" ولولا ان كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار " . . ( صدق الله العظيم )
" سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلا " . . ما اقتحم محتل أو مغير ، احد آجام العروبة والاسلام الا ولاقي آخر الأمر ، مثل هذا المصير المحتوم ، الذي لاقته " انكلترا " فى " مصر " بجلاء آخر جندى منها فى اواخر هذا العام الميمون . . طال الزمن او قصر ، فالعبرة بالنتائج . . والاعمال بخواتيمها . .
ويتوقف طول الزمن ، أو قصره ، في أجلاء المستعمرين والمحتلين ، على توفيق الله تعالى اولا ، ثم على مدى قوة الروح وتفتح الوعى ، ونبد الفرقة بين ابناء البلاد . .
وهذا الذى هنا نقوله ، انما نقوله على بينة من الأمر ، وهو ليس من فلتات الاقلام ، ولا من نتائج العواطف . . فان الشواهد القائمة والغابرة ، كلها اصابع تشير اصح اشارة الى صحة هذه النظرية الصحيحة . .
ومن رايى ان هذا ، ان هو الا نتيجة حتمية سليمة ، لما يكمن وراءها . . اي انه اثر من آثار القوة المعنوية الخارقة التى تكمن في طبيعة الاسلام ، من القوة والحق والمحبة والسلام على ما سبق تفصيله فى مقالنا الافتتاحى بالعدد السابق من هذه المحلة : " تجنيد القوات والقوى "
ان الاسلام أعظم دين نزل من عند الله الخالق العظيم الحكيم ، انزله الله الي الناس ليغرس في نفوسهم كل خصال الخير ، وفي طليعة هذه الخصال خصلة الاعتزاز بالعزة والكرامة .. ولن يقبل عزيز كريم ان يغل باصفاد الاستغلال والاستعمار . ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) .
ومن داب الاسلام ان يسقي بتعاليمه الوضاءة شجرة هذه العزة وهذه الكرامة حتى تثمر ، ومن شانه ان يصب في ارواح المسلمين رحيق الوحدة ، مهما تناءت بهم الديار . .
( انما المؤمنون اخوة ) . وان يسكب فى جوانحهم معاني التضحية بالذات وبالمصالح الذاتية في سبيل صون الحرية الشاملة والاستقلال بالأوطان .
ان الاسلام إذا ملأ النفوس جعل أوطانها مثل الاجمة المملوءة فى كل جانب بالاسلاك المكهرية الشائكة . والمفعمة في اغوارها بالديناميت القابل للانفجار . . على الاغيار . . وهذا هو معنى " الجلاء " وسر " الاجلاء " فى صميم كيانهما الدقيق . .
ان القوة الكامنة في نفوس العرب والمسلمين تجعل منهم " طاقة ذرية " غير قابلة للابادة ، وهي قابلة للاشتعال والاجلاء في كل زمان ومكان . .
١ - أول جلاء . .
واذا اردنا ان نستنطق التاريخ ، فاننا نجده ينبؤنا بأن أول جلاء اجنبى حدث عن ارض العروبة والاسلام هو " اجلاء " رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليهود بني النضير المكرة الآثمين عن ارض المدينة المنورة . . عاصمة الاسلام الاولى . .
كان اليهود وما زالوا ، أشد الناس عداوة للذين آمنوا . . لقد سالموا الاسلام وهادنوه وعاهدوه ظاهرا ، وعملوا للقضاء عليه بما وسعتهم الحيلة الواسعة ، باطنا . .
وكان الرسول عليه السلام عالما بحقيقة امرهم ، ولكنه كان النبى السمح الكريم ، ولا يقبل على حسم الداء بالقوة ، الا بعد ان يخفق اى دواء ما عداها . . والعضو المتعفن يبتر من الجسم ... فما بالك إذا كان
هذا العضو في جسم عدو ماكريتربص بك الدوائر . .
وقد اقبل رسول الله ذات يوم مع نفر من اصحابه الى مقر بني النضير ، يبتغي انفاذ احد بنود المعاهدة المعقودة بينه وبينهم . . ولكنهم بدلا من المبادرة إلى انفاذ رغبته عليه السلام ، رأوا قدومه اليهم هكذا فرصة الدهر . . فاجمعوا امرهم على اغتياله بالقاء صخرة عليه من علو بيت أحدهم الذى كان يستظل هو وأصحابه ساعتئذ بظله . . وسرعان ما اطلع الله وسوله على ما عقدوا عليه العزم قبيل انفاذه ، فنهض من مكانه ، وعاد الى المدينة مسرعا وحده ..
