فى ما يخص العلوم الطبيعية يبدو من خلال المذكرات أن للشابى اطلاعا على الاقل على ثلاثة أشياء هى :
1) الثقل النوعى وهو ما نسميه بالفرنسية بــــ ( Le Poids Specifique! )
2) الجاذبية .
3) العلم الاينشتاينى .
نجد فعلا اشارة الى الثقل النوعى فى المذكرة الخاصة بيوم الأربعاء 8 جانفى 1930 (2) وفى هذا النص يقول لنا الشابى : (( وكأن صاحبنا قد شعر بان مركز الثقل النوعى قد كان كامنا فيه فتحرك وتحفز وأخذ ينظر .
ولما رأى أنه لم يقسم عليه أحد ليطيل الجلوس نهض واقفا ثم ودع وانصرف )) والشابى يتحدث هنا عن ذلك الرجل الذى يعمل بالمدرسة وهو رجل سخيف ثقيل الظل ازعج الجميع واقلقهم رغم عدم انتباههم له وعدم اكتراثهم به .
ونحن نعلم أن مفهوم الثقل النوعى له معنى دقيق فى الفيزياء وهو يعنى أساسا أن لكل جسم ثقلا خاصا به ، فللذهب وزن خاص به وكذلك القول بالنسبة الى الماء وسائر الاجسام : وهذا الثقل النوعى يتجلى عندما تأخد حجما ( Volume ) معينا من الماء ونفس الحجم من الحديد ونجد ان الوزن يختلف رغم ذلك (3) .
ومن الواضح ان الشابى يتحدث عن النوع الانسانى وعن الثقل النوعى الانسانى الذى هو متجسم فى ذلك الرجل الثقيل السخيف كما يقول
الشابى نفسه . وبهذه الصفة يكون الشابى قد فهم فهما لا بأس به المفهوم العلمى الذى يشير اليه فى النص المذكور .
اما فى ما يخص الجاذبية فنحن نجد اشارة اليها فى المذكرة الخاصة بيوم الثلاثاء 28 جانفى 1930 (4) والشابى يقول : (( ثم انتقل بنا الحديث الى » السدم « واقسامها ، وجاذبيات النجوم . . )) الخ . .
كان الشابى يتحدث عن الجاذبية مع زمرة من اصدقائه من جامع الزيتونة المعمور وكان الجماعة يدرسون الحقوق .
صحيح أن الشابى يشير فقط هنا الى مفهوم الجاذبية هذا المفهوم الفلكى النيوتنى ، وهذه الاشارة فى حد ذاتها لا تعنى أن صاحبنا له اطلاع دقيق فى هذا الميدان . انها تعنى فقط ان الشابى على اطلاع معين فى هذا الباب .
لكن هل فى الامكان تقويم درجة هذا الاطلاع ؟ لا ننسى ان القوم كانوا يتناقشون فى مسائل فكرية شتى وهذا النقاش يدل على ان هؤلاء الطلبة كانوا على اطلاع محترم بالنسبة الى طلبة يدرسون الحقوق فى الميادين التى هى محل نقاش بما فيها قضية الجاذبية ويمكن ان نقول اذن : إن الشابى كان مطلعا اطلاعا محترما فى ما يخص هذه القضية بالذات (5) .
وعلى كل حال فباقى الفقرة التى يشير فيها الشابى الى (( جاذبيات النجوم )) كما يقول هو بنفسه تبرر هذا التقويم . وهذا النص يخص اينشتاين لنصل اذن الى هذا الباب وسوف نرى كيف ان فهمه فهم محترم بالنسبة الى طالب يدرس الحقوق .
يقول الشابى وهو يواصل الاشارة الى المواضيع التى وقع النقاش فيها : (( . . . ثم الى فلسفة اينشتاين الفيلسوف الالمانى الكبير ، هاته الفلسفة التى تحاول أن تقلب ما اطمأنت اليه ادمغة الفلاسفة والطبيعيين رأسا على عقب ، هاته الفلسفة التى مثلها فى الفلسفة المادية مثل الفلسفة (( اللاأدرية )) (6) فى مذاهب الفلسفة الاخرى )) .
وفى الواقع لا نجد هنا مجرد اشارة بل حكما موجزا لكنه دقيق . فما هى قيمة هذا الحكم ؟ ولعل الاجابة على هذا السؤال تدلنا على مدى معرفه الشابى لفيزياء اينشتاين .
