تمهيد
وهذا رمز من رموز النهضة العلمية شادته عزمات الحكومة العربية السعودية فى القطر المصرى الشقيق وقد تدرج هذا " الرمز " فى الاتساع وتدرج فى الارتفاع ، وكان فى مستهل حياته (اى قبل ثمانية عشر عاماً ) اشبه بالدائرة الصغيرة التى تنبعث فى " المحيط " وماتزال دائبة فى الاتساع حتى تشمل فى " محيطها " ما يشاء الله إن تشمله من أجزاء ذلك " المحيط " ..
وقدمت الى مصر ، لأول مرة ، فرأيت ان اقوم بزورة لهذه الدار وجولة . فى انحاثها واستطلاع لاحوالها لأوافى قراء " المنيل " بصورة مما رأيت وما شاهدت . . بصورة من عناية حضرتى بصاحبي السمو الملكى الأمير فيصل والأمير منصور ال سعود بصورة من جهود مديرية المعارف العامة في وخارج المملكة ممثلة تلك الجهود فى هذه الدار التى أناطت أمر إدارتها الى شاب أوتي قسطاً طيباً من العلم والحنكة الاداريه ، ذلك هو الصديق الاستاذ السيد ولي الدين اسعد .
وامتطيت الحافلة " الترمواي " من منزلي قرب ميدان الملكة فريدة كما يسمى الآن ، و " القبة الخضراء " كما كان يسمى قبلاً ؛ وهذا الميدان هو " سرة القاهرة " وهو " محور حركتها " فهو مترع بالناس ليل نهار لا تنقطع لهم فيه حركة ، وحيثما تنظر فى جوانبه التى تحيط به ترا زحاماً هائلاً فكأن الميدان فى مهرجان مستديم ، وللحافلات والسيارات ودراجات النفط ، وعربات الخيل دويها الصاخب فى انحائه ، ناهيك عن باعة الصحف والسلع الخفيفة . واذا رفعت بصرك الى عل فانك لتدهش من مصابيح الكهرباء المتراصة باطرافه وباعالي العمارات الشاهقة الدائرة بالميدان حتى لكانها نجوم ركبت فى سماء تحت السماء ويهو لك غير ذلك شئ آخر هو هذه الالواح البارزة التى يحمل اعلانات... وعنوانات فنية ضخمة ، منها ما يضاء بالكهرباء فى الوان زاهية مختلفة ومنها ما يشيع بمختلف الخطوط البديعة وكلها تغري السائرين الى الشراء مما تحويه عما راتها ومخازنها ودكا كينها من سلع وبضائع ، مما يشعر المتأمل بتقدم فن الاعلان وأهميته فى مصر الحديثة.. اقول ركبت الحافلة من منزلي قاصداً " حي الروضة " الجميل الرابض فى الناحية الغربية الجنوبية من مدينة القاهرة ، او من المدن المتداخله فى القاهرة إذا اردت التعبير الأصح ؛ فهناك مقر البعثات السعودية يطل دارها على الشارع العام الجميل ، وتحيط بها الحدائق الغناء ، وتحف بها العمارات الزهراء الجميلة ومن وراء ذلك كله يمتد " النيل" امتداد العملاق ، للمحيط بذراعية الجبارتين روضته التاريخية من كل الجهات إحاطة السور بالمعصم .
وسمرت عينى فى الواح الاعلانات والعنوانات المتناثرة ذات اليمين وذات الشمال ، فانا ألتهمها بعينى التهاماً على قدر من سرعة الحافلة وسرعة الأبصار واذا بلوح اخضر تزينه الشارة السعودية ) سيفان ( كتب تحتها : ) البعثة العربية السعودية ( وما ان توقف الترمواي حتى وثبت الى الأرض ويممت صوب الدار .
فى دار البعثات
قد تجولت فى الدار بصحبة احد مراقبيها ووكيل مدير الأدارة الاستاذ هاشم برادة فاذا الدار فخمة رائعة تقع من حي الروضة الجميل فى أجمل مواقعه ، وهي عبارة عن دارين دار كبيرة ودار صغيرة ، بينهما فناء جميل وتحيط بهما حدائق لطيفة . واحدى الدارين ذات اربعة طباق كبار فيحاء ، تشتغل اولاها ، الادارة واقلامها واقسامها ، ويشغل اعلاها الطلاب . وبالاخرى طابقان اثنان ، احدهما ارضي فيه المطعم ، وبالاعلا قسم من الطلبة .
حياة الدار
وحياة الدار أشية بنظام المدارس الداخلية . واذا اردت إيضاحاً شافياً لهذه النقطة فاقول لك انها تمثل فى وقت واحد : مدرسة ، وفندقاً ، ومكتبة ومستشفى ، ومطعماً . وعلى تنظيم جميع هذه الاعمال تقوم الأدارة وينهض المساعدون . . فبالدار ينام التلاميذ واليها يأوون وبها يذا كرون دروسهم ، وبها يطالعون ويراجعون ، وبها يعالجون ويسعفون ، ومنها يرتادون في كل يوم مدارسهم التى بها يدرسون.
مصلى الدار
وبالدار ردهات واسعة يؤدى فيها الطلاب الصلوات فى إوقاتها جماعات جماعات ، اذ لا يتسع البهو الواحد للجميع ، وقد حضرت اجتماعهم لأباء صلاة العشاء جماعة فى احدى هذه الردهات وكم كان جميلاً اجتماعنا ليلتئذما بها الشأن الجليل .
مكتبة الدار
اما المكتبة فقد زودتها الادارة بالكتب النافعة من دينية وادبية وثقافية الى مجلات علمية على اختلاف الوانها واتفاق اهدافها السامية المنشودة.
منتدى الدار
ومنتدى الدار عبارة عن محل واسع يجتمع به الطلاب في اوقات فراغهم للمباحثة لمن شاء وللمحادثه لمن شاء . وقد زود بوسائل التثقيف والتسلية البريئة كالمذياع وادوات الالعاب الرياضية التى من دأبها أن تنشط الجسم وتنعش الروح.
المطعم
ومطعم الدار واسع نسقت به الموائد على الطراز الحديث ، ويتناول فيه الطلاب وجبات الطعام الصحي زمراً زمراً ، وقد زود بالادوات اللازمة للمائدة
العيادة
وفي الدار عيادة حديثة يشرف عليها طبيب وطني بارع مختص هو الدكتور عمر أسعد ، وهي مزودة بصيدلية وأدوات إسعاف كافية .
وبعد فهذه هى " دار البعثات السعودية " فى مظهرها ومخبرها جلوناها لك على قدر ما يستطيع مقال عابر سبيل . . أما إذا رغبت فى ادراك مدى تقدمها من الناحية العلمية فى عهدها الحديث فما عليك الا ان تتلو التقرير الرائع الذي تفضل مديرها العام بكتابته للمنهل خاصة وهو منشور فى غير هذا المكان - مصر - القاهرة
ظل تاجر صحيح البنية يجيء الى عيادتي ليسألنى عن حالة قلبه ، ففي ذات يوم وضعت كفى على كفه ، بعد ان فحصت قلبه فحصاً دقيقاً وقلت : " دعك من الهم . فسيظل قلبك حياً نابضاً ما دمت حياً " فانصرف مغتبطا.
" مجلة المختار"