" والله يعصمك من الناس " . . فلما بلغه اصحابه حدثهم بحديث مكربني النضير . . وامر بالتهيؤ لحربهم ، اذ نكثوا العهد وراموا جللا ، وقد نزل بساحتهم ، فتحصنوا بحصونهم فحاصرهم ، والقي الله الرعب فى قلوبهم ، فسألوه ان " يجليهم " ويكف عن دمائهم ، فوافق عليه السلام . .
وهكذا كان " أول جلاء " اختيارى للقوات الاجنبية عن بلاد الاسلام . .
وقد كان هذا الجلاء ذا أهمية بالغة لحماية العاصمة الاسلامية الاولى من كيد هذه الفئة التى غذيت بلبان الغدر والإثم ، ولذلك انزل الله فيه سورة كاملة هي : " سورة الحشر " وفيها يقول الله تعالى : " هو الذى اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ، ما ظننتم ان يخرجوا ، وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله ، فاتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ،
يخربون بيوتهم بأيديهم وايدى المؤمنين ، فاعتبروا يا أولى الأبصار " يقول ابن هشام فى تفسير هذه الآية الكريمة : " لولا ان كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ".. أى بالسيف ، " ولهم في الآخرة عذاب النار " مع ذلك . .
٢ - جلاء الصليبيين . .
وفي القرن الهجرى الخامس بدأت غزوات الصلبيين تقرع ديار الاسلام والعروبة ، واحتل " الغرب " أجزاء عزيزة من بلاد العروبة في الشام . . ومكثوا فيها حقبة لا تقل عن الحقبة التى مكث الاستعمار الانكليزى فيها جاثما على ارض مصر الشقيقة فيما قبل جلائه الذي حدث الآن . . بنعمة من الله وفضل . .
واتخذ الصليبيون لهم من اطراف الشام وسواحله ، نقطة وثوب على بقية اجزاء العروبة والأسلام ، ولكن سرعان ما تجاوبت اصداء التحرر والاستقلال في نفوس العرب والمسلمين وكان عراك وجلاد رهيب بين القوتين المتنازعتين السيطرة على العالم . . قوة الاسلام المدافعة وقوة الغزاة الصليبيين . . ثم . . ثم كان آخر الأمر ان فازت القوة الاسلامية المدافعة . . وكان " جلاء واجلاء " اضطراريان للأجانب المحتلين ، عن بلاد العروبة والاسلام . .
٣ - جلاء البرتغال . .
ثم في القرن الحادي عشر الهجرى غزت افواج من البرتغال ديار العروبة والاسلام . . فاحتلوا بعض موانئ
مراكش . وبعض مناطق الخنج العربى ، وبعض ديار ايران . . كما احتلوا البحرين ومسقط وعمان ، وميناء هرمز الفارسي ، والساحل الشرقي لأفريقية ، وغير ذلك من بلاد الهند الواسعة الارجاء . .
ومكثوا ما شاء الله ان يمكثوا مغتبطين بما هم فيه من استغلال لخيرات البلاد ، واضطهاد لأهلها . . ونتيجة للاحتكاك انبعثت القوة الكامنة المتقلصة فتمددت وامتدت تحرق على المستعمرين الأرم وتقضي على مصالحهم وتفتك بهم فتكا ذريعا ، استسلموا له آخر الامر كل الاستسلام . .
وهكذا كان " الجلاء " الاضطرارى الثالث ، من القوات الاجنبية عن بلاد العروبة والاسلام . .
٤ - جلاء الفرنسيين عن مصر . .
وفي القرن الثاني عشر الهجرى ، غزا الفرنسيون مصر ، يحدوهم جشع استعماري قديم ، يؤازره جشع انتقامي دفين . . وظنوا انهم لن يخرجوا من أرض مصر الطيبة الوادعة فداهنوا وجاملوا اول الأمر ، ثم تجبروا وطفوا وبغوا آخر الأمر . . ثم . . ثم تحت وطاة الضربات المتتابعة من القوة الاسلامية والعربية اضطرت القوات الفرنسية الى ان تجلو عن ارض النيل في وضح النهار . . وهكذا تم " الجلاء الرابع " الاضطرارى عن بلاد العروبة والاسلام
٥ - الجلاء عن سورية ولبنان . .