لنلاحظ أولا ان الشابى يبدى شيئا من عدم الدقة عندما يتحدث عن فلسفة اينشتابن وعندما ينعت هذا الاخير بكونه فيلسوفا المانيا . الأصح هو أن نتحدث عن علم اينشتاين او عن فيزياء اينشتاين وان نقول ان هذا المفكر عالم او فيزيائي ونحن لا ننكر ان علم اينشتاين يخفى فلسفة معينة هى بمثابة الركيزة والاساس لهذا العلم بل نؤيد الفكرة القائلة ان لكل علم ركيزة وأساسا فلسفيين . وقد بينا هذا فى عدة مناسبات . لكننا لا نعتقد ان الشابى يشير الى هذا بل تراه يقصد الافكار العلمية التى قال بها اينشتاين وعلى كل حال فهذا المفكر عالم قبل كل شىء وهدفه كان بناء علم جديد ولا فلسفة جديدة .
ولنلاحظ ثانيا ان الشابى يقارن الفكر الاينشتاينى بالفكر (( اللاأدرى )) ، ونحن نعتقد أن هذا خطأ ذلك ان اينشتاين وصل الى نتائج ثابتة ونهائية خلافا للفكر (( واللاأدرى )) الذى لا يصل الى أية نتيجة نهائية والحديث عن ثبوت ويقينية الحقائق الموجودة فى فيزياء اينشتاين خاصة وفى العلوم الصحيحة عامة أمر بديهى وعلى كل حال فقد أشرنا الى هذا فى مناسبة أخرى .
ورغم هذه السلبيات فالشابى يقول قولا صحيحا يدل على ان صاحبنا فهم شيئا هاما جدا وذلك عندما يذكر أن اينشتاين حاول قلب ما اطمأنت اليه ادمغة الطبيعيين . نؤاخذ الشابى فقط على كلمة حاول لان اينشتاين فى الواقع قد نجح فى محاولته وقلب فعلا ما اطمأنت اليه النفوس ولقد كان لفيزياء اينشتاين انصار كثيرون فى ذلك الوقت .
ومهما يكن من امر فالمهم هو عملية القلب وعملية الانتقال . فالنسبية (La Relativits) فى الفيزياء نقلتنا من فكر علمى معين الى فكر علمى آخر . والفكر الاول هو فكر نيوتن وهو فكر الفيزياء الكلاسيكية كما يسميها مؤرخو العلوم ، أما الفكر الثانى فهو فكر اينشتاين طبعا ، فبعدما كان العلماء والمتعلمنون يعتقدون أن الزمن يسير بنفس السرعة فى جميع الاماكن فى الارض وفى القمر الخ . . ولا علاقة له بالحركة بهذه الصفة كان الزمان يعتبر مطلقا أتى اينشتاين ليعلمنا ان الزمان لا يسير بنفس النسق فى كل الاماكن فللأرض زمنها وللقمر زمنه الخ . . والزمن 933 61
لا يسير بنفس السرعة فى مستوى الجمود وفى مستوى الحركة . وفى كلمة واحدة فالزمن بالنسبة الى اينشتاين نسبى وهو مرتبط أساسا بالمكان الذى يجرى فيه . هذا ببساطة وبكل ايجاز الانتقال الذى حصل وهذه هى عملية القلب .
ولعل الشابى يشير الى هذا فى النص الذي ذكرناه وبهذه الصفة يكون فهم شيئا اساسيا يخص اينشتاين ، وبهذه الصفة قد يكون على اطلاع وبدرجة معينة من الدقة على الحالة الاولى التى عليها الفكر العلمى ونعنى هنا الفكر النيوتنى . ونحن نفهم الآن لماذا قلنا ـــ ونحن نتحدث عن الجاذبية ـــ : ان الشابى قد يكون فهمها فهما لا يخلو من الدقة . وذلك لان نيوتن ـــ والجميع يعلم هذا ـــ هو صاحب نظرية الجاذبية . خاصة وان الشابى يتحدث عن اينشتاين مباشرة بعد الاشارة الى قضية الجاذبية ، ولعل صاحبنا اتبع تسلسلا زمنيا ولعله أراد اذن الاشارة فى هذا الصدد الى عملية الانتقال من نيوتن الى اينشتاين (7) .
ومهما يكن من امر فلا بد من اثبات شىء وهو ان الشابى لم يكن جاهلا بالعلوم الطبيعية ولعله كان على اطلاع اوسع فى ما يخص العلوم الانسانية .

