . . ما نيش بوليس . . تسالنى ؟ وبحركة لا شعورية يوارى قبعته وراء ظهره
- الراجل . . الراجل . . فى دارى . . اعتدى على شرفى . . وانت تقولى ماكش بوليس ؟
- قلت لك امش انكب لغادى . . والا كسرت خليقتك . . - يا خويا يرحم والديك . . انت بوليس . . انت الحكومة . . - قلت لك ما نيش بوليس . . وما نيش حكومة . . - كيفيش ؟ - يا خويا اخطانى . . يرحم والديك . . - سبحان الله . . يلزمك تجى . . انت بوليس . . - يا سيدى ما نيش بوليس . . بالله العظيم ما انا بوليس . . - بالحرام بوليس .. - بالحرام بالثلاثة ما انا بوليس .
- بالحرام بوليس . . وبالحرام الا ما نشكى بيك . . يلزمك تجى بالسيف عليك . .
ويحاول الامساك بعبد الباقى ا لا ان هذا يدفع بالرجل بعيدا . . ويسترد فى لحظة شيئا من قوة . . امام المصيبة الواقعة على راسه ويندفع هاربا من الرجل . .
يجرى بكل قوته المتخاذلة . . ويتخبط فى هروبه ببرك الماء والطين . . الا انه الان لا يبالى لا بماء ولا بطين فكل همه الافلات من قبضة الرجل المندفع وراءه صائحا :
- شد . . شد . . يا بوليس . . يا بوليس . . الراجل فى دارى . .
ويمضى عبد الباقى مندفعا بكل البقية الباقية من قوته . . وكل همه ان بفلت من وقع الاقدام التى تجرى وراءه . . ويستثقل حذاءه وهو يغوص مرة فى برك الماء ومرة فى مغائص الطين . . ويستجمع شيئا من شجاعة . . فيقف لحظة . . ويسند جسمه المنهوك الى جدار . . ويخلع فردتى حذائه . . وينطلق من جديد . . وهو يحاذر ان لا يكون لوقع قدميه الحافيتين الا من الجورب ، اى صوت يشى به . . ويظل يجرى . . الى ان يموت صوت الاقدام التى تلاحقه . . وعندها يسترخى قليلا . . وينظر حواليه . . ليكتشف انه دخل ازقة لم يكن دخلها من قبل . . لكنه يكمل السير . . مترنحا لاهثا . . دون ان يعرف اهو يمضى فى اتجاه داره ام قد تاه حيث لا يدرى . .