وقد اقتحمت فرنسا ، ديارسورية
ولبنان في اعقاب الحرب العالمية الأولى ، وقال القائد العام للقوات الانجليزية اذ ذاك " اللورد اللنبي " كلمته المشهورة : " الآن انتهت الحروب الصليبية " ..
وفعلت فرنسا بسورية الاعاجيب وظلت قوة المقاومة عارمة في نفوس اخواننا السوريين واللبنانيين . . ظلوا يكافحون الاستعمار باللسان والسنان ، وشبت ثورات عربية اخمدت بالحديد والنار في غير رافة ولا شفقة انسانية .. ثم .. ثم كان آخر الامر ان اضطر المحتلون الى " الجلاء " . . فى اعقاب الحرب العالمية الثانية عن سورية ولبنان . . وهكذا كان " الجلاء " الخامس عن ديار العروبة والاسلام . .
٦ - جلاء الانجليز عن السودان
والسودان . . هذا القطر العربى الذي احتله الانجليز نتيجة غش ودس ومؤامرات ماكرة . . . ظنوا انهم لن يخرجوا منه ابد الدهر . وقد عملوا كل مافي وسعهم من حيل ومكر ودهاء ، واعملوا كل ما يملكون من قوة عارمة للبطش بالاحرار ، وللقضاء على القوة الكامنة التى تروم أجلاءهم عن جنوب وادي النيل . . ثم . . ثم كان آخر الأمر ان رحل الاستعمار من السودان الشقيق وحمل معه عصاه . . وعاد البيت الى اصحابه وذويه . .
وهكذا باء الاستعمار بالجلاء السادس عن ديار العروبة والاسلام .
٧ - الجلاء الايطالي عن ليبيا . .
وليبيا . . العربية المجاهدة . .
التى كان على رأس ابطالها المغاوير المرحومان : السيد احمد السنوسي والشهيد عمر المختار . . لقد احتلها الطليان والفرنسيون نتيجة مؤامرات ومؤتمرات غربية ظالمة . . ايام كانت الدولة العثمانية التى تبسط حكمها على ليبيا تدعي بالرجل المريض . . وما زالت ليبيا تقاوم سرا وعلنا الاستعمار الغربي المزدوج ، الكارب . حتى ظفرت بالامنية الغالية ، عقب انقضاء الحرب العالمية الثانية .
وهكذا رأينا " الجلاء " السابع من الاجانب عن بلاد العروبة والاسلام .
٨ - الجلاء عن تونس ومراكش
وجلاء الفرنسيين عن هذين القطرين العربي الشقيقين ( تونس ومراكش ) على الابواب . . بعد ان نالا استقلالهما بحد السيف والسنان ونعتقد كذلك ان الاحتلال الفرنسي للجزائر يلفظ انفاسه الأخيرة ، تحت ضربات المواطنين العرب الاحرار . . ان شاء الله . .
٩ - الجلاء عن اندونيسيا . .
واذا ذكرنا " الجلاءات " في التاريخ العربى والاسلامي فلا بد لنا من ذكر الجلاء عن اندونيسيا . . الشعب الاسلامي المكافح . . لقد احتلت هولندا بلاد هذا الشعب ثلاثة قرون متوالية . . وظنت انها باقية باندونيسيا ما بقى الملوان .. ولكن القوة الكامنة في نفس الشعب الاندونيسي الكريم ، تحركت من مكمنها فجأة نتيجة لاحتكاك " العامل الإيجابي " الاسلام ، و " العامل السلبي " الغربي . . فكان كفاح
سلمى وسلبي . . فكفاح حربي رهيب وانتهى ذلك كله الى نيل اندونيسيا ما تصبو اليه من استقلال ، ونيل هولندا مالا تصبو اليه من " جلاء " و " اجلاء "..
وهكذا تم الجلاء التاسع عن بلاد العروبة والاسلام . .
١٠ - الجلاء عن الهند . .
