ان اكثر بلاد العرب مشتبكة الاواصر في التقاليد والافكار والعواطف وان بلادا بلغت من تقارب الاواصر هذا المبلغ جديرة بان تسميها وطنا واحدا مع مصطلح هذا العصر ، فليس الوطن على نحو ما قالوا عبارة عن جبال واودية وسهول وانهار وبحار ، وانما الوطن عبارة عن اواصر مشتبكة او عن عواطف متقاربة . فاذا لم نفهم الوطن بعد
اليوم مع هذا النوع من الفهم فلا وطن لنا ولا ارض ولا سماء .
ولقد فهموا معني الوطن فى القديم فهما قريبا من هذا النمط وعبر الجاحظ عن هذا الفهم لما ذكر كلام جماعة من الخواص الخلص قالوا : العرب كلهم شئ واحد لأن الدار والجزيرة واحدة والاخلاق والشيم واحدة وبينهم من التصاهر والتشابك والاتفاق فى الاخلاق وفي الاعراق من جهة الخؤولة المرددة والعمومة المشتبكة ، ثم المناسبة التى بنيت على غريزة التربة وطباع
الهواء والماء ، فهم في ذلك شئ واحد فى الطبيعة مثلا واللغة والهمة . والشمائل والمراعي والراية والصناعة والشهرة "
ولكنى اظن انه لا يصح اطلاق كلام هؤلاء الخواص الخلص على علاته ، فاذا صح هذا القول او بعضه فى عرب الجزيرة ولا يصح في الشعوب العربية كلها . ففي هذه الشبعوب اختلافات من حيث الشيم التى اشار اليها الجاحظ ، ومن حيث الهمة والطبيعة والاخلاق ونحو ذلك ولكن هذه الاختلافات لا تمنع الشعوب المذكورة عن ان
تعتبر بلادها وطنا واحدا ، فان هذه البلاد اشتركت في الماضي في تقاليد وافكار وعواطف متقاربة وهي في الحاضر اشد شعورا بضرورة الاشتراك .
هذا هو الوطن الروحانى الذي نؤمن به بعد اليوم ، فلا جبال ولا سهول ولا صحارى تحجز بين بلاد العرب ، فاذا كنا لا ندرك معنى الوطن من هذه الناحية الروحية فلا قيمة لحدوده المادية بعد هذه القنابل الذرية