والهند " اثمن جوهرة " في التاج البريطانى ، كما كانت .. لقد عملت انكلترا كل مافي طاقتها للاحتفاظ بها ودمجها فى رعاياها الخالدين .. ولكن الزحف السلبي المنبعث من القوة الاسلامية والشرقية طح بآمال الانجليز من حالق فجلوا عنها فى رائعة النهار .. وتركوها للمواطنين يحكمون انفسهم بانفسهم ، وهكذا تم الجلاء الاجنبى العاشر ..
وغدا ان شاء الله ، سيجلو الانجليز ويرحل الفرنسيون وغيرهم من المستعمرين عن المحميات التسع وعدن والبريمي ، والأمارات العربية المبثوثة في سواحل الخليج العربى . وافريقية الغربية والشمالية وشرق افريقية وكل بلاد عربية او اسلامية منيت بالاستعمار . .
١١ - الجلاء عن مصر ..
ولا ريب ان اهم هذه الجلاءات . وانداها صوتا ، وابعدها أثرا . هو " جلاء " آخر جندى من الانجليز عن أرض مصر العربية الشقبقة ، فى ظرف العشرة الايام الاولى من شهر ذي القعدة ١٣٧٥ ، ولقد اشترك العالم العربي والاسلامي والشرق والغرب ، في الاحتفال بهذا الاجلاء
العظيم ، الذي سبق من دورات عجلة التاريخ في العالم الحديث . .
ان هذا الجلاء يعتبر ذروة " الجلاءات " الاجنبية عن بلاد العروبة والاسلام ، فى العصر الحديث ، ان صح التعبير وهو مقدمة منطقية لازدياد قوة العروبة والاسلام ووحدتها ، وهو نقطة تحول لعودة الامجاد العربية والاسلامية الخالدة ، لا سيما وان " حامي حمى قلب العروبة والاسلام " هو الملك المصلح الذي كان له فى كل نهضة
اسلامية وعربية حدثت ، يد طولى . . الا وهو جلالة الملك " سعود " . . حفظه الله وايده . . ولذلك لا غرو أن تساهم المملكة العربية السعودية فى الفرحة الكبرى الشاملة بجلاء آخر جندى انكليزى عن مصر ، خير مساهمة . . وقد بعثت وفدا يمثلها في هذه المهرجانات العربية الشامخة . . وعلى رأسه حضرة صاحب السمو الملكى الأمير " فهد بن سعود " .
جلاء اليهود عن فلسطين . .
واعتقد جازما ان جلاء الانجليز عن مصر ، هو مقدمة طبعية لأجلاء اليهود عن الارض العربية المقدسة : " فلسطين " فقد كان بقاء الانجليز في قناة السويس ، سندا وقوة خفية وجلية لليهود ، يمدونهم من طريق القناة بالمال والسلاح والعتاد والارزاق وبأسرار الدول العربية والجيوش العربية وخاصة مصر . . واليوم وقد اغلقت فأى ضيق كارب حل باليهود المحتلين لفلسطين العربية الكريمة ؟ ! ذلك ان " القناة " هي شريان حيوى عظيم
يوصل الشرق بالغرب . . فمنه كانت تتسرب كل الآفات الى الشرق العربى ، ومنه تنصب عليه كل البلايا والرزايا والاحن ، ما ظهر منها وما بطن . . اما وقد طهره الله ، من ادران الاحتلال وآثامه وشروره . . وعاد سليما كريما الى أحضان " امه الحنون " فأية ثغرة وبيلة من ثغرات الاستعمار قد سدت فوهتها ؟ ! وكفى الله المؤمنين شرها ؟ ! وابدل ما كانت تفيض به من شرور جسام ، الى خير عميم . .
أما بعد فان الاستعمار في كل ارض عربية واسلامية منيت به ، قد احس بأنه لا محل له من الاعراب فقد
تفتح الوعى فى أبناء العروبة والاسلام واتجهت الجهود الى اقتلاع جذور الاستعمار فى كل مكان ربض به . ولذلك نراه يجمع امتعته ، وقد بد يحمل عصاه على كتفه استعدادا للرحيل عن ديار الشرق قاطبة ، الى غير رجعة ان شاء الله . .
إذا ذهب الحمار بأم عمرو
فلا رجعت ولا رجع الحمار
ولا ريب أن هذا يقتضى منا نحن العرب والمسلمين مواصلة الجهود في ميادين العلم والعمل ، لنحتل المكانة التى تليق بنا كخير أمة اخرجت للناس . .
